منتدى العمق

المغرب أكبر من ساسته

تواتر فضائح السياسيين وتدني خطابهم وممارستهم بات السمة الطاغية في المغرب منذ سنوات، مما يحيلنا إلى طرح سؤال مشروع: هل بات المغرب أكبر من سياسيه؟ للإجابة على هذا السؤال أو على الأقل تقديم قرائن تُعين على صياغة عناصر إجابة عليه لأن المقام لا يحتمل الإحاطة بكل جوانبه، علينا أن نعترف بداية بفضل أبناء هذا الوطن وملاحمهم ضد الغزاة والمستعمرين والمعتدين، وتفانيهم في خدمة بلدهم وتجردهم من أنانيتهم وتضحياتهم طوال قرون، ولعله من المنصف أن نشير إلى غنى البلد بأطر وكفاءات من المستوى الرفيع في جميع الميادين، بما فيها السياسة وتدبير الشأن العام، ولنا في تاريخ المغرب المعاصر أمثلة لا تحصى. غير أن ما ينكشف أمام المواطن في كل لحظة من متناقضات ومنغصات ومهازل الحياة السياسية في المغرب يثير في نفسه الريبة من العملية الديمقراطية برمتها ويخلق لديه نفورًا متزايدًا من الانتخابات وكل ما يرتبط بها من تدبير للشأن العام المحلي أو الوطني، حتى أصبحت السياسة لديه مقترنة بألفاظ منحطة مثل: الانتهازية والاستغلال والاسترزاق وعدم الوفاء بالوعود والكلام الفارغ والكذب وما إلى ذلك.

إن المتأمل لبعض الأرقام حول الكتلة الناخبة يدرك حجم المأزق الذي يعاني منه البلد في امتحان المشروعية وجدوى العملية الانتخابية، حيث بلغ العدد الإجمالي للكتلة الناخبة في المغرب 15 مليونًا و800 ألفًا و136 ناخباً وناخبة سنة 2026 من مجموع 26 مليونًا من إجمالي الناخبين المحتملين على أقل تقدير، الفارق هائل بلا شك. الرقم سيبدو معبرًا أكثر إذا علمنا أنه حتى عدد الناخبين المسجلين تراجع مقارنة مع سنة 2021 حيث كان في حدود17 مليوناً و983 ألفاً و490 ناخباً. كما أن نسبة المسجلين الذين تبلغ أعمارهم 45 سنة فما فوق يقارب 60% فيما لا تتجاوز نسبة من هم أقل من 34 سنة 19%. أكيد أن هذه الأرقام دالة ولا تحتاج إلى تفسيرات خارقة.

لقد أفرزت الممارسة السياسية في المغرب نخبًا تعاني من مشكلتين أساسيتين: أولاً، انفصالها عن هموم المواطن اليومية إلا في الحد الأدنى المفروض عليها، وربما أدنى من ذلك وهذا هو الحال غالبًا. ثانيًا، عجزها عن الانخراط الفعال في الدفاع عن مصالح البلد على المستوى الدولي، وقد لاحظنا ذلك بجلاء في أحداث المدينتين المغربيتين المحتلتين: سبتة ومليلية حيث بلع كل السياسيين ألسنتهم ولم نسمع لهم صوتا إلى أن صدر تصريح من الوزارة الداخلية فانفكت عقدتهم فجأة ثم توالت بيانات لا حياة فيها، غابت عنها إجابات مقنعة دالة عن الفهم العميق للمشكل.

لقد قطع المغرب شوطًا كبيرًا في بناء مؤسساته الديمقراطية، ويطمح إلى ترسيخ حضورها لدى المواطنين لتقوية اللحمة الداخلية في مواجهة الأخطار المحدقة به، وذلك منذ الاستقلال، مرورًا بإقرار أول دستور في البلاد سنة 1962 وما تبعه من إصلاحات، إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. إلا أنه يجد نفسه عاجزًا عن صناعة نخب سياسية تملك من الكفاءة والكاريزما ما يمكنها من الفهم العميق لمجريات الأحداث ويجعلها قادرة على الانخراط بقوة في العملية الديمقراطية دون إذن من أحد. لا يعني هذا أن هذه المؤسسات تعمل بالفعالية اللازمة ولا تشوبها اختلالات لكنها تتيح فسحة للعمل، أكثر من أي وقت مضى، لمن يملك العزيمة ويتجرد من هوى النفس والارتهان للمنطق الحزبي الضيق؛ فما الذي يمنع مثلا مجلس جماعة ترابية ما من تدبير الشأن المحلي بما يضمن صيانة المرافق الأساسية من طرق وحدائق وغيرها؟ كيف يمكن أن نقنع موطنًا يضطر إلى سلك مساطر إدارية طويلة ومجحفة للمطالبة في حقه في الإنارة العمومية بجدوى العملية الانتخابية؟ ثم ما لماذا ينسلخ البرلماني من جلده وينسى مهمته الأساسية في تمثيل المواطنين والدفاع عن قضاياهم؟

الآن وبعد عقود من الممارسة السياسية وتراكم التجارب مع توالي الاستحقاقات الانتخابية وتصاعد الخطاب الحقوقي العالمي الداعم للديمقراطية، خاصة مع انتشار الوسائط الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي وقدرتها على التأثير، يجد المغرب نفسه يتراجع خطوات إلى الوراء في الوقت الذي هو في حاجة ماسة لكل أبنائه، في ظل مخاطر إقليمية متربصة به ووضع عالمي غاية في التعقيد. مما يفرض على الهيئات الحزبية وكل الفاعلين السياسيين الخروج من منطقهم التقليدي البائد وإبداع وسائل عمل فعالة واستقطاب نخب ذات مصداقية قادرة على بعث الأمل في النفوس وليس نخبًا تثبط العزائم؛ فالمغرب يجب أن يكبر بساسته.