تعود الممثلة المغربية مريم الزعيمي إلى واجهة الإخراج المسرحي من خلال مسرحية “ضباب”، التي قدمت عرضها الأول بمسرح باحنيني في الرباط، في عمل يضع الذاكرة والحقيقة والانتقام وتعدد وجهات النظر في صلب أحداثه.
وتدور أحداث المسرحية حول اجتماع عائلي يأتي عقب وفاة الأب، الذي عُثر عليه مشنوقا في ظروف غامضة، قبل أن يتحول اللقاء بين أفراد الأسرة إلى مساحة لتبادل الاتهامات وكشف ما عاشه كل واحد منهم مع القتيل، بما يجعل الشخصيات الأربع جميعها موضع شبهة.
وتجمع “ضباب” أربعة أشخاص تربطهم علاقات عائلية، هم ابنة الأب الحامل وزوجها وشقيق الزوج، إلى جانب الأب الذي يشكل موته محور الأحداث.
ومع تقدم مجريات المسرحية، تتعدد الروايات وتتباين وجهات النظر حول ما وقع، بينما تكشف كل شخصية جانبا من علاقتها بالقتيل وما ظل عالقا في ذاكرتها.
وفي تصريح لـ”العمق”، أوضحت مريم الزعيمي أن المسرحية تسائل الذاكرة والانتقام ووجهات النظر والحقيقة، وتطرح سؤالا حول ما إذا كانت الحقيقة مطلقة، أم أنها ترتبط بالطريقة التي يفهم بها كل شخص الأحداث وبما احتفظت به ذاكرته منها.
وأشارت الزعيمي إلى أن الغموض يأخذ منحى آخر مع تطور الأحداث، بعدما تتكشف معطيات تقود في النهاية إلى أن الأب أقدم على الانتحار، غير أن الوصول إلى هذه النتيجة لا ينهي الأسئلة التي تطرحها المسرحية، بل يفتح المجال أمام حقائق وتفاصيل غير متوقعة مرتبطة بعلاقات الشخصيات وماضيها.
وتقدم “ضباب” هذا البناء الدرامي من خلال التشخيص الجماعي، إذ تتقاطع مواقف الشخصيات الأربع داخل فضاء واحد، وتتغير صورة الحادثة تبعا لكل رواية، بما يجعل البحث عن الحقيقة جزءا أساسيا من الصراع المسرحي.
ويحمل العمل توقيع فرقة “هيبآرت للثقافة والفنون”، بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل، فيما كتب النص أيوب أبو النصر، وأشرفت مريم الزعيمي على الإخراج، إلى جانب مشاركتها في التشخيص رفقة عادل أبا تراب وأشرف مسياح وأيوب أبو النصر.
ولا تمثل “ضباب” التجربة الأولى لمريم الزعيمي خلف الخشبة، إذ سبق لها أن خاضت تجربة الإخراج المسرحي من خلال مسرحية “فوضى”، التي شكلت أولى خطواتها في هذا المجال، قبل أن تواصل اشتغالها في الإخراج عبر “تخرشيش”.
وحققت “فوضى” حضورا في عدد من التظاهرات والعروض المسرحية، وقدمتها فرقة المسرحيين المتحدين للثقافة والفنون، كما شاركت في فعاليات مسرحية بالمغرب. وتناول العمل تأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على العلاقات الزوجية، في معالجة جمعت بين البعد الاجتماعي والطرح المسرحي.
وفي مرحلة لاحقة، قدمت الزعيمي مسرحية “تخرشيش”، من تأليف عبد الفتاح عشيق، التي شكلت ثاني تجاربها الإخراجية، وتناولت موضوعات العنف والاستغلال داخل الأسرة وزنا المحارم، وهو ما جعل العمل يدخل منذ عروضه الأولى في نقاش حول حدود تناول القضايا الاجتماعية الحساسة على الخشبة.
واعتمدت الزعيمي في “تخرشيش” على مقاربة إخراجية تستند إلى المزج بين الواقعية والرمزية، مع توظيف لغة جسدية وسينوغرافية مكثفة، في محاولة لوضع المتفرج أمام موضوع العنف الأسري وما يرافقه من صمت واستغلال.
وبانتقالها إلى “ضباب”، تواصل مريم الزعيمي توسيع حضورها في الإخراج المسرحي، من خلال عمل جديد ينقل الاشتغال من قضايا العنف داخل الأسرة إلى مساحة الجريمة والذاكرة وتعدد الروايات، ويجعل من سؤال الحقيقة محورا للعلاقة بين الشخصيات والأحداث.
تعليقات الزوار
كنت محظوظا بحضور العرض المسرحي "ضباب" عمل على مستوى راقي جدا، الكتابة احترافية وعميقة، والتشخيص متميز حيث تبارى أبطال العمل الأربعة في تقديم أدوارهم بكل اثقان وحرفية وابداع. كان الاكتشاف الجميل والمدهش في هذه المسرحية هو الفنان الصاعد أشرف مسياح الذي أثبت أنه فنان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، طبعا الى جانب تميز الأبطال المحترفين مريم وأيوب وعادل أبو تراب. نتمنى ان يتم تصوير هذا العمل لفائدة التلفزيون ليعرض على شريحة واسعة من الجمهور.