وجهة نظر

ديمقراطية تستحق التقليد..

لست من المعجبين بفرنسا، ثقافة وسياسة وما شابههما، ولعل ذلك بعض من أثر كراهية المستعمر، لكن الانصاف والنزاهة الفكرية، يقتضيان الاعتراف بأن مَرَدَّ جزء مهم من مكانة فرنسا وقوتها وأدوارها -بعيدا عن كل تقييم أو حكم قيمة- هو نتاج أخلاق القوة الموصلة لمقامات من الحكمة الإنسانية التي هي ضالة كل عاقل قبل أن تكون ضالة المؤمن.

ومن أخلاق القوة في فرنسا التي أثارت انتباهي مؤخرا، هو النقاش العمومي الرفيع الذي نظمته نقابة رجال الأعمال الفرنسيين “MEDEF”، وبث مباشرة على قناة LCI بحضور سبعة من بين أهم المرشحين والأوفر حظا للفوز بالانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرى بعد ثمانية أشهر، نعم ثمانية أشهر كاملة، وقد حضر هذا النقاش مئات من رجال الأعمال، تفاعلوا مع مرشحين للانتخابات الرئاسية من مختلف العائلات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

تابعت على فترات متقطعة هذا النقاش الرفيع والماتع الذي دام لأزيد من ثلاث ساعات، وتطرق لعدة ملفات تهم بالأساس رجال الأعمال، لكنها تتقاطع في كثير منها مع الحياة اليومية للمواطن الفرنسي. فقد تم التداول في ملفات متنوعة ومختلفة الأهمية والأثر، من أثر الصراعات والتقاطبات الدولية إلى تعقيدات ودور كشف الأجر الشهري ”Bulletin de salaire”. والمثير للانتباه في هذا النقاش هو انسجام أجوبة وتفاعلات المرشحين للانتخابات الرئاسية مع مرجعياتهم المذهبية والسياسية، فاليمين يمين والوسط وسط واليسار يسار، ولا أثر في هذا النقاش للبرالي يدعي القدرة على بيع ”الدولة الاجتماعية”. وأثر هذا الوضوح عند الناخب الفرنسي أنه سيجد إجابات خاصة ومختلفة لكل عائلة سياسية على القضايا التي تشغل باله، من مثل تلك التي أثيرت في هذا النقاش، كالسيادة الوطنية والتغيرات المناخية، والسيادة الصناعية، وبيروقراطية الدولة وضرورة تبسيط المساطر الإدارية، وتضريب العمل والثروات الكبرى والميراث، وتدبير ثقل الدين العمومي وتقليص النفقات العمومية، وإصلاح أنظمة التقاعد وتقريب الأجر الخام من الأجر الصافي، وتقليص الضريبة على الشركات وغير ذلك من المواضيع التي تهم بالأساس عالم المقاولات لكن أثرها بالغ على الحياة اليومية للمواطن الفرنسي، قالاقتصاد هو الفاعل السياسي الأول والأكثر أثرا.

والمهم في هذا النقاش هو أنه يبسط أمام المواطن العمومي تضاريس السياسة وتعقيدات القرار العمومي، خاصة في ظل عالم متقلب واقتصاديات منكمشة ونسب نمو متواضعة تجعل من تمويل وعود المترشحين سؤالا مركزيا، فالهامش الضيق للميزانيات وارتفاعات تكاليف الدين ونسب العجز وغير ذلك مما لا يسع المجال للتفصيل فيه، يضع الفاعل الساسي أمام تحد كبير ومعقد لا تسعفه الإجابات التقليدية والقرارات السهلة أو الشعبوية لتقديم حلول حقيقة ذات الأثر الإيجابي والفوري.

والخلاصة الأولى النافعة ، بيد أنها بعيدة المنال في سياقنا الوطني الواطئ السقف، إن الديموقراطية قبل أن تكون انتخابات وتوجه نحو الصناديق من أجل اختيار من يمثل المواطنين، هي بنية تحتية ثقافية وتنموية وسياسية، فلا ديموقراطية في بيئة ثقافية عاجزة عن تدبير الاختلاف وغير مقتنعة بالحريات الخاصة والعامة وبجدوى الديموقراطية، ولا ديموقراطية مع الفقر والفاقة والجهل والفوارق المهولة بما يجعل المواطن فريسة سهلة لسلطات المال ودوائر النفوذ، ولا ديمقراطية بدون سياسة سليمة تمشي سوية على صراط مستقيم وعلى هدي الحكمة الإنسانية التي تربط المسؤولية بالمحاسبة.

أما الخلاصة الثانية النافعة، فهي أنه بدون نقاش عمومي شفاف ونزيه وممتد في الزمن السياسي سواء كان انتخابيا أم تدبيريا، فإن الديموقراطية تفقد معناها وتتيه عن أدوارها الحقيقية، والأسوأ من ذلك أنها قد تصير تدليسا واحتيالا. وهنا يمكن أن نقارن -رغم أنه لا وجه للمقارنة- بين انطلاق النقاش العمومي بين المعنيين بالانتخابات الرئاسية الفرنسية ثمانية أشهر قبل إجرائها من خلال العشرات من البرامج الحوارية بين مختلف المتنافسين وعبر مختلف القنوات والوسائط؛ وبين برامج ”المونولغ” التي انطلقت أسابيع قليلة قبيل انتخاباتنا التشريعية، والتي تجدها في الغالب فقيرة شكلا ومضمونا، فضلا على أنها مليئة بالصراخ و”البولميك” وبعيدة عن النقاش السياسي الحقيقي، والتي لا تتطرق للسياسات العامة والعمومية، ولا تجد في حديث كثير من المشاركين فيها لونا ولا طعما ولا رائحة، لا فكرا ولا سياسة ولا اقتصادا، بل أنك لا تكاد تجد خطابة ولا فصاحة ولا كلاما بلفظ مفيد كاستقم.

ختاما، لو بذلت نخبنا الثقافية والسياسية والإدارية والمخزنية التي تجتهد في تقليد ”الغالب” في كثير من مناحي الحياة العامة والخاصة، ومن ذلك لي ألسنتها من أجل أن ترطن بالفرنسة، نصف المجهود في تقليد نفس ذلك ”الغالب” في بعضٍ من “حسناته” السياسية والديموقراطية لكان ذلك أنفع لها وللبلاد والعباد.
#دمتم_سالمين