صورة الكاتب عبد الله شخمان
وجهة نظر

المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية؛ أية حكامة ..؟

لعل أجود ما ابتكره العقل البشري لتنظيم وإدارة المجتمعات والحد من استبداد الحكام هو النظام الديمقراطي عبر سيادة الشعب والمحاسبة، ولقد تطور الفكر الديمقراطي بمرور الزمن نتيجة تحرر الإنسان من السلطات المطلقة.

ومن هنا أهمية دراسة المجتمع المدني ودوره في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي على حد سواء جنبا إلى جنب الدولة، فالمتعارف عليه أن المجتمع المدني يقوم بوظيفة مهمة في حماية أفراد المجتمع من تعسف الدولة وسطوتها خاصة عندما تستخدم أجهزتها القمعية، كما أن علاقة المجتمع المدني بالدولة يخدم كافة فئات المجتمع ويتقاسم الأعباء مع الدولة لاسيما في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية…..التي يعيشها العالم اليوم.

وقد شكل موضوع المجتمع المدني سواء نظريا أو عمليا موضوعا ذا أهمية كبرى للسياسيين والباحثين وذلك باعتبار أن المجتمع المدني أداة قوية للاختراق والضغط والوصول إلى المعادلات الاجتماعية الصعبة، فهو- المجتمع المدني- في حده الأقصى قد يصل إلى التأثير في صياغة شكل الدولة نفسها واختيار النظام السياسي وانتخاب الحكومة ومحاسبتها، وفي حده الأدنى يقتصر أداؤه على السخط الصامت .

فالمجتمع المدني يمثل “مجموعة من الأفراد والمنظمات والهيئات التطوعية المؤسسية التي تقوم على قاعدة التعاقد، والمستقلة عــن سلطة الحكومة، والتي يتبنى أعضاؤها أهدافا مشتركة يحققونها عن طريق العمل الجماعي في مجالات مختلفة اقتصادية وثقافية ودينية وفنية واجتماعية وإنسانية وغيرها بالاعتماد على أنفسهم دون الاعتماد الكلي على الدولة إلى الحد الذي تصبح فيه تلك المنظمات والهيئات والجمعيات بمثابة قوى اجتماعية لا تنفصل عن الدولة ولكنها بمثابة عين عليها، وتسير هذه المؤسسات على أهم مبادئ الديمقراطية ” . وقد برز هذا المفهوم خلال النصف الثاني للقرن الثامن عشر نتيجة التحولات في الفكر السياسي وانتقالات أوربا من فترة الاستبداد إلى فترة الديمقراطية البرجوازية، حيث بزغت شمس النهضة الفكرية في النصف الثاني من القرن الخامس عشر لتزدهر في الربع الأول من القرن السادس عشر، في هذه الحقبة بسنواتها القصيرة جاء اختراع الطباعة التي عدّها مارتن لوثر (من أسمى فضائل الرب على عباده) كما تم اكتشاف البوصلة والبارود، وجاءت الاكتشافات الجغرافية (اكتشاف أمريكا سنة 1492م) واستتبعت ذلك ببروز التيارات الفكرية من العقلانية في القرنين السابع والثامن عشر فالتنوير في القرن الثامن عشر، والعلمانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وهكذا..

والمجتمع المدني كمفهوم وكما هو متداول ولد من رحم العقد الاجتماعي، فهذا توماس هوبز(1588/1679 م )يعنى بالمجتمع المدني المجتمع المنظم سياسيا عن طريق الدولة القائمة على التعاقد، فهو بهذا يضم المجتمع والدولة في الفكر الغربي، بل هو الأساس للدولة فقد تزامن ظهور المجتمع المدني في خضم النهضة الأوربية وبالتزامن مع انتصار الثورات البرجوازية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تلك الانتصارات التي توجت بتشكيل دول حديثة، فتنحت الإقطاعية مع قيمها إلى متحف التاريخ، كما انزوت الكنيسة كحليف مؤازر لها حيث فقدت دورها ومكانتها..أما فكريا فقد تزامن هذا مع ظهور العقلانية كفلسفة في القرن السابع عشر، والتي ارتكزت على تحكيم العقل بدل تحكيم النص والهوى، وتعود العقلانية كمصطلح فلسفي إلى ديكارت(1596-1650م )وفرنسيس بيكون (1561-1626م )ثم أن العقلانية هي بالضد من التفكير الأسطوري في الحقبة التي سبقت الثورات البرجوازية وإبان نشوبها برز تيار اجتماعي سياسي وفلسفي في أوربا باسم التنوير ظهر في القرنين السابع عشر والثامن عشر كان من أبرز أعلامه فولتير(1694-1778م )وجان جاك روسو (1722-1778م )الذين تصدوا لأنظمة الإقطاع، وجور الملوك، كما ناضلوا ضد الأوهام الدينية، وامتدت هذه الحركة الأدبية والفلسفية إلى الثورة الفرنسية (1789م)؛ حيث أورد “جان جاك روسو” في “عقده الاجتماعي “مفاهيم ومصطلحات أصبحت شائعة ومتداولة حتى تاريخ اليوم مثل الدستور، الشعب، الأمة، حقوق الإنسان، القانون، المواطن، المساواة، الحرية، الحقوق الطبيعية للفرد… إلخ، ويرى بعضهم أن المجتمع المدني خرج من (العقد الاجتماعي) لروسو، فالعقد الاجتماعي كمفهوم جاء استخدامه من قبل بعض المفكرين لتفسير أصل الدولة والقوانين والأخلاق. لكن برحيل غرامشي في الثلاثينيات من القرن العشرين ( 1937م ) اختفت الدعوة إلى المجتمع المدني بأوربا التي انشغلت بالحرب الكونية الثانية، لتعود مجددا في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات من القرن الماضي في سياق أحداث بولونيا وحركة التضامن وزعيمها التاريخي “ليش فاليسا”، ثم ازداد ضجيج الدعوة مع أحداث أوربا الشرقية ( عام 1989م) التي هدفت إلى تقويض النظام الاشتراكي، وللحقيقة نقول ليس كل من دعا إلى المجتمع المدني في أوربا الشرقية كان ضد الاشتراكية، بل جلهم أراد إصلاح النظام القائم، والخلاص من البيروقراطية والجمود والتحجر، والتحرر من الخوف المستبد بهم، وبالتالي عدم تجرؤهم على قول كلمة الحق، أو التحرر من حالة التملق والتزلف للأعلى صاحب النفوذ واختفاء النقد الهادف للأسباب ذاتها..وإذا كان قيام الدولة الحديثة في أوربا نتيجة انتصار الرأسمالية على الإقطاع، ففي المنطقة العربية مازال تطور مفهوم مؤسسات المجتمع المدني في مخاض عسير تتقاذفه المصالح والتكتيكات السياسية والصراع الطبقي والفئوي، والإيديولوجي.

وعلى العموم فقد برز مع بداية معالم الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر مع قيام دولة محمد علي باشا في مصر والتأثر بحملة نابليون على مصر عام 1798م وما جاءت به من مضامين الحداثة الغربية. ولعل ظهور هذا المفهوم في تسعينيّات القرن العشرين وانتشاره بقوّة يعتبر نوعًا من التّعويض عن نكوص سياسيّ أصاب المثقّف العربيّ، وأدّى إلى استقالته من السّياسة جرّاء انحسار الأفكار اليساريّة والقوميّة، لهذا جاء معظم مَن تبنّى هذا المفهوم من اليسار والحركات القوميّة. ورأى أنّ ذلك ترَافق مع انهيار الاتّحاد السوفياتيّ ومع الأزمة التي عصفت بالعالم العربيّ غداة احتلال الكويت في سنة1990، ثمّ توقيع اتّفاق أوسلو المشئوم بين القيادة الفلسطينية والكيان الإسرائيلي في سنة 1993 . وفي خضمّ هذه الأحداث التي جعلت كثيرًا من المثقّفين ينسحبون من السّياسة، حاول بعض اليساريّين السّابقين اختزال المجتمع المدنيّ في ما يسمَّى “المنظّمات غير الحكوميّة”. لكن ها هو المثقّف اليوم يعود إلى ممارسة السّياسة مع اندلاع الثّورات العربيّة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية..، وينخرط في الحراك الثوريّ بأفكاره ومواقفه وبجسده أيضًا. إنّ المجتمع المدنيّ من دون سياسة، وخارج سياق النّضال في سبيل الديمقراطيّة، هو إجهاض للمعنى التاريخيّ للمجتمع المدنيّ.

إن هيئات المجتمع المدني، التي تعتبر كشريك جديد في التنمية المستدامة، تلعب في بلدان المغرب العربي دورا محوريا في عملية البناء والتعمير الاجتماعي. بل إن تلك الأهمية تعاظمت في العقود الأخيرة من القرن العشرين نتيجة للمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها العالم ككل والدول المغاربية التي ليست بمعزل عن تلك المتغيرات، بفعل المصالح المشتركة التي تربطها بالبلدان الأخرى.

فعلى المستوى الاقتصادي تخلت الدولة عن جزء كبير من الدور الذي كانت تشغله اقتصادياً واجتماعياً بفعل الضغوط القادمة من المؤسسات المالية الدولية نتيجة للأزمة الاقتصادية التي أثرت على غالبية الأنظمة السياسية العربية، وهو ما أدى إلى خفض الإنفاق العام على الخدمات الاجتماعية وبرامج الرفاهية الاجتماعية، نلمس هذا بشكل جلي بالمغرب بعد انتهاج سياسة التقويم الهيكلي في بداية الثمانينيات(1983) من القرن الماضي ، مما أفسح المجال أمام شريك آخر كي يتحمل جزءا من مسؤولية الخدمة الاجتماعية وهو المجتمع المدني. خاصة وان تلك الضغوط الاقتصادية صاحبتها تحولات ديموغرافية واجتماعية فرضت احتياجات جديدة، فضلاً عن النمو الحضري الذي لم تواكبه تنمية اقتصادية. وقد أشفعت كل تلك التحولات بالدور الذي لعبته المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والذي تجاوز مجرد الضغط من أجل تطبيق برامج التحرير الاقتصادي والتكيف الهيكلي إلى البحث عن فاعلين جدد غير حكوميين يتم التعامل معهم، إضافة إلى الدور الذي لعبته الأمم المتحدة للتأكيد على ضرورة مشاركة المجتمع المدني في صياغة الخطط التنموية ووضع السياسات الاقتصادية.وبالفعل اتجهت هذه المؤسسة إلى التعامل بشكل مباشر مع المنظمات غير الحكومية أو هيئات المجتمع المدني لسد الفجوة التي تركتها الدولة إنقاذا لضحايا التحرير الاقتصادي.

و بالمغرب ومع مجيء حكومة التناوب، في تسعينات القرن الماضي، وتأسيس مؤسسات لحقوق الإنسان رسمية ابتداء بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان،وديوان المظالم، وترسخ هذا التوجه مع إطلاق المفهوم الجديد للسلطة المبني على محاولة إعطاء الأولوية للتنمية البشرية والاقتصادية ليتأكد هذا المنحى مع تصاعد الحراك الاجتماعي العربي الإقليمي والوطني الداعي إلى تحقيق الديمقراطية وإسقاط الفساد. ولقد جاء الدستور المغربي لسنة 2011 (خطاب الملك 20 مارس ) وظهور حركة20 فبراير ليشرعن تمكين المواطن المغربي من المشاركة في صناعة القرار العمومي عبر مجموعة من الآليات حيث سعت الدولة بكل هذه الإجراءات إلى التنازل عن بعض اختصاصاتها أو على الأقل إشراك الفاعلين المدنيين في بعض المجالات، وهذا يأتي في سياق عالمي لتراجع الديمقراطية التمثيلية نتيجة لتزايد عيوبها، وبروز الديمقراطية التشاركية، المبنية على الإشراك اليومي للمواطنين في تدبير شؤونهم والحق في الحصول على المعلومة، والتوزيع العادل للمرافق العمومية على عموم التراب الوطني، والمساواة في تقلد المناصب العمومية، والشفافية والمحاسبة وحكم القانون والنزاهة وخدمة المصلحة العامة، والمساواة بين المواطنين في الاستفادة من خدمات المرافق العمومية.فقد ميز دستور 2011 بين كل من دور المجتمع المدني كمؤسسات وهيئات منظمة ومعترف بها ( انتقل عدد الجمعيات من 35 ألف سنة 2002 إلى 200ألف سنة 2021)، ودور المواطن الفرد في المشاركة في صناعة القرار العمومي، الذي هو« اختيار واع اتخذه الفاعل (فرد أو مجموعة) من بين مجموعة من الاختيارات التي تعرض أمامه بشكل علني بهدف حل مشكلة ظهرت أثناء المناقشة». فعلى مستوى علم السياسة، يظهر الاهتمام الحديث بموضوع القرار منطلقا من مفاهيم أساسية، أهمها، الإرادة العامة والنشاط العام، حيث يقدم فقهاء القانون الدستوري مقاربة قانونية مؤسساتية لعملية صناعة القرار التي ارتبطت لفترة طويلة بالمؤسسات الدولة.
إن المقترب القانوني المعتمد بشكل أساسي على الدستور والنصوص التنظيمية في مجال تحليل طرق اتخاذ القرار العام داخل الأنظمة السياسية المعاصرة، وإن كان تحليلا يبدو متماسكا من الناحية الشكلية، فإنه مع ذلك يبقى مقتربا مبسطا بالنظر إلى التعقيد الذي أصبح السمة الأساسية للظاهرة القرارية لأن واقع الحياة السياسية والعلاقات بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات أصبحت معقدة جدا تجاوزت المقاربة، ومن ذلك التراجع الملحوظ في قدرة المنتخبين، بالمعنى الواسع للكلمة،على المراقبة الفعلية لمجموع التفاوضات التي أصبحت تتم حول السياسات العامة لفائدة الموظفين السامين للدولة وتنامي عدد من الفعاليات الاجتماعية والاقتصادية وزيادة دورها في التأثير على مجريات الصيرورة القرارية.

إن الأخذ بالديموقراطية التشاركية والدعوة إليها، جاء نتيجة الانتقادات المتكررة والمتزايدة للديموقراطية التمثيلية، التي لم تعد توفر للمواطنين مكانة لائقة في الحياة السياسية، سواء وطنيا أو محليا”. إن الديمقراطية التشاركية هي عملية لصنع القرار العمومي. ولما كانت كذلك، فهي تعمل من خلال الجمع بين عناصر الديمقراطية التشاركية والديمقراطية التمثيلية.

والمجتمع المدني الذي يعتبر الخيط الرابط بين طرفي المعادلة هو “رابطة اختيارية يدخلها الأفراد طواعية، ولا تقتصر عضويتها على الإجبار، أي ينضم إليها الأفراد بمحض إرادتهم الحرة وإيمانا منهم على أنها قادرة على حماية مصالحهم”.

وقد أكد دستور 2011 على مواصلة المملكة المغربية مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات الدولة الحديثة، وينص على عدة أشكال لمشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام، خصوصا إنشاء مجموعة من المجالس الاستشارية (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجماعي، إلخ) وتمكين المواطنين من تقديم الملتمسات والعرائض .
وحسب المتتبعين للشأن العام، فإن روح “20 فبراير” ومطالبها ظلت تشكل مرجعية وديناميكية ملهمة لمختلف الاحتجاجات الاجتماعية والفئوية اللاحقة في المغرب (حالة حراك الريف والحوز…كمثال).

ولأجل المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة وإرساء مجتمع متضامن “تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحريات المواطنين والمواطنات، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية (الفقرة الثانية من الفصل السادس)، هذه المشاركة قد تؤطرها الأحزاب كما قد تسهر عليها الهيئات المدنية، فقد أعطى شرعية دستورية للمفاوضات الجماعية،كما أناط بالهيئات النقابية للأجراء، والمهنيين، والمشغلين، مهمة الدفاع عن الحقوق والمصالح الاقتصادية والاجتماعية للفئات التي تمثلها(الفصل الثامن)،مما يوحي بشكل واضح على إشراك هذه الهيئات في عملية اتخاذ القرارات السياسية في مجال الشغل . إن الهدف الذي يؤسس له الدستور الجديد يتجاوز منطق الإنصات، والحوار إلى المشاركة الفعلية في عملية إعداد واتخاذ القرار العمومي، وأخد بعين الاعتبار الحلول المقترحة من طرف هيئات المجتمع المدني حيث الدستور الجديد جعل للمجتمع المدني مخاطبا رسميا لدى الدولة من خلال وزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني. إن إشراك المجتمع المدني في عملية اتخاذ القرار العمومي نكون قد انتقلنا من المواطن المستفيد إلى المواطن الفاعل، وهنا لابد من التأكيد على إمكانية الاستفادة من التجارب المقارنة ( بريطانيا ومند عام 2000 م تم إصدار مجموعة من الوثائق ومبادئ للعمل تنظم كيفية التشاور وتحدد إعداد القرارات والتمويلات وغيرها). هذا من شأنه دعم الشفافية ومحاربة إستباقية لكل أشكال المحسوبية والرشوة وإتباع قواعد فنية وإدارية واضحة، والدفع بالديمقراطية إلى الأمام وخلق قيادات وطنية جديدة يتم الاستعانة بها عند الضرورة بل ويعزز الثقة بين المواطنين والفاعل الإداري والسياسي.

كما أن إشراك هيئات المجتمع المدني في عملية تنفيذ القرارات العمومية قد تكون مباشرة في الميادين التي يمتلك فيها هذا الأخير الخبرة والتجربة والقدرة على التنفيذ (محاربة الأمية،التنمية الاقتصادية …)، وقد تكون المشاركة مواكبة وموازية للبرامج القطاعية التي يصعب على المجتمع المدني أن ينفذها (الدبلوماسية،حفظ الأمن،القطاع العسكري… ) ،كما أن مشاركة المجتمع المدني في تنفيذ القرارات العمومية قد يتم عن طريق عملية الإسناد ،حيث تسند الحكومة أو إحدى مؤسساتها جزء من أنشطتها لهيئات المجتمع المدني لتفنيدها وتسييرها أو عن طريق عملية التحويل ،و ذلك بتحويل مؤسسات الدولة لبعض أنشطتها لتنفيذها للجمعيات وفقا لاختصاصها ،أو عن طريق شراكة ين القطاع العام والخاص ،أيضا تتمثل عملية التنفيذ في التبرع الذاتي سواء بالرأسمال أو عمل مجاني ،و هذا كله من شأنه أن يخفف عبئ المسؤولية والانتقاد للأجهزة الدولة.

إن التصور الجديد لتدبير الشأن العام وفق الديمقراطية التشاركية يتجه نحو رقابة وتقييم القرارات العمومية لكي تتضح الرؤى ،فالإدارة التي لا تخضع للرقابة قد ولى عليها الزمن ،و الطرق الحديثة للتسيير أصبحت تنادي بضرورة وجود رقابة مجتمعية على مصالح المجتمع خصوصا مع تنامي وعي المواطنين بضرورة و جود إدارة مسؤولة ،للمواطن الحق أن يسائلها أي من منطق المواطن في خدمة الإدارة إلى إدارة متعاونة تخدم مصالح الشعب ،فتقييم القرارات العمومية من أبرز آليات الحكامة الجيدة. إن وجود المجتمع المدني في الواقع السياسي يقضي على الاحتقان ويسمح بالشفافية ويؤسس لتعدد المنابر ويهتم بالرأي العام، والأحزاب السياسية من تجليات المجتمع المدني، لكن عندما تندمج بالسلطة تنفصل عن المجتمع المدني، وهنا وجب أن نفتح قوسا، بالمغرب نرى من الممارسات ما يتنافى مع المبادئ الديمقراطية ؛ كلما اقترب موعد الاستحقاقات، فجأة يستيقظ بعض السياسيين وقد اكتشفوا، بعد سنوات طويلة من النضال خلف الزعماء، أنهم كانوا في الحزب الخطأ! فأصبحوا بقدرة قادر منوهين بالحزب المضيف والذي كانوا بالأمس القريب ينتقدون سياسته…!؟ (كما سماها أحد الظرفاء بموسم الهجرة إلى الأحزاب). لا نستغرب كثيرا فهذه الممارسات أصبحت مألوفة، مرشح ينتقل بين تنظيمات سياسية لا تجمع بينها أية إيديولوجية.. من اليساري إلى الإسلامي والليبرالي والاشتراكي الماركسي… كما تسير التحالفات الحزبية على نفس المنوال..حيث يتقهقر حزب كان يقود الحكومة إلى ذيل الترتيب بعد الاستحقاقات..ويتولى آخر في آخر القائمة رئاسة جهة لا لشيء سوى احتماءه بمظلة حزب فائز ؛ مشاهد لا تخضع لأي منطق.. إلا الإساءة إلى المبادئ الديمقراطية المتعارف عليها..؟! والسؤال هل استقطاب الأحزاب المنتخبين أو الترحال السياسي كما اصطلح عليه، ممارسة ديمقراطية مشروعة فعلا ؟ أم عملية مدانة أخلاقيا؟ وهل تتغير مواقف الحزب المستفيد أوالمتضرر عند تغير مواقع المرشحين..؟ إن محطات الانتخابات هي فرصة لتقييم أداء السياسيين، فهل يكون المواطن/الناخب على الموعد في 23 شتنبر 2026؟. وهنا يأتي دور المجتمع المدني في التقييم والمحاسبة وذلك من خلال تعبئة المواطن كطرف فاعل في الحياة السياسية. كما أن نجاح الديمقراطية التشاركية يتوقف عن وجود مجتمع مدني قوي وفعال، فهو مؤسسة مستقلة عن الدولة لكنها ليست متعارضة معها، وهو يعمل في إطار قوانين ويقوم على التعددية السياسية. وأخيرا يمكن القول أن المجتمع المدني هو مدخل وبوابة إلى النظام الديمقراطي، أو هو الديمقراطية ذاتها..

إن العلاقة التي تربط اليوم بين الحكامة والمجتمع المدني والتنمية الاجتماعية هي علاقة جدلية يحكمها منطق التأثير والتأثر.فالمجتمع المدني باعتباره صلب الديمقراطية التشاركية ، كونه البنية الوسطية بين الدولة ومؤسساتها وبرامجها وسياساتها العمومية وبين الأفراد والجماعات الترابية باحتياجاتهم وتطلعاتهم المستقبلية، يدخل ضمن استراتيجية مزدوجة، تحقيق الحكامة الداخلية من جهة وتحكيم مخططات الدولة وبرامجها الاجتماعية عبر تفعيل دور الرقابة وتفعيل القوة الاقتراحية للمجتمع المدني من جهة ثانية، بل تشكيل جبهة قوية لمكافحة الفساد والترافع أمام مؤسسات الدولة لصالح قضايا المجتمع وتوسيع من دائرة تأثيره ، وخاصة في ظل دستور ينص على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة كمقتضى أساسي من مقتضيات الحكامة الجيدة. ولذلك تبقى معادلة المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية والحكامة إحدى المداخل الكبرى للتنمية.