منتدى العمق

من يصنع القاع؟

في بعض المواسم الشعبية، وفي بعض الاحتفالات الجماهيرية، وفي صور تتكرر في الشارع والفضاء العام، تلتقط العين مشاهد تستفز الحس النقدي: سلوكيات متناقضة مع صورة المغرب الذي يشيّد المدن الجديدة، ويفتح الأوراش الكبرى، ويقدم نفسه ضمن مشاريع التحول الاقتصادي والعمراني. غير أن هذه الصور، مهما كانت صادمة، تظل جزءًا من لوحة أوسع بكثير.

فالمسألة لا تتعلق بموسم شعبي، ولا بطقس جماعي، ولا بعادة اجتماعية، ولا بفئة محددة من الناس. تلك المشاهد تصلح مرآة صغيرة لأسئلة أكبر تتصل بطريقة تشكل الإنسان نفسه: كيف يتعلم؟ كيف يكتسب ذوقه؟ كيف يتعامل مع القانون؟ كيف ينظر إلى العمل؟ كيف يفهم الدولة؟ كيف يختار ممثليه؟ كيف يتعامل مع الفضاء العام؟ وكيف تتكون علاقته بالمعرفة والخرافة والسلطة والمنفعة؟

السخرية من المشهد أسهل الطرق إلى إغلاق السؤال. أما السؤال الحقيقي فيحتاج إلى الذهاب أبعد من الصورة الظاهرة:

من يصنع هذا الإنسان؟

المواطن لا يصل إلى الشارع من فراغ. تحمله إليه المدرسة، والأسرة، والحي، والإعلام، وسوق الشغل، والثقافة، والسياسة. وراء السلوك اليومي تاريخ طويل من التربية والاختيارات العامة. لهذا فإن محاكمة الفرد وحده تشبه محاكمة آخر حلقة في سلسلة طويلة.

الدولة المغربية راكمت خلال عقود مشاريع كبرى وتحولات اقتصادية واجتماعية مهمة، لكن بناء الإنسان ظل أبطأ من بناء المنشآت. وهنا تقع المفارقة: تستطيع الدولة أن تشيد طريقًا في سنوات قليلة، بينما يحتاج تغيير علاقة الإنسان بالعلم والعمل والقانون والثقافة إلى جيل كامل.
وهذا هو أصل المأزق.

المدرسة لا تمنح الطفل شهادة فقط؛ إنها تحدد علاقته بالمعرفة. وإذا خرج منها بقدرة محدودة على القراءة والفهم والتعبير، تركت مساحة واسعة للخرافة والإشاعة والتفسير السهل. واللغة نفسها جزء من هذه المعركة؛ لأن الإنسان الذي يمتلك أدوات التعبير يمتلك قدرًا أكبر من القدرة على التفكير والمناقشة والدفاع عن حقه.

لهذا تبدو أزمة التعليم أخطر من أرقام النجاح والرسوب. إنها تمس نوع المواطن الذي سيدخل المجال العام بعد سنوات.
ثم تأتي الثقافة، وقد ظلت في كثير من الأحيان ضيفًا موسميًا على السياسات العمومية. نريد مجتمعًا راقي الذوق، ثم نترك ذائقته للسوق وحده. نريد إنسانًا قادرًا على التمييز بين الإبداع والابتذال، ثم نمنحه فضاءات ثقافية محدودة وحضورًا متواضعًا للكتاب والمسرح والفن.

المشكلة ليست في الثقافة الشعبية نفسها. التراث ذاكرة، والمواسم جزء من تاريخ المجتمع. المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة إلى سقف، وعندما يتوقف الموروث عن إنتاج دلالات جديدة.
المجتمع الحي يعيد صياغة تراثه؛و لا يكتفي بتكراره.
ثم يأتي الاقتصاد ليضيف وجهًا آخر للمسألة. الإنسان الذي يعيش في سوق عمل هش، أو ينتظر فرصة طويلة، أو يمارس نشاطًا غير منظم، يصبح أكثر تعرضًا لمنطق المنفعة السريعة. عندها تزدهر الوساطة، وتغري الطريق المختصرة، ويتراجع الإيمان بأن الكفاءة وحدها تكفي.
ثم نأتي لنلوم الإنسان على سلوكه.
هنا ينبغي أن نتوقف.

الفرد مسؤول فعلًا عن اختياراته. من يرمي النفايات في الشارع مسؤول. من يغش أو يدفع رشوة مسؤول. من يخرب المرفق العام مسؤول. من يبيع صوته مسؤول. ضعف التعليم لا يمنح أحدًا حق إفساد حياة الآخرين، والفقر لا يمنح رخصة للفساد.
لكن مسؤولية الفرد لا تمحو مسؤولية الدولة.
الدولة التي تريد مواطنًا يحترم القانون مطالبة بأن تجعل القانون حاضرًا في حياته اليومية. والدولة التي تريد محاربة الرشوة تحتاج إلى إدارة تجعل الطريق القانوني أكثر وضوحًا وأمانًا من الطريق الملتوي. والدولة التي تريد اقتصادًا منتجًا تحتاج إلى سوق يكافئ المهارة والعمل.
هنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية:
لماذا تسمح هذه الشروط لنفسها بأن تستمر؟
ربما لأن إصلاح الإنسان أبطأ من افتتاح مشروع، وأصعب من إطلاق برنامج، وأقل قابلية للاستثمار السياسي السريع.
إصلاح المدرسة يحتاج سنوات.
بناء الذوق يحتاج أجيالًا.
ترسيخ احترام القانون يحتاج انتظامًا طويلًا.
خلق اقتصاد منتج يحتاج صبرًا واستقرارًا.
أما السياسة، بطبيعتها، فتبحث غالبًا عن نتيجة يمكن عرضها سريعًا.
وهكذا نستطيع أن نبني الأشياء أسرع مما نبني الإنسان.
لكن ثمة سؤالًا أكثر إزعاجًا: هل يحتاج بعض الفاعلين أصلًا إلى مواطن شديد الوعي؟
المواطن الذي يقرأ يسأل.
والذي يعرف القانون يحاسب.
والذي يملك استقلالًا اقتصاديًا تقل قابليته للارتهان.
والذي يملك ثقافة سياسية لا يتعامل مع الانتخابات كسوق للمنافع.
هذه ليست دعوة إلى نظرية مؤامرة؛ إنها دعوة إلى فهم العلاقة بين ضعف الوعي وقوة الزبونية. الحاجة تجعل الإنسان أكثر قابلية للدخول في علاقة تبادل مع الوسيط السياسي: خدمة مقابل ولاء، منفعة مقابل صوت، تدخل مقابل تبعية.
هنا تتحول السياسة من تدبير للشأن العام إلى إدارة للحاجات.
لكن المواطن نفسه يشارك في تثبيت هذه اللعبة عندما يقبل أن يصبح صوته سلعة، أو يختصر حقه في منفعة شخصية، أو يبحث عن الواسطة ثم يلعن المحسوبية.

لهذا لا يصلح توزيع البراءة بين الدولة والمجتمع.
الدولة تصنع الشروط، والمواطن يصنع اختياراته داخلها.
أما النخب، فتتحمل مسؤولية ثالثة: أن تكف عن النظر إلى المجتمع من علٍ. احتقار الناس لا يرفع مستواهم. وصفهم بالتخلف لا يفسر أسباب التخلف. النقد الحقيقي ينزل إلى جذور الظاهرة، إلى المدرسة والاقتصاد والثقافة والسياسة، ثم يعود إلى الفرد ليضع أمامه مرآته الخاصة.
فالقاع ليس كتلة بشرية ولدت معطوبة.
القاع نتيجة تراكمات.

لكن النتيجة نفسها تتحول إلى مسؤولية عندما يعرف الإنسان خطأه ويصر عليه.
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست ضد موسم شعبي، ولا ضد طقس، ولا ضد طبقة اجتماعية.
المعركة ضد منظومة تنتج إنسانًا يريد ثمار الحداثة قبل أن يمتلك شروطها.

يريد خدمة صحية جيدة، ومدرسة محترمة، ومدينة نظيفة، واقتصادًا قويًا، ومؤسسات نزيهة؛ ثم يحتاج المجتمع إلى أن يتعلم أن هذه الأشياء تحتاج إلى علم وعمل وانضباط وقانون وثقافة ومسؤولية.

والدولة مطالبة في المقابل بأن توفر البيئة التي تجعل هذه القيم قابلة للحياة، وأن تتوقف عن التعامل مع بناء الإنسان كملف تابع للقطاعات الأخرى.
المغرب يستطيع أن يبني أكثر، ويستطيع أن ينتج أكثر، ويستطيع أن يعيش أفضل.

لكن السؤال الأعمق يظل قائمًا:
أي إنسان سيحمل هذا المغرب؟
فإذا تغيرت المدن وبقي الإنسان في مكانه، ستظل الحداثة واجهة.
أما إذا تغير الإنسان، فسوف تبدأ المدينة نفسها في التغير.
وهنا فقط يصبح الحديث عن الإقلاع أكثر من شعار.