نحو سلوك مدني متشبع بالمواطنة وروح المسؤولية
وجهة نظر

نحو سلوك مدني متشبع بالمواطنة وروح المسؤولية

-في الخطاب الملكي الذي سبق لجلالة الملك توجيهه الى الشعب المغربي بمناسبة الاحتفال بثورة الملك والشعب يوم 20 غشت 2004 من مدينة تطوان ،أكد جلالته بأن المواطنة التي نريدها لاينبغي أن تختزل في مجرد التوفر الشكلي على بطاقة تعريف او جواز سفر ،وإنما يجب أن تتجسد في الغيرة على الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه….

-وأعتقد بأن مايحبل به الواقع من أحداث ومجريات ،وكذا مايشكل تطلعات مستقبلية مشروعة للشباب المغربي على وجه الخصوص، مدخله الأساسي هو التحلي بالمواطنة والوطنية الحقة، التي تتمثل في تحمل الأمانة بدل التملص من المسؤولية والتحلي بالإقدام والتضامن بدل التواكل والانتهازية والأنانية.

– فالمسؤولية متقاطعة ومشتركة بين الجميع.

– من هذا المنطلق، وحيث أن بلادنا تستعد لمحطة انتخابية مفصلية، وبالنظر لكون ملحمة ثورة الملك والشعب التي احتفلنا بذكراها قبل أيام تشكل دائما مضمونا متجددا تنصهر فيه الوطنية الأصيلة بالمواطنة المتجددة، فإن استثمار هذه الروح، لابد أن يكون منطلقا لكل برامج الأحزاب السياسية، ليس من أجل التأثيث الانتخابي العابر، ولكن كسلوك يؤسس لقناعات حقيقية ودائمة.

– فهل من المواطنة اليوم أن نتعهد ولانفي ؟ وأن نجتهد في سلك كل الأساليب الملتوية لدخول هذه الاستحقاقات من أجل تصدر المشهد السياسي؟

– إن مثل هذه السلوكات تتطلب تغييرا جذريا من أجل استعادة الثقة في العملية الديمقراطية بشكل عام ،هذا التغيير الذي لايملك مفاتيحه إلا نحن كمجتمع مصداقا لقوله تعالى: ” إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم ..” ومصداقا للحديث النبوي الشريف: ” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ،فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ،وذلك أضعف الإيمان ”

– وأعتقد بأن التجسيد العملي لهذا التغيير تبدأ من المشاركة المكثفة في الانتخابات لاختيار من يبدو أنه الأفضل والأقدر والأكثر نزاهة وكفاءة، ومن يبدو برنامجه أكثر إقناعا وأكثر موضوعية وقابلية للتطبيق .

– فعندما يعزف المواطن عن المشاركة أو يتعامل مع الشأن العام بلامبالاة ،فإنه يترك المجال لغيره ليقرر بدلا عنه .

– فالطبيعة تأبى الفراغ، والفراغ سرعان ما تملأه المصالح الضيقة والانتهازية وأحيانا الفساد.

– على مستوى آخر ،يمكن القول بأن العديد من النقاشات والكتابات أيضا توجه أصابع الاتهام إلى المسؤول والمنتخب كلما اختل تدبير مرفق عمومي، أو تأخر إنجاز مشروع، أو ظهرت مظاهر الفوضى في مدينة أو جماعة. ومن الطبيعي هنا أن يكون المسؤول العمومي موضع مساءلة، لأن تدبير الشأن العام ليس امتيازا، وإنما مسؤولية ترتبط بالمحاسبة، كما يقرر الدستور.

-لكن السؤال الذي قلما نطرحه بالقدر نفسه هو: أين تبدأ مسؤولية المواطن نفسه أو جزء منه على الأقل؟

-فالدولة ليست وحدها من يصنع المجال العام، والجماعة الترابية ليست وحدها من يحافظ عليه، والمنتخب ليس وحده المسؤول عن جودة الخدمات داخل المدينة أو القرية. بل هناك، في المقابل، مواطن يستعمل هذا الفضاء، وينتفع من خدماته، ويستفيد من تجهيزاته، ويدفع الضرائب والرسوم، و المفترض أنه يشارك في الانتخابات، وبالتالي فإن له نصيبا من المسؤولية في حمايته وصيانته والارتقاء به.

ولعل أبسط الأمثلة التي تكشف حجم المفارقة ، هي عندما تنشئ جماعة ما حديقة عمومية، وتوفر فيها مقاعد وتجهيزات وألعابا للأطفال، ثم لا تلبث بعض هذه التجهيزات تتعرض للتكسير أو التخريب، أو عندما تنصب علامات التشوير لتنظيم حركة السير وحماية مستعملي الطريق، فإذا بها تتعرض للعبث أو الاقتلاع أو السرقة،أو عندما تهيأ ملاعب وقاعات ومرافق لفائدة السكان، ثم تتحول أحيانا إلى فضاءات للإتلاف أو سوء الاستعمال.

-فهنا لا ترتبط المسألة فقط بجودة التدبير أو بحجم الاعتمادات المالية المرصودة للمشروع؛ بل تطرح سؤالا عن علاقة المواطن بالممتلكات العمومية.

-فمن الذي يخسر عندما تخرب حديقة؟ ومن يدفع ثمن إعادة إصلاحها؟ ومن يتحمل تكلفة استبدال تجهيز تم تكسيره بعد أشهر قليلة من وضعه؟
إنه المواطن نفسه، قبل أن يكون شخصاً آخر.

-ولهذا فإن الدفاع عن المال العام لا يبدأ فقط من تدبير المسؤول أو المنتخب، وإنما يبدأ أيضا من سلوك المواطن في الشارع، وفي الحافلة، وفي المدرسة، وفي الحديقة، وفي الملعب، وفي الطريق، وفي الشاطئ وفي كل فضاء مشترك.

-لقد اعتدنا، بحق، استحضار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة عندما يتعلق الأمر بالمسؤول العمومي. لكن من الضروري أن نوسع دائرة النقاش لنقول إن المجتمع نفسه يحتاج إلى ترسيخ ثقافة المسؤولية؛ مسؤولية الفرد تجاه الجماعة، ومسؤولية المواطن تجاه المدينة، ومسؤوليته تجاه الوطن.

ليس المقصود هنا، بالطبع، مساواة مسؤولية المنتخب بمسؤولية المواطن.

فالمنتخب الذي أسندت إليه مسؤولية تدبير الشأن العام يملك صلاحيات وموارد ووسائل، ولذلك يخضع لمساءلة مؤسساتية وسياسية وشعبية. وإذا أخطأ في التدبير، أو أخل بواجباته، أو أساء استعمال المسؤولية الموكولة إليه، فإن المحاسبة تظل حقا مشروعا وواجبا ديمقراطيا.

لكن ذلك لا يعفي المواطن من مسؤولياته.
المواطن مسؤول أيضا عن اختياره، وعن مشاركته، وعن سلوكه.

-للتذكير، فقد حظي هذا الموضوع باهتمام مؤسساتي واضح في المغرب. إذ أصدرالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيا حول ” السلوك المدني في الفضاءات العمومية: نحو ترسيخ قيم المواطنة في خدمة التنمية المستدامة ” دعا فيه إلى إطلاق مشروع وطني شامل للنهوض بالسلوك المدني ،وتعزيز التربية على المواطنة وترسيخ حس المسؤولية لدى المواطنات والمواطنين.

-وهذا يعني أن القضية ليست مجرد انطباع عابر، وإنما هي جزء من سؤال التنمية نفسها.
فلا يمكن أن نبني مدينة ذكية بمواطن يتعامل مع تجهيزاتها بعقلية التخريب، ولا يمكن أن نتحدث عن تنمية مستدامة في ظل سلوكيات تهدر الموارد وتستنزف المال العام، ولا يمكن أن نطالب بجودة الخدمات العمومية من دون أن نتحمل نحن أيضا مسؤولية المحافظة عليها.

فالتنمية ليست إسمنتا وحديدا فقط؛ إنها أيضا ثقافة وسلوك.
وهنا تحديدا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع المدني والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية والثقافية والرياضية.
وعلى ذكر الإعلام، وخصوصا الفضاء الرقمي، فمسؤوليته مضاعفة.

فقد أنتجت وسائل التواصل الاجتماعي فضاء واسعا للتعبير والمشاركة، لكنها أفرزت أيضا بعض المظاهر التي يعبر عنها شعبيا ، في لغة التداول اليومي، ب«التهركاويت» أو «الهركاوة»: وهي ظاهرة مجتمعية خطيرة تغذي العدمية وتشرعن للسخرية المجانية والسلوك الفوضوي، والتشهير، والتحريض، والاستهزاء، والبحث عن الإثارة، وتحويل كل قضية إلى مادة للفرجة والتجاذب.
ولا ينبغي، في المقابل، أن ننظر إلى كل مستخدمي الفضاء الأزرق بهذه العين؛ فهناك شباب ومواطنون يستعملون هذه المنصات بوعي ومسؤولية، ويدافعون عن قضايا المجتمع والوطن وينبهون إلى الاختلالات بشكل إيجابي.

فالمشكلة إذن ليست في الفضاء الرقمي ذاته، وإنما في كيفية استعماله.

ولعل الأخطر هو أن تتحول هذه الظاهرة إلى ثقافة، وأن يصبح العبث نوعا من البطولة، وأن يصبح احترام القانون مدعاة للسخرية، وأن يتحول التخريب إلى شجاعة، وأن تصبح الإساءة إلى الآخرين وسيلة لصناعة المتابعة.

-إننا في حاجة إلى أن نعيد الاعتبار إلى قيمة طالما ميزت المجتمع المغربي: الغيرة على المصلحة العامة.

-والأهم من ذلك كله، فنحن نحتاج إلى أن نستعيد روح المغربي الذي قاوم الاستعمار، والمغربي الذي ظل مرابطا على الحدود، والمغربي الذي شارك في المسيرة الخضراء، والمغربي الذي أثبت في محطات كثيرة أن التضامن والتعبئة والوطنية ليست مجرد شعارات، وإنما سلوك وممارسة.

-واليوم، ونحن نواجه تحديات التنمية والتحول الاجتماعي والرقمي وتغير منظومة القيم، فإن استعادة هذه الروح أصبحت أكثر إلحاحا وبالتالي فنحن لسنا بحاجة إلى مواطن يصفق دائما للمسؤول، كما أننا لسنا بحاجة إلى مواطن يرفض كل شيء وينتقد كل شيء.

نحن بحاجة إلى مواطن واع، يسائل المسؤول حين يخطئ، ويدعم المسؤول حين يصيب، ويحترم القانون، ويحافظ على الملك العام، ويشارك في الانتخابات، ويؤدي واجباته، ويدافع عن المصلحة العامة.

وبالمقابل، نحن بحاجة إلى مسؤول عمومي كفء ونزيه، يستمع إلى المواطن، ويحسن التدبير، ويقدم الحساب، ويقبل النقد والمساءلة.
-فالمعادلة في تقديري المتواضع لاتتمثل في مسؤول مقابل مواطن ،بل المعادلة الصحيحة قوامها مسؤول ومواطن، كل منهما يؤدي دوره، والغاية واحدة: الصالح العام.
وهنا تحديدا يبدأ السلوك المدني، ومن هنا أيضا تبدأ المواطنة الحقيقية.