دراسة: محدودية الفرص أمام شباب “NEET” بجهة درعة تجعلهم ينظرون إلى الهجرة كمخرج
مجتمع

دراسة: محدودية الفرص أمام شباب “NEET” بجهة درعة تجعلهم ينظرون إلى الهجرة كمخرج

كشفت دراسة ميدانية حول تمثلات شباب “NEET” وفرص اندماجهم في التنمية المحلية، بالمناطق الواحية الهامشية بجهة درعة تافيلالت، عن وجود علاقة معقدة بين أوضاع الشباب وفرص اندماجهم الاجتماعي والاقتصادي، مؤكدة أن محدودية الاندماج لا ترتبط فقط بنقص فرص الشغل والتكوين، وإنما تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية ومجالية وتعليمية تؤثر في نظرة الشباب إلى ذواتهم ومحيطهم ومستقبلهم.

وتخلص الدراسة، التي أشرف على إنجازها أستاذ التعليم العالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، فريد أمار، إلى أن جزءا مهما من شباب NEET يعيشون توترا مستمرا بين الرغبة في النجاح والشعور بعدم القدرة على تحقيقه، فيما تتجه فئات أخرى نحو الانتظار أو الانسحاب أو الهجرة باعتبارها مخرجا من واقع يُنظر إليه باعتباره محدود الفرص.

وتقترح الدراسة، التي تمت مناقشة نتائجها خلال ندوة علمية، إعادة النظر في مقاربة قضايا الشباب، من خلال الانتقال من سياسات تُصمم للشباب إلى سياسات تُبنى بدرجة أكبر على فهم تمثلاتهم والاستماع إلى تجاربهم وتصوراتهم للمستقبل.

واختارت الدراسة جهة درعة تافيلالت مجالا للبحث بالنظر إلى خصوصياتها الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والمجالية، وما يميزها من طابع واحي، واتساع المجال القروي، وتحديات مرتبطة بالتعليم والتكوين والتشغيل والهجرة والعدالة المجالية.

وتكتسب هذه الخصوصية أهمية بالنظر إلى أن حوالي 71.9 في المائة من سكان الجهة يعيشون في الوسط القروي، بما يجعل البعد المجالي عنصرا أساسيا في فهم وضعية الشباب ومسارات اندماجهم.

وشملت الدراسة مجموعات تنتمي إلى أقاليم الرشيدية وتنغير وزاكورة، فيما احتضنت جماعة غريس العلوي جانبا من العمل الميداني في المجال القروي.

ولم تكتف الدراسة برصد الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للشباب، بل حاولت الاقتراب من الطريقة التي يفكرون بها في واقعهم، وكيف يمنحون معنى لتجاربهم، وكيف ينظرون إلى إمكاناتهم وإلى المؤسسات والمجتمع والمجال الذي يعيشون فيه.

وفي هذا الإطار، اعتمد فريق البحث مقاربة كيفية شملت ست مجموعات بؤرية بمشاركة 60 شابا وشابة، إلى جانب توظيف التداعي الحر، وبطاقات التداعي الترابطية، والفرز المعرفي المتتالي، والمقابلات الفردية.

واستندت الدراسة إلى نظرية التمثلات الاجتماعية لدى سيرج موسكوفيسي، وإلى مقاربة النواة المركزية التي طورها جون كلود أبريك، بهدف الانتقال من مجرد رصد عناصر الخطاب إلى الكشف عن البنيات والتقابلات والاتجاهات النفسية التي تنتظم حولها تمثلات الشباب. ومن أبرز خلاصات الدراسة وجود توتر مركزي بين الطموح والعجز في تمثل الشباب لذواتهم.

ففي الوقت الذي تحضر فيه لدى بعض الشباب تمثلات مرتبطة بالإحباط والقلق والخوف من الفشل وجلد الذات، تظهر لدى فئات أخرى، خصوصا لدى الشباب الحضري والأكثر تعليما، تمثلات أكثر إيجابية تقوم على الثقة والطموح والرغبة في الإنجاز والمبادرة.

وترصد الدراسة، في هذا السياق، ما يمكن تسميته بـ“الهوية المزدوجة”، حيث تجتمع الرغبة في النجاح مع الاعتقاد في صعوبة أو استحالة تحقيقه. وتشير النتائج إلى أن التمثلات السلبية تزداد حدة في عدد من الأوساط القروية ولدى الفئات ذات المستوى التعليمي الأضعف، بما يكشف عن تداخل واضح بين الموقع المجالي والمستوى التعليمي وبين صورة الشاب عن قدرته على الفعل وتحقيق المستقبل الذي يتطلع إليه.

وفي علاقتهم بالمحيط الاجتماعي والمؤسساتي، ترصد الدراسة تمثلات يغلب عليها الإحساس بالخذلان والتهميش وغياب الاعتراف، إلى جانب العزلة والانطواء والضغط الأسري والخوف من الوصم. وتظهر هذه التمثلات في الوسطين الحضري والقروي، غير أن الدراسة تسجل حدتها في بعض المجالات القروية، ومنها غريس.

وبحسب النتائج، فإن ضعف مؤسسات الدعم كما يمثلها الشباب يمكن أن يعمق الإحساس بالإقصاء، ويضعف الانتماء والثقة في إمكانية الاندماج. غير أن المعطيات لا تقدم صورة موحدة؛ إذ تكشف عن وجود موارد نفسية واجتماعية أكثر مرونة لدى بعض الشباب الحضري المتعلم، من قبيل القدرة على التكيف والاستعداد لمقاومة التهميش عندما تتوفر فرص مناسبة.

ويشكل المستقبل أحد أبرز المفاتيح التي تكشف من خلالها الدراسة طبيعة تمثلات شباب NEET. فالنتائج تظهر ثنائية بين الأمل والانسداد؛ إذ يتطلع بعض الشباب إلى تحسين أوضاعهم من خلال التكوين والمبادرة الذاتية والمشاريع، بينما تهيمن على فئة أخرى تمثلات تقوم على غياب الرؤية، وتأجيل المستقبل، وانتظار الفرص.

وتظهر الهجرة في هذا السياق كأحد المخارج التي يستحضرها الشباب أمام واقع يرونه مغلقا، خصوصا في بعض المجالات القروية. وتلفت الدراسة أيضا إلى خصوصية وضع الشابات في بعض المجالات القروية، حيث يتحول المستقبل إلى ما وصفته بـ“مستقبل مؤجل”، بفعل القيود الاجتماعية والثقافية وضعف فرص الاستقلال المهني.

ومن النتائج اللافتة التي سجلتها الدراسة أن صورة الشباب لا تظهر بالدرجة نفسها من خلال مختلف أدوات البحث. فالتداعي الحر قد يظهر مستوى أعلى من الطموح والحماس، في حين تكشف بطاقات التداعي عن أنساق نفسية أكثر تمايزا.

أما الفرز المعرفي المتتالي، فيظهر علاقة أكثر تعقيدا بين الكفاءة الذاتية المدركة والتصور المستقبلي والقدرة على تدبير المواقف الحياتية. في المقابل، تبرز المقابلات الفردية انتقال المواقف بين الأمل الحذر والتشاؤم، وقد يقود هذا الأخير إلى الانسحاب أو الانتظار أو الهروب.

وتشير هذه النتائج إلى أن تمثلات الشباب ليست ثابتة أو أحادية، وإنما تتأثر بالسياق الذي يعيشون فيه وبالطريقة التي يعبرون من خلالها عن تجاربهم.

وتقترح الدراسة تركيب نتائجها ضمن نموذج ثلاثي مترابط: تمثل الذات ← تمثل المجتمع والمجال ← تمثل المستقبل. ولا تعمل هذه الأبعاد، بحسب الدراسة، بشكل خطي أو مستقل، بل تتفاعل فيما بينها.

فضعف الثقة بالذات، مقرونا بتمثل سلبي للمحيط، يمكن أن ينتج تصورا مستقبليا مغلقا، في حين يمكن لتوفر الكفاءة الذاتية والدعم الاجتماعي والاعتراف أن يعيد فتح أفق المستقبل ويعزز الاستعداد للمشاركة والاندماج.

ومن هذه الزاوية، يصبح المستقبل أكثر من مجرد تصور لما سيحدث لاحقا؛ فهو، وفق الدراسة، نقطة التقاء البعدين الذاتي والاجتماعي، ومرآة تعكس تقييم الشباب لحاضرهم، ولقدرتهم على الفعل، ولدرجة انفتاح المجال المحلي أمامهم.

وتدفع النتائج إلى تجاوز النظرة التي تختزل شباب NEET في كونهم مجرد فئة تعاني من نقص فرص الاندماج. فالدراسة تنظر إليهم باعتبارهم فاعلين يمتلكون تمثلات وتفسيرات واستراتيجيات للتكيف مع واقعهم.

وتتخذ هذه الاستراتيجيات أشكالا مختلفة؛ فبعضها يرتبط بالمبادرة والطموح، وبعضها بالانتظار والانسحاب، فيما يتجه بعضها الآخر نحو المقاومة أو الهجرة بوصفها مخرجاً متخيلا.

ومن هنا، فإن فهم هذه الاستراتيجيات يصبح ضروريا لفهم علاقة الشباب بالتنمية المحلية، لأن الشاب لا يتفاعل مع البرامج والسياسات فقط وفق ما توفره من فرص مادية، وإنما أيضا وفق الطريقة التي يمثل بها ذاته وقدرته على الاستفادة من هذه الفرص.

وتصل الدراسة إلى خلاصة مركزية مفادها أن الاندماج السوسيو-اقتصادي لشباب NEET لا يرتبط فقط بتوفير فرص العمل أو برامج التنمية، بل يتشكل أيضا من خلال الطريقة التي يرى بها الشاب ذاته، ويدرك بها محيطه الاجتماعي والمؤسساتي، ويتخيل من خلالها مستقبله.

وبذلك، فإن فجوة التنمية ليست فقط فجوة في الموارد والفرص، وإنما يمكن أن تصبح أيضا فجوة تمثلات وثقة واعتراف وأفق مستقبلي.

وتطرح هذه الخلاصة تحديا أمام السياسات العمومية، يتمثل في ضرورة عدم الاكتفاء بتصميم برامج موجهة إلى الشباب، وإنما إشراكهم في التفكير فيها، والاستماع إلى تجاربهم وتمثلاتهم وانتظاراتهم.

فالمقاربة التي تقترحها الدراسة لا تنطلق فقط من سؤال: ما الذي يحتاجه الشباب؟، وإنما تضيف إليه سؤالا أكثر عمقا: كيف يرى الشباب أنفسهم، وكيف يرون المجال الذي يعيشون فيه، وهل يعتقدون أن لهم مكانا فعليا في مستقبله؟

ويستخدم مصطلح NEET للإشارة إلى الشباب غير المنخرطين في التعليم أو العمل أو التكوين، وهي فئة تحظى باهتمام متزايد في النقاشات المرتبطة بالإدماج الاجتماعي والاقتصادي، بالنظر إلى ما قد يترتب عن استمرار وضعية الانقطاع عن التعليم والتكوين والعمل من آثار على المسار المهني والاجتماعي للشباب.

وتكتسب دراسة هذه الفئة في جهة درعة تافيلالت أهمية خاصة بسبب الخصائص المجالية للجهة، ولا سيما اتساع المجال القروي والطابع الواحي والتفاوت في الولوج إلى فرص التعليم والتكوين والتشغيل.

وفي هذا السياق، تكتسب المقاربة التي اعتمدتها الدراسة أهمية إضافية، لأنها لا تكتفي بالنظر إلى الشباب من خلال مؤشرات البطالة أو عدم النشاط الاقتصادي، وإنما تحاول فهم العالم التمثلي الذي تتشكل داخله مواقفهم من الذات والمجتمع والمجال والمستقبل.

وشكلت الندوة التي احتضنت تقديم نتائج الدراسة مناسبة لمناقشة هذه الخلاصات، بمشاركة الأستاذ الدكتور فريد أمار، إلى جانب الأستاذين الجامعيين الدكتور رشيد بوعبيد والدكتور خالد التيسير، اللذين ساهمت مداخلاتهما في إغناء النقاش حول نتائج الدراسة وأبعادها بالنسبة للتنمية المحلية.

كما تم التنويه بالدعم الذي قدمته جمعية الانفتاح للبيئة والتنمية لفريق البحث خلال السنة الماضية، ومساهمتها في تيسير العمل الميداني ومواكبته.

وتعيد الدراسة، في ضوء نتائجها، طرح سؤال جوهري أمام الفاعلين في مجال التنمية المحلية: هل يكفي توفير الفرص للشباب، أم أن نجاح سياسات الإدماج يقتضي أولاً استعادة ثقتهم في ذواتهم، وفي مؤسساتهم، وفي إمكانية بناء مستقبل داخل مجالاتهم المحلية؟