يكشف المشهد السياسي والانتخابي في المغرب عن ازدواجية وظيفية في التسويق السياسي تمس جوهر التمثيلية الديمقراطية والبناء المؤسساتي؛ فبينما تعتمد الأجهزة التنفيذية المركزية للأحزاب السياسية (الأمانات العامة والمكاتب السياسية) داخل مقراتها الوطنية استراتيجية الاتصال المؤسساتي القائم على تصدير خطاب تقني يرتكز على مفاهيم الحكامة الترابية، الاستدامة، الدولة الاجتماعية، والتوازنات الماكرو-اقتصادية، يسجل تباين جذري على مستوى الدوائر الانتخابية المحلية في البوادي وهوامش الحواضر. فهناك يتعطل مفعول التعاقد البرامجي وتتراجع المرجعيات الإيديولوجية لصالح تواصل انتخابي حشدي مباشر يقوده وكيل اللائحة، محكوما بالسعي لتحقيق العتبة الانتخابية وحصد المقاعد عبر استثمار شبكات القرابة، النفوذ المالي، والوعود الخدماتية الفردية.
تطرح هذه الفجوة إشكالا نقديا في حقل هندسة الأطر الاتصالية وسوسيولوجيا الهيئات الناخبة بالمغرب؛ فالأمر لا يقتصر على تمايز أسلوبي عفوي، بل يعكس استراتيجية ازدواجية الخطاب وتجزئة الاستهداف الانتخابي التي تعتمدها الهيئات الحزبية بوعي كامل. تقوم هذه الاستراتيجية على تصدير صورة ذهنية مؤسساتية في المركز تخاطب أجهزة الدولة ووسائل الإعلام والشركاء الاقتصاديين، مقابل الترخيص الضمني لمرشحي المحيط الترابي باستعمال تقنيات الاستقطاب الشعبوي ومقايضة التزكيات بالحصيص النيابي، مما يجعل التنافس الانتخابي أداة للالتفاف على الضوابط المسطرية وتفريغ البرنامج الانتخابي المصادق عليه من أثره الإلزامي في تدبير السياسات العمومية والمحلية.
أولا: جدلية التزكية الانتخابية واقتصاد الريع السياسي: اختلال مساطر الترشيح الداخلي وتأثير النفوذ المالي
تعد مسطرة منح التزكيات الحزبية المحطة الأكثر إبرازا لضمور الانضباط الحزبي والالتزام البرامجي بين الأجهزة المركزية والقواعد الترابية. فبموجب القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية (كما تم تغييره وتتميمه بالقانون التنظيمي رقم 21.21 والقانون التنظيمي رقم 54.25) والقانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب (المعدل والمتمم بالقانون التنظيمي رقم 04.21 والقانون التنظيمي رقم 53.25)، يختص الأمين العام والجهاز التنفيذي للحزب حصريا بتوقيع التزكيات الانتخابية لمرشحي الدوائر المحلية والجهوية؛ غير أن هذه الصلاحية الدستورية تخضع لضغط الحسابات العددية والبحث عن المرشح القادر على حسم المقعد لضمان احتساب أصواته ضمن القاسم الانتخابي وتوسيع الفريق البرلماني، بما يعزز الموقع التفاوضي للحزب أثناء المشاورات الحكومية أو تشكيل الأغلبيات المسيرة لمجالس الجماعات والجهات والغرف المهنية.
يفرز هذا التوجه هيمنة واضحة لما يعرف بـالمال الانتخابي واستقطاب أصحاب المصالح الاقتصادية؛ إذ لم يعد المرشح في الدائرة الترابية مجرد فاعل سياسي ملتزم بأرضية الحزب، بل هو في الغالب رجل أعمال، مستثمر عقاري، أو فلاحي يمول الحملة الانتخابية بالكامل ويتحمل نفقات الهياكل الإقليمية. ويتحول الترشح للانتداب البرلماني أو الجماعي إلى استراتيجية تموقع دفاعية لتحصين المصالح الاقتصادية وشبكات الريع المحلي، والظفر بالصفقات العمومية، وتيسير رخص التعمير والمقالع؛ وهو ما ينطوي على شبهات تضارب المصالح المنصوص على حظرها في الفصل 36 من الدستور والمادة 65 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، مما يجعل القيادة الحزبية المركزية مرتهنة للقوة التمويلية للأعيان بدلا من ممارسة التوجيه والتأطير السياسي عليهم.
يكرس هذا الارتهان المالي أزمة حادة في الديمقراطية الداخلية عبر آلية الإنزال الفوقي للمرشحين؛ حيث تعمد الأمانات العامة قبيل الاستحقاقات إلى تجاوز مخرجات هيئات الترشيح الإقليمية وإقصاء المناضلين والأطر الحزبية الذين راكموا مسارات في التأطير والتكوين السياسي، لفائدة استقطاب مرشحين وافدين من أحزاب منافسة بدوافع الجاهزية المالية والامتداد العائلي. ويتحول الحزب بالنسبة لهؤلاء إلى مجرد تأشيرة قانونية وعلامة تجارية انتخابية للترشح، مما يعطل صراحة الفصل 7 من الدستور والمادة 32 مكررة من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية التي تلزم بتخصيص الدعم العمومي للتكوين والدراسات والتأطير الدائم، ويحول الفروع الحزبية الترابية إلى مقرات انتخابية مؤقتة تنحصر وظيفتها في الحملات الدعائية وتغلق بمجرد الإعلان عن النتائج النهائية للاقتراع.
ثانيا: الازدواجية التواصلية والتسويق المزدوج: هندسة الأطر الماكرو-تكنوقراطية واستراتيجيات الاستهداف الشعبوي الميداني
تظهر دراسة التواصل السياسي والحزبي أن القيادات المركزية تمارس استراتيجية تسويق سياسي مزدوجة؛ حيث تضع فاصلا صارما بين الخطاب الموجه للنخب في المركز، وبين غض الطرف عن التجاوزات اللفظية والوعود غير القانونية التي يطلقها مرشحوها في التجمعات الميدانية بالدواوير والأسواق عبر أسلوب الاستهداف الدقيق للمطالب المحلية، معتبرة ذلك تكتيكا دعائيا مباحا لتعبئة الكتلة الناخبة وضمان المقعد.
ينعكس هذا التباين على مستوى تأطير الأجندة السياسية؛ فبينما يعتمد الأمين العام داخل الفضاءات المؤسساتية لغة قطاعية تستحضر البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027، التوازنات المالية، والبرمجة الميزانياتية ثلاثية الأبعاد المؤطرة بالقانون التنظيمي للمالية، يعمد مرشح الدائرة الترابية إلى إسقاط هذه الأطر التقنية والمالية، مستعينا بـ الخطاب العاطفي والاستمالة الوجدانية عبر دارجة استقطابية تترجم السياسات العمومية للدولة إلى خدمات شخصية فورية خارج الأطر المسطرية المنظمة.
يتجلى هذا التناقض بوضوح في تدبير ملفي الإجهاد المائي والتعمير القروي؛ فبينما تركز البرامج الحزبية المركزية على الاستراتيجيات الكبرى كتحلية المياه والربط بين الأحواض المائية وتصاميم التهيئة المجالية، يخاطب المرشح الناخبين بوعود قطعية مضللة مثل: السوندا غادي توصل للدوار ونطلقو الما وغادي نلغيو فواتير الربط وابنوا وسقفوا، والرخص غادي نسهلوها ومكاينش الهدم. وتؤدي هذه الهندسة التواصلية إلى تحويل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية المكفولة بمقتضى الفصل 31 من الدستور إلى امتيازات ومنن انتخابية فردية ينسبها المرشح لنفوذه الخاص، مما يشوه وعي الناخب ويخرق صراحة قواعد المرفق العام القائمة على المساواة والاستمرارية والحياد.
ثالثا: المفارقة القانونية والمسطرية: مرجعية المشروعية الإدارية في مواجهة التضليل الاتصالي بـتعطيل المساطر
تتعمق الفجوة بين المركز والمحيط على المستوى القانوني والإداري؛ فبينما تشدد القيادات الوطنية في أدبياتها على التقيد بمبادئ دولة القانون والمشروعية والحكامة الترابية، تقوم الممارسة الميدانية للمرشحين في الأقاليم على ممارسة التضليل الاتصالي عبر الترويج لثقافة موازية توهم الناخب بقدرة المنتخب على خرق قواعد الشرطة الإدارية وتجاوز سلطات الضبط والرقابة الموكولة لأجهزة الدولة.
يتعمد المرشح المحلي طمس التراتبية المؤسساتية المحددة بموجب الفصل 145 من الدستور، الذي يسند حصريا للولاة والعمال مهام المراقبة الإدارية للمشروعية، وتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة، وحفظ النظام العام؛ فضلا عن الالتفاف على الضوابط المقررة في القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات (المادتان 100 و115). فالمرشح يبني تموقعا كاذبا يوهم الهيئة الناخبة بأن اكتساب الصفة الانتدابية يمنحه سلطة تقريرية مطلقة تتجاوز مقتضيات التأشير الإداري، المنصة الرقمية للتراخيص رخص، وقواعد مرسوم الصفقات العمومية الجديد رقم 2.22.431 الذي يفرض إلزامية المنافسة والرقمنة والشفافية.
يصل هذا التضليل المسطري مداه في قطاعي التعمير والماء؛ حيث يلتزم المرشح بتسليم رخص السكن ووقف قرارات الهدم متجاهلا إلزامية الرأي المطابق للوكالة الحضرية وضوابط القانون رقم 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير والبناء، ومقتضيات الدورية المشتركة رقم 1049/د – 2098/د الصادرة بتاريخ 28 أبريل 2023 بين وزارة الداخلية ووزارة الإسكان، والتي حصرت مساطر تبسيط البناء بالعالم القروي والاستثناء من شرط الهكتار الواحد داخل المدارات المحددة للدواوير وتحت إشراف اللجان الإقليمية التابعة للعمالات حصرا. كما يعد بحفر الآبار خارج الاختصاص الحصري لـوكالات الأحواض المائية وتدخلات شرطة المياه المقررة بموجب القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، متجاهلا دخول القانون رقم 83.21 المتعلق بالشركات الجهوية متعددة الخدمات حيز التنفيذ، والذي حصر تدبير شبكات الماء والتطهير في يد هذه الشركات ومجموعات الجماعات الترابية. وتؤدي هذه الممارسة الاتصالية إلى خلق تنافر معرفي وصدمة إجرائية لدى المواطنين فور انتهاء الحملة الانتخابية، حين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع المتابعات القضائية والغرامات المالية، ليتأكد للناخب بطلان الوعود الحزبية وانعدام أثرها القانوني أمام المقتضيات الآمرة للتشريع الوطني.
رابعا: سوسيولوجيا التحالفات الهجينة وتعدد الانتدابات: ضمور التمايز الإيديولوجي واحتكار القرار الترابي
تتكرس الفجوة البنيوية بين المركز والمحيط عقب الإعلان عن نتائج الاقتراع وانطلاق مفاوضات انتخاب مكاتب المجالس الترابية؛ حيث تبرز ظاهرة التحالفات المحلية الهجينة التي تسقط معها أسطورة الصراع الإيديولوجي والحملات الاستقطابية. ففي الوقت الذي يشهد فيه الفضاء البرلماني والمركزي حملات تقاطب حادة وحملات نقدية مضادة بين الأغلبية والمعارضة تنقل عبر شاشات التلفزة، يتحالف ممثلو هذه الهيئات المتصارعة على مستوى مجالس الجماعات والعمالات والجهات لتقاسم الرئاسات والنيابات ورئاسة اللجان الدائمة؛ وهو ما يثبت سوسيولوجيا أن التمايز الإيديولوجي والبرامجي مجرد استهلاك إعلامي ينحصر داخل العاصمة، بينما تخضع التوافقات الترابية لمنطق اقتسام ريع التدبير والمنافع الانتدابية المشتركة.
يتعزز هذا الاحتكار بظاهرة الجمع بين الانتدابات الانتخابية؛ حيث يجمع المنتخب النافذ في الأقاليم بين العضوية في البرلمان (مجلس النواب أو مجلس المستشارين)، ورئاسة المجلس الجماعي، والعضوية في مجلس الجهة والغرف المهنية. ويفضي هذا التراكم إلى احتكار كامل لـ أجندة القرار العمومي المحلي، مما يجعل المنتخب في وضعية استقلال فعلي عن سلطة حزبه وأمينه العام؛ فالمنتخب هنا يتحول إلى قطب انتخابي مستقل يمتلك كتلته الناخبة الخاصة، ولا تملك القيادة المركزية أي سلطة لفرض الانضباط البرامجي عليه تحت طائلة التلويح بتغيير الانتماء السياسي في الاستحقاقات اللاحقة.
خامسا: أثر الهندسة الانتخابية والمآل الرقابي والقضائي: من ميكانيكا القاسم الانتخابي إلى محاكم جرائم الأموال
لا يمكن فصل استمرار هيمنة الأعيان وسلوكهم التواصلي عن ميكانيزمات الهندسة الانتخابية المعتمدة؛ حيث إن نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على مستوى الدوائر المحلية ونظام القاسم الانتخابي المعتمد على أساس المقيدين يفرضان ميكانيكيا على الأحزاب تفضيل المرشحين المتوفرين على وعاء ناخب عائلي وزبوني قار على حساب المناضلين وأصحاب الكفاءات البرامجية الذين يفتقرون للامتداد المالي؛ وهو ما يجعل التباين بين خطاب المركز وممارسة المحيط نتيجة حتمية لقواعد اللعبة الانتخابية التي تعاقب الخطاب البرامجي العقلاني وتكافئ شبكات التعبئة التقليدية.
تتجلى الخاتمة المؤسساتية لهذا النمط التدبيري في المآل الرقابي والقضائي؛ والمتمثل في تفعيل وزارة الداخلية لمساطر العزل المنصوص عليها في المادة 64 من القانون التنظيمي رقم 113.14 وإحالتها على المحاكم الإدارية، إلى جانب المتابعات الجنائية أمام أقسام جرائم الأموال بمحاكم الاستئناف بحق عشرات المنتخبين والبرلمانيين، بناء على تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية وتقارير المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات المنجزة بمقتضى الفصل 147 من الدستور.
يكشف هذا المآل عن انهيار استراتيجية إدارة الأزمات الاتصالية لدى القيادات الحزبية في الرباط؛ إذ تسارع إلى ممارسة التبرؤ السياسي الفوري والإنكار فور صدور المتابعات القضائية بحق منتخبيها، متناسية أنها هي من منحتهم التزكيات واستفادت من أصواتهم لتعزيز تمثيليتها البرلمانية. وتؤدي هذه النهاية إلى تعميق أزمة الثقة السياسية، شلل المجالس الترابية المعنية، وتعزيز العزوف الانتخابي واللامبالاة السياسية لدى المواطنين لغياب مصداقية التعاقد الانتخابي.
سادسا: شروط ترشيد الممارسة الحزبية والتواصل الانتخابي وتأهيل التمثيلية الترابية
إن تجاوز هذه المفارقة الهيكلية وإعادة بناء الرابطة الحزبية على أسس دستورية واتصالية سليمة يقتضي إقرار إصلاحات تشريعية ومؤسساتية تنهي منطق التعبئة الزبونية وتؤهل التواصل السياسي الوطني، وتتمثل في:
1. إقرار ميثاق وطني لأخلاقيات التواصل الانتخابي والتسويق السياسي: تجريم ممارسات التضليل المسطري والوعود غير القانونية في الحملات الميدانية والرقمية وفق مقتضيات القانون التنظيمي رقم 53.25 المتعلق بمجلس النواب، وتفعيل الديمقراطية الداخلية في منح التزكيات بموجب القانون التنظيمي رقم 54.25 المتعلق بالأحزاب السياسية وفق معايير الكفاءة والالتزام البرامجي.
2. تنظيم حالات التنافي والحد من الجمع بين الانتدابات: تفعيل تشريعات حاسمة تمنع مراكمة الصفة البرلمانية مع رئاسة المجالس الترابية الكبرى، لكسر احتكار القرار المحلي وفسح المجال أمام تجديد النخب وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية.
3. تفعيل المسؤولية التضامنية والتأطير المستمر: تفعيل الفصل 7 من الدستور بربط التمويل العمومي للأحزاب بحجم ونوعية برامج التكوين السياسي والتواصل البيداغوجي المستمر مع المواطنين على مدار السنة، بدلا من حصر معايير الدعم في عدد المقاعد المحصل عليها.
4. تحديث الترسانة القانونية للتعمير والماء بالعالم القروي: مراجعة القوانين المنظمة للبناء وحفر الآبار وتفعيل الدورية المشتركة لتبسيط مساطر البناء بالقرى (2023)، وملاءمتها مع الواقع السوسيولوجي للأراضي السلالية والجماعية المنظمة بـالقانون 62.17، لسد الثغرات القانونية التي تستغل كأدوات للضغط والمساومة الاتصالية، بما يضمن تكريس العدالة المجالية وترسيخ دولة المؤسسات.