وجهة نظر

برنامج “الاستقلال” والتعليم.. وعود فضفاضة تفتقد لـ “لغة الأرقام”

وأنا أتفحص البرامج الانتخابية لاستحقاقات 23 شتنبر 2026، بحثا عن تعاقدات سياسية حقيقية تخرج قطاع التعليم من أزماته البنيوية، أثار انتباهي غياب “لغة الأرقام” وحضور “لغة النوايا” في البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال، الذي اختار رفع شعار “وطني مستقبلي”. لكن، كيف نبني هذا المستقبل بشعارات فضفاضة تفتقد لأبسط مقومات القياس والمحاسبة؟

إن المتأمل في الإجراءات التي يقترحها الحزب لنساء ورجال التعليم، يكتشف بسرعة أنها صيغت بعناية فائقة لتجنب أي التزام مالي أو زمني دقيق، وكأننا أمام قصيدة شعرية تتغنى بالإصلاح وليس أمام ميزانية والتزامات حكومية مرتقبة.

لنأخذ على سبيل المثال وعود الحزب بخصوص “تأطير رسوم التمدرس بالتعليم الخصوصي”. هذا التعبير المطاطي لا يغني ولا يسمن من جوع أمام معاناة الأسر المغربية مع جشع بعض المدارس الخاصة. كان يُفترض في حزب يرفع لواء “التعادلية” أن يمتلك الشجاعة السياسية لتحديد أرقام ونسب مئوية لتسقيف هذه الرسوم، أو تحديد سقف أعلى لرسوم التسجيل لا يمكن تجاوزه. لكن الحزب اختار مصطلح “التأطير”، وهو مصطلح زئبقي يرضي لوبي التعليم الخصوصي أكثر مما يحمي القدرة الشرائية للآباء.

أما عندما ننتقل إلى الشق المتعلق بالأساتذة، فنقف أمام “غموض استراتيجي” أكثر إثارة للاستغراب. يتحدث البرنامج عن “تسريع وتيرة الترقي في الدرجات والسلالم”، لكنه يصمت صمت القبور عن “الكيفية”. هل يقصد الحزب أنه سيعدل النظام الأساسي لتقليص سنوات الأقدمية المطلوبة لاجتياز الامتحانات المهنية إلى أقل من الست سنوات المعمول بها حاليا؟ أم أنه سيلغي نظام “الكوطا” الذي يفرمل ترقيات الآلاف؟ غياب الرقم هنا يجعل الوعد مجرد حبر على ورق يمكن تأويله لاحقا حسب مقاس الميزانية العامة.

الأمر ذاته ينطبق على ما أسماه البرنامج بـ “منحة التعليم القروي”. في غياب تحديد الغلاف المالي لهذه المنحة، قد نستيقظ غدا، إذا ما قاد الحزب الحكومة، على منحة هزيلة لا تتجاوز بضعة دراهم لا تكفي حتى لتغطية مصاريف تنقل الأستاذ في المسالك الوعرة، ليتم تسويقها إعلاميا على أنها “إنجاز تاريخي”.

إن الناخب المغربي في سنة 2026، وخاصة الشغيلة التعليمية التي خبرت جيدا لغة الحوارات القطاعية والاتفاقات الليلية، لم تعد تقنعها الوعود الإنشائية. البرنامج السياسي الحقيقي هو الذي يجيب بوضوح عن ثلاثة أسئلة: كم؟ ومتى؟ ومن أين سيتم التمويل؟

أما الاكتفاء بتوزيع مصطلحات من قبيل “سنعزز”، “سنحفز”، “سنسرع”، “سنؤطر”، فهو مجرد هروب إلى الأمام، وتهرب مسبق من المحاسبة. فالسياسة التي لا تتحدث بلغة الأرقام، هي مجرد حملة علاقات عامة لا تؤسس لـ”وطن مستقبلي” بقدر ما تعيد إنتاج إحباطات الماضي.