منتدى العمق

حين يعترف الفاشلون بالفشل: من أفقد المواطن ثقته ومن سيعيدها؟

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لـ23 شتنبر 2026، تعود الأحزاب السياسية إلى الواجهة بكل قوتها، وتعود معها لغة البرامج والوعود والشعارات، ويعود المواطن إلى صدارة الخطاب السياسي بعد أن كان، في كثير من الأحيان، غائباً عن أجندة التواصل اليومي. فجأة يصبح المواطن محور كل شيء، وتصبح قضايا التعليم والصحة والتشغيل والقدرة الشرائية والشباب والاقتصاد والعدالة الاجتماعية عناوين كبرى في الخطاب الانتخابي.

واللافت أن جزءاً كبيراً من هذا الخطاب ينطلق من اعتراف يبدو، في ظاهره، شجاعاً: لقد فشلنا.
فشل التعليم، وفشلت بعض السياسات الاجتماعية، وتعثر التشغيل في الاستجابة لطموحات الشباب، وتراجعت الثقة في السياسة والمؤسسات، ولم يحقق الاقتصاد دائماً ما ينتظره المواطن من عدالة وتكافؤ للفرص.

والحقيقة أن الاعتراف بالفشل ليس عيباً؛ بل قد يكون بداية الإصلاح. أن يعترف السياسي بوجود اختلالات أفضل بكثير من إنكارها.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتراف بالفشل إلى مقدمة لطلب تفويض جديد، دون أن يرافقه تحمل واضح للمسؤولية.

فإذا كان التعليم قد فشل، فمن كان مسؤولاً عن تدبيره؟ وإذا كانت السياسة قد فشلت في استعادة ثقة المواطنين، فمن كان يمارسها؟ وإذا كانت المؤسسات العمومية تعاني من أزمة ثقة، فمن الذي أدار هذه المؤسسات، وصاغ السياسات العمومية، وشارك في صناعة القرار؟ وإذا كان الاقتصاد يعاني من اختلالات، فمن كان جزءاً من عملية تدبيره وتوجيهه؟
هنا تصبح المسألة أكبر من مجرد برنامج انتخابي جديد.

لأن المواطن لا يريد فقط أن يعرف ماذا ستفعل الأحزاب غداً؛ يريد أن يعرف ماذا فعلت بالأمس، ولماذا لم تنجح فيما وعدت به، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق.
بل إن أكثر العبارات التي تستحق التوقف عندها في الخطاب الانتخابي الحالي هي الحديث عن إعادة الثقة للمواطن في المؤسسات.
لكن السؤال البسيط والمزعج هو:

من أفقد المواطن ثقته في مؤسساته العمومية أصلاً؟
هل المواطن استيقظ ذات صباح وقرر، من تلقاء نفسه، ألا يثق في المدرسة العمومية أو المستشفى العمومي أو الإدارة أو البرلمان أو الأحزاب أو المنتخبين؟ أم أن الثقة لا تُفقد من فراغ، وإنما تُستنزف عبر تراكم طويل من التجارب والوعود والقرارات والممارسات؟
الثقة لا تسقط من السماء، كما أنها لا تختفي من تلقاء نفسها. إنها تُبنى بالممارسة، وتُهدم بالممارسة، وتُستعاد بالممارسة.
ومن هنا، فإن جزءاً أساسياً من مسؤولية تراجع الثقة لا يمكن فصله عن الفعل السياسي؛ عن أولئك الذين مارسوا السياسة، ودخلوا المؤسسات، وشاركوا في الحكومات والبرلمان والمجالس المنتخبة، وصنعوا أو ساهموا في صناعة السياسات العمومية.

لذلك، عندما يقول السياسي للمواطن اليوم: “سنُعيد لك الثقة في المؤسسات”، فمن حق المواطن أن يرد عليه بسؤال أكثر صعوبة:
كيف فقدتُ أنا هذه الثقة عندما كنتَ أنت في موقع القرار؟
المواطن لا يحتاج إلى سياسي يطلب منه أن يثق من جديد، بل يحتاج إلى سياسي يقدم له أسباباً جديدة للثقة.
وهنا يجب أن ننتقل من خطاب “إعادة الثقة” إلى سؤال “استحقاق الثقة”.
لأن الثقة لا تُطلب من المواطن، وإنما تُكتسب أمامه.
وهذا هو جوهر المسألة.

نحن أمام أحزاب تريد إصلاح التعليم، بينما ظل ملف التعليم لعقود في قلب النقاش العمومي. وأحزاب تريد إصلاح السياسة، بينما هي نفسها تمارس السياسة وتشارك في إنتاج نخبها وأساليب اشتغالها. وأحزاب تريد إصلاح الاقتصاد، بينما يوجد بعض الفاعلين السياسيين في قلب الحياة الاقتصادية والمصالح الاقتصادية.
لا يعني هذا أن كل من مارس السياسة فاشل، ولا أن كل من يمتلك شركة أو يمارس نشاطاً اقتصادياً يوجد بالضرورة في حالة تضارب مصالح، ولا أن اختيار مدرسة خاصة للأبناء دليل على فشل سياسي. القضية ليست في هذه التفاصيل منفردة، وإنما في المسافة بين الخطاب والممارسة، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة، وبين ما يقال للمواطن وما يطبّق فعلياً.
حين يقول السياسي إنه يريد مدرسة عمومية قوية، من حقنا أن نسأله عن تصوره الحقيقي لهذه المدرسة. وحين يتحدث عن العدالة الاقتصادية، من حقنا أن نسأله لمن ستذهب ثمار هذه السياسات. وحين يتحدث عن تخليق الحياة العامة، من حقنا أن نسأله عن كيفية اختيار المرشحين، وعن الديمقراطية داخل حزبه، وعن تدبير الاختلاف، وعن تجديد النخب.
لأن إصلاح الدولة لا يبدأ فقط من النصوص والقوانين؛ يبدأ أيضاً من سلوك الفاعل السياسي نفسه.
ثم هناك مسألة أخرى لا تقل أهمية: طبيعة التواصل مع المواطن.

المغربي اليوم يعرف أن التواصل الانتخابي الذي نشهده لن يكون يومياً. إنه تواصل موسمي، مرتبط بموعد الانتخابات. ستكثر اللقاءات والتجمعات والخرجات الميدانية، وستحتل البرامج والوعود مساحة واسعة في الإعلام، وسيصبح المواطن فجأة حاضراً بقوة في الخطاب السياسي.
لكن ماذا سيحدث بعد 23 شتنبر؟
ستهدأ الحملة، وستعود الحياة السياسية إلى إيقاعها المعتاد، وسيعود المواطن إلى مشاكله اليومية، وسيعود المنتخبون إلى مواقعهم، وستصبح متابعة تنفيذ الوعود أقل حضوراً من متابعة إطلاقها.
ثم تمر السنوات.

وفي الاستحقاق الموالي، سنلتقي من جديد مع الخطاب نفسه تقريباً، وربما مع الوجوه نفسها أو وجوه تشبهها، ومع وعود جديدة تحمل في كثير من الأحيان الأفكار القديمة نفسها.
وسيظهر من جديد من يقول إن التعليم يحتاج إلى إصلاح، وإن الصحة تحتاج إلى إصلاح، وإن الاقتصاد يحتاج إلى إصلاح، وإن السياسة تحتاج إلى إصلاح، وإن الثقة تحتاج إلى استعادة.
وهكذا ندخل في حلقة سياسية غريبة:
نعترف بالفشل، ثم نطلب تفويضاً جديداً لإصلاح الفشل، ثم ننتظر سنوات، ثم نعود إلى الاعتراف بالفشل من جديد.
وهنا لا بد من التمييز بين التواصل السياسي والتواصل الانتخابي.

التواصل السياسي علاقة مستمرة بين المواطن ومن يمثله؛ أما التواصل الانتخابي فهو علاقة موسمية تنشط عندما يصبح صوت المواطن مطلوباً.
المواطن لا يريد أن يطرق السياسي بابه كل عدة سنوات ليطلب صوته، ثم يختفي بعد حصوله عليه. يريد أن يرى السياسي بعد الانتخابات كما رآه قبلها. يريد أن يعرف ماذا أنجز، وماذا لم ينجز، ولماذا لم ينجز، وما الذي تغير في حياته نتيجة القرارات التي اتخذها المنتخبون.
ولهذا، فإن دور الإعلام يجب أن يتجاوز سؤال:ماذا ستفعلون؟ السؤال الأهم بعد أشهر وسنوات هو: ماذا فعلتم؟ فالبرنامج الانتخابي ليس قصيدة شعرية ولا إعلاناً تجارياً. إذا قال حزب إنه سيصلح التعليم، فعليه أن يوضح: كيف؟ وبأي موارد؟ وفي أي مدة؟ ومن المسؤول؟

وإذا قال إنه سيخلق فرص الشغل، فعليه أن يحدد: كم فرصة؟ وفي أي قطاعات؟ وبأي آليات؟ وإذا تحدث عن العدالة الاجتماعية، فعليه أن يشرح كيف سيمولها.
وإذا تحدث عن تخليق الحياة السياسية، فعليه أن يبدأ من داخل بيته السياسي نفسه.
فالبرنامج الحقيقي هو الذي يجعل المواطن قادراً على العودة إليه بعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات، وفتح صفحاته أمام الحزب والقول له: هذا ما وعدتم به، وهذا ما أنجزتموه، وهذا ما لم تنجزوه. لماذا؟ هنا فقط تصبح الانتخابات ديمقراطية للمحاسبة، وليس مجرد موسم للوعود. والمطلوب اليوم ليس إسقاط الأحزاب ولا تبخيس العمل السياسي. بالعكس، إن الدفاع عن السياسة الحقيقية يقتضي رفع سقف النقد، لأن السياسة بدون نقد تتحول إلى دعاية، والديمقراطية بدون محاسبة تتحول إلى تفويض مفتوح.
المغرب لا يحتاج إلى سياسي يظهر أمام المواطن عندما يحتاج إلى صوته.
المغرب يحتاج إلى سياسي يبقى أمام المواطن عندما يحصل على صوته.
يحتاج إلى حزب يقدم حصيلته، ومنتخب يشرح قراراته، وإعلام يتابع الوعود، ومجتمع مدني يراقب، ومواطن يحتفظ بذاكرته السياسية.
لأن الانتخابات لا ينبغي أن تكون لحظة نسيان، بل لحظة تذكّر.
تذكّر من وعد.
وتذكّر ماذا وعد.
وتذكّر ماذا أنجز.
وتذكّر ماذا لم ينجز.
ثم يقرر.

وهذا هو الوعي الانتخابي الحقيقي.
فالمواطن المغربي ليس في حاجة إلى أن يسمع كل أربع أو خمس سنوات أن السياسيين اكتشفوا من جديد مشاكل التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة والثقة. المواطن يعيش هذه المشاكل يومياً، وليس موسمياً.
ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يرافق الاستحقاقات المقبلة ليس فقط:
من سيحكم؟
بل: من يستحق أن نمنحه ثقتنا؟ وعلى أي أساس؟ وكيف سنحاسبه بعد أن يحصل عليها؟ فالاعتراف بالفشل جميل.
لكن الأجمل منه أن يتحول إلى مسؤولية.
والأجمل من المسؤولية أن تتحول إلى محاسبة.

والأجمل من المحاسبة أن تفتح الطريق أمام من يستطيع أن ينجح.
أما أن نعترف بالفشل اليوم، ثم نعود غداً لنطلب من المواطن أن يمنحنا فرصة جديدة لإصلاح ما فشلنا فيه، دون حصيلة واضحة ودون تفسير ودون مسؤولية، فهذه ليست عملية تجديد سياسي.
هذه إعادة تدوير للفشل.
وإذا كان السياسيون سيعودون إلى المواطن في كل استحقاق انتخابي، فإن المواطن أيضاً سيعود إليهم بسؤال واحد، لا ينبغي أن يكون موسمياً: ماذا فعلتم؟
لأن الديمقراطية لا تعني أن يطلب السياسي ثقة المواطن مرة كل عدة سنوات؛ الديمقراطية تعني أن يظل السياسي مستعداً لاستحقاق هذه الثقة كل يوم.
الثقة لا تُطلب… الثقة تُستحق.