صورة الكاتب عبد الله شخمان
منتدى العمق

من ذاكرة الظاهرة الغيوا نية الخالدة؛ مجموعة لمشاهب نموذجا

لقد اكتشف تأثير الموسيقى العلاجي منذ منذ أقدم العصور في الحضارات القديمة، الهند و اليونان ومصر والصين…وأهمية الفنون بصفة عامة في حياة الإنسان والتي لا تنعزل عن سائر نواحي حياة الجماعات البشرية، حيث لا تكاد تخلو المساحات العمومية لمدنها القديمة من مسارح ودور الفن…إلى جانب المرافق الاجتماعية الأخرى، تأكيدا للدور الأساسي الذي تلعبه الفنون في تهذيب النفس البشرية والرقي بذوقها وتنمية إحساسها بالجمال ولقدرتها على تشكيل سلوكات الإنسان الاجتماعية والفكرية. وللموسيقى بشكل خاص دور كبير في إثراء وجدان الإنسان ودعوته للتأمل والتفكير، لذا فإن هذا اللون من الفنون أخذ مكانه على مر العصور وحتى يومنا هذا؛ وانسجاما مع هذه التطلعات الروحية والنفسية، والتي لا يكاد يخلو منها أي من المجتمعات البشرية، ظهر بالمغرب المجموعات الغنائية أو الظاهرة الغيوانية، في هذه الورقة قراءة لمسار واحدة منها.

ظهر بالمغرب في ستينات وسبعينات القرن الماضي، نوع جديد من الغناء يحاكي ما كان سائدا بالغرب، تلك هي المجموعات الغنائية الشعبية،وفي تلك الفترة لم يكن لدى الشباب من سبيل إلى الفن سوى حلقات القصص الشعبية بالساحات العمومية و السينما التي كانت تعرض في الغالب ثلاثة أنواع من الأفلام؛ “الويستيرن ( رعاة البقر)” وأفلام الكراطي و الأفلام الهندية، إلى جانب الأغاني الشرقية( أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ..) وطبعا الأغاني الوطنية والفن الشعبي. ورغم انتشار هذه المجموعات بشكل سريع، إلا أن القليل منها استطاع أن يصمد و يخط مساره في الساحة الفنية؛ كناس الغيوان و جيل جلالة و لمشاهب التي تميزت بأدائها وإشعاعها على المستوى الوطني والعالمي.

جاءت إذن، هذه المجموعات في ظروف اتسمت بوضع اجتماعي وسياسي غير مستقر، واحتقان سياسي تجسد في المد والجزر بين المعارضة(اليسارية والإسلامية) والنظام، و في فترة اصطلح على تسميتها بسنوات “الجمر أو الرصاص”، كانت السلطات تتوجس من أي انفلات في صفوف الجماهير، و في ظل موجة المد الشيوعي الثوري التي كانت تجتاح العالم وتعمل على استقطاب الشباب و الطلبة الجامعيين..، وتطلع الشباب لوسيلة تلهب مشاعره و تفرج عن مكبوتاته السياسية والاجتماعية ، فوجد ضالته في مجموعة لمشاهب التي سطع نجمها لتوجهها الشبابي في بداية انتشارها بالحي المحمدي(كريان سنطرال) الذي يعتبر مهدا لموسيقى المجموعات أو” الظاهرة الغيوانية” التي ظلت تنهل من أوضاع الفقر والبؤس و من معاناة المحرومين و المهمشين من أبناء الوطن.

ظهرت النواة الأولى للمجموعة سنة 1969 ” بروش نوار” حيث كان الشريف لمراني برفقة شباب الحي المتأثر بالموسيقى الغربية الذين أسسوا فرقة ” صوت اليوم” التي ستصبح فيما بعد ” لمشاهب” التي اقترحها أحد أصدقاء الشريف، و هي كلمة مشتقة من الشهب التي ترجم الشياطين و معروفة عند جميع العرب والمسلمين، ، وسيكون الإسم دالا جدا . وفي البداية كانت التأثر بناس الغيوان(منذ سنة 1971) واضحا و التي تقاسمها في الاهتمام بهموم الشعب؛ إلا أن مجموعة لمشاهب فضلت التوجه نحو الشباب الحالم و أبدعت موسيقى عصرية تنهل من الواقع، لكن بأسلوب جديد و غير مألوف.

التأثر بالهيبيــــــــزم

انطلقت المجموعة بإيقاع خاص بها متأثرة بظاهرة “الهيبيزم”، ووظفت بشكل جيد آلات موسيقية متعددة لم تكن معروفة آنذاك مثل ” الموندلين” والتي تعتبرها المجموعة العضو السادس في الفرقة، وهي تختلف عن آلة الموندولين الجزائرية (8 وترات مزدوجة)، حيث أضاف إليها الفنان الراحل الشريف لمراني وترا تاسعا التي تعني” نوتة صول” و أطلق عليها إسم “موندولين سيل” بهدف خلق توزيع صوتي بين أعضاء المجموعة ينسجم فيه الصوت الفخم والصوت الحاد. و لأن لكل ظاهرة روادها، فإن لمشاهب مع وجود مؤسسها ومايسترو المجموعة الشريف لمراني وصاحب الصوت الرخيم والزجال المرحوم محمد باطما والذي انضم إليها قادما من مجموعة “تكدة “سنة 1973، و فارس الكلمة أمبارك الشادلي القادم من الجنوب والصوت المتميز محمد السوسدي ابن الحي المحمدي المتأثر بالأغاني الهندية( دوستي)، ومحمد حمادي الوافد من مجموعة “نواس الحمراء” المراكشية، شكلت بمفردها ظاهرة خاصة لكون أعضائها كانوا يبحثون في الموسيقى وجاءوا بلون غنائي غير مألوف آنذاك. احتاجت المجموعة ما يقارب أربع سنوات قبل أن تتشكل نهائيا وتنطلق في نحت إسمها في عالم الفن والشهرة. وتعتبر سنة 1975 منعطفا في تاريخ المجموعة التي رسمت لنفسها طريقا مختلفا عمن سواها في تلك الفترة ، حيث التصقت بذاكرة الجمهور، ليس فقط من خلال أعمالها، بل حتى من خلال شكلها و لباسها(رمز الشهب)، ويعتبر الشريف لمراني مهندس و مصمم هذا النوع من اللباس بفضل حسه الفني، فهو من اقترح وضع و طريقة وقوف المجموعة على الخشبة على شكل نصف دائرة، وهي طريقة مدروسة تسمح لكل عضو فيها أن يرى زملاءه ، فالراحل محمد باطما يكون غالبا في الوسط لكنه متأخر، وبهذا الشكل يرى الجميع، بينما الشريف وحمادي في الجانب الأيمن والأيسر و السوسدي و الشادلي قريبين منهما. هذا الشكل بالإضافة إلى كونه يجعلهم قريبين من بعضهم، يضفي جمالية على المجموعة. وعن انضمام محمد باطما إلى المجموعة يقول الشريف لمراني: بعد حصول المجموعة على صوت نسوي الذي تمثله سعيدة بيروك (كانت ضمن فرقة لجواد المراكشية إلى جانب الأخوين الباهيري)، سجلوا معا أغنية الخيالة المعروفة “بالصايك تالف و الراكب خايف”، اقترح السيد محمد البختي ” الأب الروحي للمجموعة” ضم صوت قوي ورخيم يخلق التناغم داخل الفرقة و كان المرشح محمد باطما القادم من مجموعة تكدة، وكانت أول أغنية يستمع إليها الشريف من الوافد الجديد هي ” أمانة” التي لاقت نجاحا كبيرا ويقول مطلعها:” بين الكديات كان الميعاد ^ يستنى الليل وقدر الله، و سط الواد ابابا حسينا بالخديعة ^ و ما منا هراب ابابا و تمة كانت الفجيعة… و قال لمراني في شأنه أنه إنسان رائع و مهذب و رقيق الإحساس يرتاح المرء إليه فقررت أن أتخذه صديقا و رفيقا في رحلتي الفنية”. كان الفنان محمد باطما يرغب في الالتحاق بجبل جلالة التي كانت تتلمس طريقها في عالم الفن، إلا أن شقيقه العربي باطما مؤسس ناس الغيوان، و بحدسه الفني كان يدرك أن التحاق شقيقه بالمجموعة و بسبب مؤهلاته الصوتية الرفيعة، سيعطيها دفعة قوية، لذلك لم يكن متحمسا لهذا الاختيار، وقدر له أن يكون “مشاهبيا”. واستقدم البختي كل من الشادلي امبارك ومحمد السوسدي بعد عودتهم من هولندا ضمن فرقة “الدقة”. و أصبحت الفرقة تضم خمسة أشخاص وتكون الانطلاقة الفعلية سنة 1974 وأول أغنية للشادلي رائعة ” حب الرمان” الذي يقول مطلعها: هذا حب الرمان تساس فالخريف ^ هذا عود عطشان و قرب يجيف. وتلقوا حينها دعوات عديدة من دول أوربية و حققوا نجاحا باهرا لم يكونوا يتوقعونه. لكن بعد زواج محمد باطما بسعيدة و مغادرتها للمجموعة، بسبب انشغالها بالبيت والأمومة، اقترح صديق للشريف صوت جميل صاادفه بمقهى لكوميدي بالدار البيضاء و كان يعمل بالمسرح ضمن فرقة ” نواس الحمراء” المراكشية ويتعلق الأمر بمحمد حمادي، بينما التحق صديق هذا الأخير عبد الكريم القصبيجي بفرقة جيل جلالة. و لقد أعطى انضمام حمادي إلى المجموعة، و الذي كان يعتبر صوته من أروع الأصوات التي عرفتها المجموعات الغنائية بشهادة الجميع، اللمسة الأخيرة التي أعطت نفسا جديدا لتكتمل المجموعة و تحقق في هذه الفترة التاريخية تطورا فنيا كبيرا ، ولأول مرة سيعمل فيها الشريف المؤثرات الصوتية على آلة الموندولين وكل الأكسيسوارات التي تحمل معنى كلمة لمشاهب من خلال الرسوم المستعملة التي أبدعها الراحل لمراني، الذي يقول : لن أبالغ إذا قلت أننا نحن لمشاهب الوحيدون، دون سائر المجموعات، الذين اعتمدنا على مجهودنا الذاتي و لم نلجأ إلى التراث لا من ناحية الكلام أو على مستوى الألحان.

في سنة 1974 فقدت مجموعة ناس الغيوان أحد مؤسسيها و صاحب الصوت الشجي والكلمات الخالدة التي ستظل موشومة بالذاكرة الغيوانية، عازف “الدعدع” بوجمعة حيكور المعروف ببوجميع. وكانت مناسبة لتقديم العزاء للأسرة الفنية المغربية حيث التقت المجموعات الثلاث الخالدة ( ناس الغيوان وجيل جلالة ولمشاهب)، التي نظمت، بمناسبة أربعينية الراحل، في جو من التكافل والتضامن والحب، سهرة فنية بالمسرح البلدي بالدار البيضاء خصص ريعها لعائلة الفقيد بوجميع حيث ساهمت مجموعة لمشاهب بمرثية للشادلي بعنوان ” هذا الشي مكتوب”
هذا الشي مكتوب و الآجال وفات ^ ملك الله عظيم بالواجب يحكم رفيق الشبان مات على صفحات ^ خلانا ومشى والقلب يخمم…

استمرت المجموعة في نشاطها الفني، و كان ألبومها الثاني ” وعدي يا وعدي” لمحمد السوسدي و ” غارو منا ” للشادلي و رائعة ” فلسطين ” للراحل محمد باطما، حيث شاركت بها المجموعة في مؤتمر الأممية الاشتراكية ” بموسكو” و غنتها في حضرة عدد من قادة العالم، حيث أعجب بها كثيرا الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي عبر عن عميق تأثره بما سمع و أهديت له نسخة منها. وصارت المجموعة تصدر كل ستة أشهر ألبوما جديدا متبوئة الرتبة الأولى في الإنتاج الفني على المستوى الوطني. و في سنة 1978 كانت المجموعة في فترة الشهرة والمجد حيث سافرت إلى بلدان أوربية كثيرة؛ فرنسا هولندا… وكان صوت لمشاهب في تلك الفترة الذهبية من الأصوات التي التزمت بمقت الامبريالية الاستعمارية ومحاربة الظلم و الاستبداد بكل أصنافه ومساندة المحرومين في جميع الدول العربية، كما أخذت على عاتقها رفع الشعارات المدافعة عن الدول العربية، والسلم والتعايش من خلال أغاني فلسطين وخليلي(أو رسامي) والعرب : “يا مجمع العرب نوضوا تقلعوا ^ سفن العجم فالبحور دارت قيامة…. “وفي تلك الفترة بلغ الاحتقان السياسي أوجه، لتصبح بعض أغاني لمشاهب مثل كولوا يا أهلي:” كولوا يا أهلي لواصي علينا راه الحالة مقهورة ^ والدنيا فايت كوكب من لفلاك ؛ خبروه باللي جاري رحنا عيينا ^ حتى تبان الصورة مبشورة..، ويوم جاك، وداويني و التي تقول: داويني كان ريت للعذاب سباب ^ كل ما نقول عييت عاد بديت فالعذاب ؛ حطوني وسط لحصيدة نشالي يا بابا ^ يعلم الله في المصيدة لقلوب الكذابة؛ كيف نارهم تكدينا ظلموا فين غادين بنا ^ ……. ، والعفو يا بابا واش الحق يزول لقلوب الكذابة نساونا في المعقول واحيدوس… تصبح من الأناشيد التي يرددها الطلبة في احتجاجاتهم ضد الأوضاع المزرية حيث كان يحلو لبعضهم استبدال كلمة واحيدوس ب واحيدوه..؟ تسببت هذه الأغنية وغيرها لمضايقات و ملاحقات كثيرة من طرف الأجهزة الأمنية والسرية بسبب التأويلات و الحمولات السياسية التي كان يضفيها عليها البعض، حيث يتم تطويع الكلمات و تأويلها وفق ميولات ورغبات كل جهة التي تريد تصريف مواقفها السياسية من خلال ذلك.. ! سيما أن هذه الأجهزة كانت تعلم أن الخلايا الماركسية المدسوسة في صفوف الطلبة والمنتديات الشبابية تعمل بنشاط كبير…؟ و لم يستسغ وزير الداخلية آنذاك ادريس البصري، قصيدة قالها الشادلي امبارك في حفل عمومي بعين سبع منقول مباشرة على الهواء وتعرضت المجموعة للحصار، حيث قررت في ظل هذه الأوضاع، الاستقرار بأوربا. لكن الرحلة الفنية للمجموعة استمرت مشرقة بإبداعاتها و انفتاحها على الجمهور داخل المغرب و خارجه، حيث لعبت عدة عوامل لصالح أدائها المتميز بوجود نوع من التقاطع بين أفرادها؛ فصوت محمد باطما القادم من الشاوية المعروفة بالعيطة المرساوية، وصوت محمد السوسدي المتحدر من جبال الأطلس المتميزة بعذوبة وقوة أصواتها، حيث يقول في أحد برامج مساء الفن، منتقدا بعض الأذواق الفنية والتي وصفها بالمتعفنة، قال إن رسالة لمشاهب هي تقديم الذوق السليم للجمهور بكلمات وألحان سليمة. و امبارك الشادلي الآتي من تخوم الصحراء حيث دفء الصوت وعمق الكلمة وحمادي المولع بملحون مراكش إضافة إلى مايسترو المجموعة المتمرس على الطرب الغرناطي بحكم إقامته لفترة بوهران وعشقه للموسيقى الغربية خلال إقامته بحي “بلفيدير” البيضاوي الذي كان يعتبر حيا فرنسيا. إلا أن سنة 1983 كانت فارقة في تاريخ المجموعة حيث تسرب الخلاف إلى أفرادها بعد سنوات من التفاهم أحيوا فيها سهرات بربوع المملكة رفقة محمد البختي و بأوربا و دول عربية كثيرة وشاركوا في مهرجانات عالمية كبرى لتجاوبها مع تطلعات الشباب المتعطش للتجديد. فانقسمت لمشاهب إلى فرقتين الأولى ضمت باطما والسوسدي وحمادي و التي كانت تغني بإسم لمشاهب، بينما الثانية كانت تضم الشريف و الشادلي و التحقت بهم عناصر من ” تكدة” و “السهام” و خاضت تجربة مع فرقة ألمانية و التي لم تعمر طويلا، واضطر الشريف للسفر إلى تونس التي أمضى بها عشر سنوات قبل أن يعود إلى المغرب.

الانفتاح على الثقافات العالمية

تميزت المجموعة عكس المجموعات الأخرى، بانفتاحها على باقي ثقافات العالم و بحثها في مجالات موسيقية أخرى دون الانسلاخ عن الهوية والتفريط في كنوز التراث المغربي. لم يمهل القدر المجموعة بعد التئامها، ليخطف إثنين من مؤسسيها محمد باطما (سنة 2001 ) صاحب الكلمة الهادفة و الصوت الشجي ومبدع رائعة “خليلي” و ” يا شرع” ، و الشريف لمراني( سنة 2004) العازف الاستثنائي الذي أبهر الجميع بطريقة عزفه وتوزيعه الموسيقي الناجح والمتناسق. وخلف رحيل هذين العملاقين شرخا و فراغا كبيرا لم تستطع المجموعة ملأه، فهما من وهب الحياة للمشاهب من خلال الكلمات النافذة والألحان الخالدة. أسر لكاتب هذه السطور أحد عشاق المجموعة من خلال تجاذبنا أطراف الحديث قبل انطلاق السهرة التي أحيتها المجموعة بسينما “بلاص” بالقنيطرة سنة 2002، (حضرها الشريف وحمادى فقط برفقة أعضاء آخرين)، قال أنه عندما يصدر ألبوم جديد للمجموعة يكون ذلك اليوم بمثابة عيد لديه و ذلك لشدة تعلقه وعشقه لها، وهكذا كان حال كثير من عشاق لمشاهب داخل الوطن وخارجه. في سنة 1997 سترزأ الساحة الفنية في أحد أعمدة ومؤسسي مجموعة” ناس الغيوان” ؛ العربي باطما وقدمت لمشاهب في حق هذا الرجل الكبير مرثية تحت عنوان ” خو صاحبي” من تأليف السوسدي حيث يقول مطلعها : يا راحل فحمى الله ^ الله معاك يا ولد أمي و بويا ويا صاحبي وخويا، و كان يردد هذا الموال شقيقه محمد باطما و في المقطع الثاني من ترديد السوسدي: الله عليك الله يا خو صاحبي يا اللي شبيه خويا ^ عليك رحمة الله كنت مشاهبي و انت غواني عزا حبابك عزويا… لم تكن لمشاهب لتصل إلى هذا المجد دن أناس ضحوا كثيرا، يقول الشادلي في كتابه “حب الرمان” ما مفاده، أنه من نكران الجميل و العقوق التنكر لما أسداه الصديق محمد البختي لإنجاح تجربة لمشاهب و قدم لها مجموعة من الخدمات التي تظل المجموعة مدينة له بها.

انفراط عقد المجموعة

لقد شكل رحيل محمد السوسدي سنة 2012، انفراط عقد “لمشاهب”، بعد فقدها ثلاثة أعمدة أساسية، الذي حال دون تحقيق حلمها ، إضافة إلى الشهرة و المجد، و هو الوقوف على خشبة المسرح لتمثيل أمجاد المجموعة و إخراج فيلم سينمائي عن مسيرة لمشاهب يحمل عنوان “حب الرمان”( حسب الشادلي). إن السر في عشق المغاربة و محبي مجموعة لمشاهب يكمن في نضالها وكونها كانت من خلال أغانيها قريبة من وجدان وهموم الطبقات الشعبية؛ كالغادي بعيد والليل و داويني ويا لطيف و الحصلة وحب الرمان والوصية العروفة ب دابا تشوف و تعذرني ودابا تشوف ^ دابا تشوف الزمان الماجي ودابا تشوف.. و التي كانت المجموعة تتحسر من خلالها، على واقع وحال الشباب حيث يقول أحد مقاطعها الذي يردده السوسدي : الشباب اللي نديرو فكتافي أويلي جلاوه بالتخدير ^ ضاع وقت بق متلافي من لعلو سقط فالبير… و رائعة ” بغيت بلادي” والتي كانت أقرب إلى قلب الملك الراحل الحسن الثاني، الذي كان إضافة إلى حنكته السياسية، يتوفر على حس فني مرهف و له دراية بضبط الإيقاعات الموسيقية، فطلب من المجموعة في مناسبة بقصر الصخيرات، إعادة الأغنية أكثر من ستة مرات وفي الأخير أخذ نسخة من التسجيل واحتفظ بها. يقول الراحل محمد السوسدي في إحدى لقاءاته الصحفية(أسبوعية الحياة المغربية)، أن مجموعة لمشاهب كانت بفضل حسها الفني تستشرف المستقبل وقد تكون تنبأت بالربيع العربي منذ سنة 1977 مع أغنية “مجمع العرب” التي دعت إلى الثورة والنهوض بالأمة و هي تنادي : يا مجمع لعرب نوضوا تقلعوا ^ سفن العجم فالبحور دارت قيامة تيقولوا لعدا لعرب تزلعوا ^ مركبهم مكسور مصابوا علما….. وحسب السوسدي، أن الملك الراحل الحسن الثاني عقب على هذا المقطع بالذات بفطنته ونباهته السياسية، وقال له :” ماشي ماصابو علما، بل ما صابو زعما”.

تركت مجموعة لمشاهب تراثا فكريا كبيرا و غنيا من خلال روائعها التي أطربت بها الجماهير المغربية لمدة قاربت أربعة عقود، والتي من دون شك ستخلد إسمها في سجل التاريخ الفني.