حفصة بوطاهر
منتدى العمق

إذا كان الله قد وهبني عقلا.. فمن أعطاكم الحق في مطالبتي بتعطيله؟

أنا أدافع عن حق الدكتور محمد الفايد في أن يسأل.

وقد أختلف معه غدا في بعض أجوبته، لكنني لن أختلف معه في حقه في البحث.

لأن القضية بالنسبة لي لم تعد: هل الفايد مصيب أم مخطئ؟

القضية أعمق بكثير:

هل نؤمن بالله… أم نؤمن بالصورة التي رسمها الآخرون لنا عن الله؟

منذ أن نفتح أعيننا على الحياة، نجد أمامنا منظومة جاهزة: هذا حلال، وهذا حرام، هذا يجوز السؤال عنه، وهذا لا يجوز، وهذا ما يجب أن تعتقده، وهنا يجب أن يتوقف عقلك.

فنرث الأجوبة قبل أن نعرف الأسئلة.

ثم نكبر ونقول: «أنا مؤمن».

ولكن هل اخترنا هذا الإيمان بعد معرفة وبحث، أم أننا فقط ورثناه؟

القرآن نفسه يهز هذه الطمأنينة الموروثة هزا شديدا:

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾

هذه ليست آية تمدح الاتباع، بل تكشف خطورته.

فكيف أصبحنا نحن نفعل الشيء نفسه، ثم نسميه إيمانا؟

الله أعطاني عقلا.

فلماذا سيغضب مني لأنني استعملته في البحث عنه؟

أليس القرآن هو الذي يسأل:

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؟

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾؟

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾؟

لاحظوا الكلمة الأخيرة: برهانكم.

ليس: هاتوا ما ورثتم.

ولا: هاتوا ما قاله الناس قبلكم.

بل البرهان.

أنا لا أبحث عن إله يناسب رغباتي، ولا أريد أن أرفض الموروث لمجرد أنه موروث. فقد يكون ما ورثناه حقا، وقد يكون فهمنا له ناقصا.

أنا أريد شيئا أصعب من ذلك كله:

أريد أن أبحث عن الله كما هو، لا كما أريد أنا أن يكون، ولا كما أراد الآخرون مني أن أتصوره.

وهنا يصبح السؤال ضرورة، لا جريمة.

لأنني إذا كنت أؤمن بأن الله هو الحق، فلماذا أخاف من البحث عن الحق؟

هل الحقيقة هشة إلى درجة أن سؤالا يمكن أن يهدمها؟

وهل الله الذي خلق هذا الكون، وخلق الإنسان ووهبه القدرة على التفكير والتمييز، يحتاج منا أن نحميه من سؤال؟

إن كان الفايد مخطئا، فردوا على فكرته بالفكرة، وعلى حجته بالحجة، وعلى دليله بالدليل.

أما التكفير والتخويف ومحاولة إغلاق باب السؤال، فهي لا تجيب عن السؤال أصلا.

بل تطرح سؤالا جديدا:

لماذا تخافون إلى هذا الحد من أن يسأل الإنسان؟

أنا لا أريد إيمانا ورثته ثم قضيت حياتي أحرسه من الأسئلة.

أريد إيمانا مرّ من أمام الأسئلة الصعبة، والشك، والبحث، والتفكر، ثم بقي واقفا.

لأن السؤال الصادق لا يعني أنني ابتعدت عن الله.

قد يكون السؤال هو بداية الطريق إليه.

وقد أخرج من البحث مؤمنا بما كنت أؤمن به من قبل، لكن الفرق سيكون عظيما:

في المرة الأولى كنت أؤمن لأنهم قالوا لي.

وفي الثانية سأؤمن لأنني بحثت، وفكرت، واخترت.

وأظن أن إيمانا يعرف لماذا يؤمن، أقوى بكثير من إيمان يخشى مجرد السؤال.