يوسف الشفوعي
منتدى العمق

جيل يصنع فرصته.. حين تتحول التجارة الصغيرة إلى ثقافة مقاولاتية

وأنا أتصفح «العالم الأزرق» ومختلف منصات التواصل الاجتماعي، استوقفتني ظاهرة آخذة في الانتشار: مؤثرون وصناع محتوى يفتحون صفحاتهم للتعريف بشابات وشباب وأمهات اختاروا مواجهة الهشاشة والبطالة بطريقة مختلفة؛ منتوج منزلي، تجارة صغيرة، خدمة مبتكرة أو مشروع يبدأ بإمكانات محدودة، لكنه يحمل الكثير من الإرادة.

قد تبدو هذه مجرد مبادرات فردية، لكنها في العمق تعكس تحولاً يستحق الانتباه في عقلية جزء من الشباب المغربي: من انتظار فرصة الشغل إلى محاولة صناعة الفرصة.

من الهشاشة إلى المبادرة

لسنوات، ارتبط جزء من التجارة الصغيرة بالقطاع غير المهيكل، بما يطرحه من تحديات مرتبطة بالتنظيم والحماية الاجتماعية والمداخيل الجبائية، فضلاً عن بعض مظاهر احتلال الملك العمومي وانتشار الباعة الجائلين وما يرافق ذلك أحياناً من فوضى داخل المدن.

لكن الصورة اليوم أصبحت أكثر تعقيداً وإيجابية في الوقت نفسه.
فالشاب الذي كان يسأل: «أين سأجد عملاً؟» أصبح بعضه يسأل: «ما المشروع الذي أستطيع إطلاقه؟»
والشابة التي تمتلك مهارة في الطبخ أو الصناعة التقليدية أو التصميم أو غيرها، أصبح بإمكانها تحويل تلك المهارة إلى منتوج، وتصويره بهاتفها وعرضه على مئات أو آلاف الأشخاص.
إننا أمام تحول تدريجي من ثقافة انتظار الفرصة إلى ثقافة المبادرة وصناعة الفرصة.

الهاتف أصبح واجهة تجارية

وقد سرعت جائحة كوفيد-19 هذا التحول بشكل واضح، بعدما دفعت القيود المرتبطة بالأزمة الصحية الأفراد والمقاولات إلى توسيع استخدام الحلول الرقمية.
اليوم لم يعد المشروع الصغير يحتاج دائماً، في بداياته، إلى محل تجاري وواجهة وإمكانات مالية كبيرة للوصول إلى أول زبائنه.

الهاتف الذكي أصبح واجهة، ومنصات التواصل أصبحت سوقاً، والصورة الجيدة أصبحت وسيلة إشهار، وخدمات التوصيل قربت المسافات بين البائع والمستهلك.
وهكذا أصبح الفضاء الرقمي يمنح صاحب المبادرة الصغيرة إمكانية الوصول إلى سوق أوسع بكلفة أقل.

ثم ظهر «التضامن الرقمي»

وما أثار انتباهي أكثر هو الدور الذي بدأ يلعبه بعض المؤثرين.
فعندما يخصص مؤثر يمتلك قاعدة واسعة من المتابعين منشوراً أو مقطع فيديو للتعريف مجاناً بمشروع صغير لشاب أو شابة أو أم تعيل أسرتها، فنحن أمام ممارسة تتجاوز الإشهار التقليدي لتقترب مما يمكن تسميته «التضامن الاقتصادي الرقمي».

فدقيقة واحدة على منصة اجتماعية قد تمنح مشروعاً صغيراً ما لم يكن صاحبه يستطيع شراءه: الوصول إلى الزبون.
وهنا يمكن للمؤثر أن ينتقل من صناعة المحتوى فقط إلى المساهمة في صناعة الفرص.

ليست كل تجارة صغيرة مقاولة
لكن علينا ألا نخلط بين تشجيع المبادرة وتشجيع العشوائية.
فالهدف ليس أن تتحول البطالة إلى تجارة غير مهيكلة، ولا أن تصبح الأرصفة والأسواق العشوائية الحل الدائم لمشكلة التشغيل.
التحدي الحقيقي هو أن نساعد صاحب المشروع الصغير على الانتقال تدريجياً من المبادرة الفردية إلى النشاط المنظم، ومنه إلى المقاولة القادرة على الاستمرار والنمو وخلق فرص شغل جديدة.

وهنا تبرز أهمية التكوين والمواكبة وتبسيط المساطر والتربية المالية والتسويق الرقمي والولوج إلى التمويل والحماية الاجتماعية.
لقد شجع المغرب خلال السنوات الأخيرة المبادرة الحرة وريادة الأعمال، كما أصبحت الثقافة المقاولاتية والمهارات الرقمية أكثر حضوراً في منظومة التربية والتكوين والسياسات والبرامج الموجهة للشباب.

وهذا التوجه ينسجم مع الرؤية الملكية التي جعلت من تشجيع المبادرة الاقتصادية وإدماج الشباب ودعم المقاولات محاور حاضرة في عدد من الخطب والمبادرات الوطنية.

لا تحاصروا المبادرة… نظموها

المعادلة التي نحتاج إليها اليوم بسيطة:
لا نحاصر المبادرة بالقوانين والمساطر، ولا نتركها للعشوائية أيضاً؛ بل نرافقها حتى تنضج.
فالمشروع الذي يبدأ اليوم من مطبخ بيت أو طاولة صغيرة أو صفحة على فيسبوك أو إنستغرام، قد يصبح غداً مقاولة صغيرة، ثم علامة تجارية، وربما يوفر فرص عمل لشباب آخرين.
وهنا تكمن مسؤولية المؤسسات والقطاع الخاص والمجتمع المدني وحتى المؤثرين: اكتشاف المبادرة، احتضانها، مواكبتها وربطها بمسارات التكوين والتمويل والتسويق والتنظيم.
لأن أجمل ما يمكن أن نسمعه من شاب يواجه الهشاشة ليس: «أعطوني فرصة» فقط، بل أيضاً:
«ساعدوني لأصنع فرصتي بنفسي».

إنها إشارات لتحول اجتماعي هادئ يستحق أن نفهمه ونواكبه؛ تحول من الهشاشة إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى المقاولة، ومن المقاولة إلى خلق الثروة وفرص الشغل.
فالأوطان لا تحتاج فقط إلى شباب يبحثون عن فرص… بل تحتاج أيضاً إلى شباب قادرين على صناعتها.