كان يفترض أن يشكل فاتح شتنبر 2026 محطة مفصلية في مسار إصلاح المنظومة الصحية وبداية عهد جديد في تدبير المؤسسات الصحية بجهة الدار البيضاء سطات، باعتبار المجموعة الصحية الترابية مشروعا مؤسساتيا يهدف إلى توحيد الرؤية، وتحسين الحكامة، وتعزيز التكامل بين مختلف مستويات العرض الصحي، والرفع من جودة الخدمات.
غير أن الانطلاقة الأولى رافقتها مجموعة من علامات الاستفهام، جعلت عددا من مهنيي الصحة يتساءلون عما إذا كنا أمام تحول مؤسساتي مكتمل المعالم، أم أمام انتقال إداري لم تستكمل بعد شروطه التنظيمية والتواصلية.
هوية بصرية تثير أكثر مما توضح
من أولى الملاحظات التي برزت منذ البداية الهوية البصرية المعتمدة للمجموعة الصحية الترابية الدار البيضاء سطات. فالهوية البصرية لمؤسسة عمومية جديدة ليست مجرد شعار أو تصميم، بل جزء من صورتها المؤسساتية ورسالتها تجاه الموظفين والمواطنين والشركاء. ومن الطبيعي أن تطرح الصيغة المعتمدة تساؤلات حول مدى انسجامها مع طبيعة المؤسسة وحجم الجهة، وحول التصور التواصلي الذي رافق اعتمادها. المطلوب ليس نقاشا جماليا حول الشعار، بل معرفة ما إذا كانت هناك رؤية مؤسساتية متكاملة لبناء هوية واضحة للمجموعة منذ يوم انطلاقتها.
مناصب المسؤولية وهاجس القرارات المتأخرة
من أكثر الملفات حساسية ما رافق تدبير مناصب المسؤولية، خصوصا ما يتداول في أوساط الشغيلة حول اتخاذ عدد من القرارات في وقت متأخر قارب 48 ساعة الأخيرة قبل انطلاقتها، وفي ظل شعور بضعف التشاور مع الفرقاء الاجتماعيين. فالانتقال إلى نموذج جديد في تدبير المؤسسات الصحية يتطلب التخطيط والاستباق، وليس الانتظار إلى الأيام الأخيرة للحسم في مسؤوليات يفترض أن تكون واضحة منذ بداية العمل. ولا يتعلق الأمر بالمطالبة بأن تكون كل التعيينات محل إجماع، وإنما بضرورة اعتماد معايير واضحة، وتوفير الوقت الكافي للمسؤولين الجدد لفهم مهامهم واختصاصاتهم، وخلق ظروف تسمح لهم بالانخراط في النموذج الجديد بثقة ومسؤولية.
أين هي وثائق المجلس الإداري الأول؟
الحكامة تبدأ من الشفافية وإتاحة المعلومة. ومن هنا يطرح غياب النشر الواضح والمنتظم للوثائق التي صادق عليها أول مجلس إداري للمجموعة سؤالا مشروعا حول طبيعة التواصل المؤسساتي المعتمد. وتكتسي الهياكل التنظيمية أهمية خاصة، لأنها تحدد بشكل واضح من يفعل ماذا، ومن يتحمل المسؤولية، وكيف تنظم العلاقة بين مختلف المصالح والمؤسسات. إن عدم توفير هذه المعطيات بشكل واضح يفتح الباب أمام الاجتهادات والتأويلات، ويجعل الموظف أمام نموذج جديد دون أن يعرف بشكل دقيق موقعه داخله وحدود مسؤوليات مختلف المتدخلين.
التواصل الرقمي ليس ترفا
في الوقت الذي أصبحت فيه المؤسسات العمومية تعتمد المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الرسمية كوسيلة أساسية لإيصال المعلومة، تبدو الحاجة إلى حضور رقمي واضح للمجموعة الصحية الترابية بالدار البيضاء سطات أكثر إلحاحا. وقد رافقت انطلاقة المجموعة الصحية الترابية فاس مكناس بدينامية تواصلية ورقمية، بما في ذلك حضور رسمي على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. والمقارنة هنا ليست للمفاضلة بين الجهات، وإنما للتذكير بأن التواصل أصبح جزءا من الحكامة. فالموقع الرسمي ليس مجرد واجهة، بل يجب أن يكون مصدرا للمعلومة حول الهيكلة والقرارات والمستجدات والإعلانات والمؤسسات التابعة للمجموعة.
التكتم يفتح الباب أمام الإشاعة
ربما تكون أخطر نتائج ضعف التواصل هي خلق شعور لدى جزء من الشغيلة بوجود غموض حول مستقبل المؤسسات والموارد البشرية والمسؤوليات. والانتقال إلى نموذج جديد لا يمكن أن ينجح بالقرارات الإدارية وحدها. فالطبيب والممرض والتقني والإداري والعامل جميعهم معنيون بشكل مباشر بهذا التحول، ومن حقهم معرفة أهدافه وآلياته وانعكاساته على حياتهم المهنية.
عندما تغيب المعلومة الرسمية، لا يبقى الفراغ فارغا، بل تملؤه الإشاعات والتأويلات والمعلومات غير المؤكدة. لذلك فإن التواصل المنتظم والواضح ليس مجرد خيار، بل أداة أساسية لبناء الثقة ونجاح الإصلاح.
الشغيلة ليست متلقيا للقرار بل شريكا في الإصلاح
نجاح المجموعة الصحية الترابية لن يتحقق فقط من خلال الهياكل الجديدة، بل داخل المؤسسات الصحية نفسها، حيث يوجد المهنيون الذين سيحملون هذا الإصلاح إلى أرض الواقع. ومن ثم فإن الحوار مع الشغيلة وفرقائها الاجتماعيين يجب أن يكون جزءا من الحكامة الجديدة، ليس بالضرورة لفرض كل المطالب، ولكن لتوفير المعلومة، والاستماع إلى الملاحظات، وتوضيح القرارات، ومعالجة المخاوف قبل تحولها إلى أزمات. فالإصلاح الذي يشعر فيه الموظف أنه يتم فوقه وليس معه سيواجه صعوبات أكبر في التطبيق.
الانطلاقة قابلة للتصحيح
تسجيل هذه الملاحظات لا يعني الحكم مسبقا على تجربة المجموعة الصحية الترابية بالدار البيضاء سطات بالفشل. فالمرحلة لا تزال في بدايتها، وما زالت هناك فرصة حقيقية لتدارك الاختلالات وتصحيح المسار. والمطلوب اليوم ليس كثيرا: نشر الوثائق التي صادق عليها المجلس الإداري، وتوضيح الهياكل التنظيمية، وتقديم معايير واضحة لإسناد المسؤوليات، وإطلاق موقع رسمي وحضور رقمي مؤسساتي فعال، وفتح قنوات حقيقية ومنتظمة للحوار مع الشغيلة وفرقائها الاجتماعيين. فالمجموعة الصحية الترابية لا ينبغي أن تكون مجرد تغيير في الأسماء والهياكل، بل انتقالا فعليا نحو ثقافة جديدة في التدبير تقوم على التخطيط والشفافية والتشاركية والتواصل وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويبقى السؤال الذي تفرضه هذه البداية: إذا كانت الحكامة واحدة من أهم أهداف المجموعات الصحية الترابية، فهل يمكن بناء حكامة صحية جديدة بمنطق قديم في اتخاذ القرار والتواصل؟ الدار البيضاء سطات تحتاج إلى انطلاقة واضحة لا إلى بداية غامضة، وإلى مؤسسة تتواصل مع شغيلتها لا مؤسسة تتركهم يبحثون عن المعلومة. فالنجاح الحقيقي للمجموعة لن يقاس فقط بالهياكل التي ستنشأ، وإنما بقدرتها على بناء الثقة وتحويل الإصلاح من قرار إداري إلى مشروع مؤسساتي يشارك فيه مهني الصحة ويشعر بأنه جزء منه.
تعليقات الزوار
كاين غير باك صاحبي والكريمة توزعات على حسب الوزن النقابي وشحال من كادو حطيتي قالك الحكامة والله عند الله تلتقي الخصوم هذا علاش الناس كتهاجر