وجهة نظر

المشهد السياسي بالمغرب بين الترحال الحزبي والعزوف الانتخابي

عاد الترحال الحزبي إلى الواجهة السياسية حيث تزايدت وتيرته في المغرب قبيل انتخابات 23 شتنبر 2026. فالمعطيات المنشورة خلال الأشهر الأخيرة تشير إلى انتقال منتخبين وفاعلين سياسيين بين الأحزاب بحثاً عن تزكيات وحظوظ انتخابية أفضل، حيث بلغ الأمر خلال شهر غشت من هذه السنة مستوى صراع علني بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة داخل الأغلبية. وهكذا يبدو الترحال أكثر كثافة قبيل انتخابات 2026، حيث أن هناك تحولا مهما في طبيعة هذا الترحال الحزبي. ففي السابق كان الترحال يحدث كثيراً أثناء الولاية الانتخابية، حيث بعدما يفوز منتخب باسم حزب يغادره إلى حزب آخر، وهو ما دفع دستور 2011 إلى وضع قيود قوية عليه، ولا سيما الفصل 61 الذي يرتب التجريد من العضوية البرلمانية في حالات تغيير الانتماء الحزبي أثناء الولايةالتشريعية . أما اليوم، فإن جزءاً مهماً من الظاهرة ينتقل إلى المنطقة الرمادية التي تسبق الانتخابات: فالفاعل السياسي لا ينتظر حتى يفوز ثم يغير حزبه، بل يبحث قبل الانتخابات عن الحزب الذي يستطيع أن يمنحه التزكية، والدعم المحلي، والقدرة التنظيمية، وفرصة أكبر للفوز. وهنا تصبح المسألة أقرب إلى “الترحال من أجل التزكية” أكثر منه ترحالاً بسبب اختلاف إيديولوجي أو خلاف شخصي. وهذا بالضبط ما جعل الظاهرة بارزة في انتخابات 2026؛ إذ تحدثت تقارير عن انتقال منتخبين وأعيان وفاعلين سياسيين بين الأحزاب بحثاً عن تزكيات أو فرص انتخابية أفضل. مما قد ينعكس على نسبة المشاركة الانتخابية التي تسعى السلطة بكل قوتها من الرفع منها.

التنافس السياسي بين الأحزاب وتزايد الترحال الحزبي

يمكن النظر إلى الترحال الحزبي الحالي باعتباره نتيجة لانتقال السياسة من: حزب يضم مناضلين يرشحهم للانتخابات إلى نموذج حزبي أكثر انتخابوية يقوم على ترشيح حزب لمنتخب ذي رصيد محلي لمنحه تزكية للترشح في الانتخابات. أي أن قيمة الشخص الانتخابية أصبحت في بعض الدوائر الانتخابية أهم من قيمة انتمائه الحزبي. مما يفسر الصراع الحالي بين بعض الأحزاب على “استقطاب” المرشحين الجاهزين. حيث أصبح التنافس الحالي بين الاحزاب يتمحور بدرجة أكبر حول الأشخاص والدوائر والرصيد الانتخابي، وليس فقط حول المشاريع والمرجعيات الحزبية. وبالتالي فالمعطيات الحالية حول انتخابات 2026 تسمح لنا بالتمييز بين ثلاث صور مترابطة من الترحال الحزبي:

*ترحال المرشح بين الأحزاب بحثاً عن التزكية.
*استقطاب الأحزاب لمرشحين من خارج تنظيماتها ومنحهم التزكية مباشرة.
*احتجاج مناضلين على طريقة توزيع التزكيات واتهامهم القيادة بتفضيل المال أو النفوذ أو الوافدين على المناضلين، وهو ما قد يؤدي إلى الاستقالة أو الالتحاق بحزب آخر.

وهكذا فبالنسبة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مثلاً، فقد استقالت رجاء البقالي الطاهري من المكتب السياسي، واحتجت على ما وصفته بإقصاء مناضلات الحزب من التنافس على أساس الكفاءة والاستحقاق، وانتقدت ما اعتبرته اعتماد «منطق المال» واستقطاب أسماء لا حضور لها سياسياً. وفي المقابل، يؤكد الحزب رسمياً أنه اعتمد مسطرة خاصة للترشيحات وأنها مرت عبر لجان الترشيح والتأهيل والبت، وأن المكتب السياسي صادق على نتائجها بالإجماع. كما أعلنت المحامية مريم جمال الإدريسي ، وهي عضوة بالمجلس الوطني والكتابة الوطنية للنساء الاتحاديات، استقالتها النهائية في 23 غشت 2026 من نفس الحزب ومن مختلف هياكله. وأكدت أن القرار لم يكن خصومة شخصية أو رد فعل ظرفي، بل هو مرتبط بما اعتبرته تحولات وممارسات لم تعد منسجمة مع المبادئ التي بنت عليها انتماءها للحزب. فالإدريسي كانت من أبرز المرشحات لوكالة اللائحة الجهوية للنساء بجهة الدار البيضاء-سطات، حيث وجهت في 20 غشت 2026 تقريراً إلى قيادة الحزب حول مسطرة البت في الترشيحات، مطالبة بفتح بحث داخلي بشأن ما قالت إنه اعتماد المساهمة المالية كمعيار مفترض للمفاضلة بين المرشحات.وتحدثت عن مبالغ مالية كانت متداولة في محيط المرشحات. ولعل هذا الامر يشكل ظاهرة أوسع يمكن تسميتها: “الترحال الناتج عن أزمة التزكية”. وحيث يختلف ذلك عن حالة السياسي الذي ينتقل إلى حزب آخر لأنه وجد فيه فرصة انتخابية أفضل، لكنه ينتمي إلى الظاهرة نفسها التي تتمثل في إعادة تشكيل الانتماءات السياسية تحت ضغط التزكية الانتخابية. واللافت أن استقالة الإدريسي جاءت بعد أيام قليلة من استقالة رجاء البقالي الطاهري من المكتب السياسي، في سياق خلافات مرتبطة بدورها بكواليس التزكيات، مما جعل القضيتين تُقدمان باعتبارهما حلقتين في أزمة داخلية للحزب قبيل الانتخابات. كما ظهرت بحزب الاستقلال استقالات واحتجاجات مرتبطة بطريقة تدبير التزكيات. فقد تحدثت تقارير عن استقالات محلية، وعن انتقال بعض الأسماء بعد عدم حصولها على التزكية، كما حصل في فاس ومناطق أخرى. ز فقد أعلنت خديجة الفلاكي السباعي الإدريسي، في يوليوز 2026 استقالتها النهائية من حزب الاستقلال ومن مسؤولياتها التنظيمية، ومنها عضوية اللجنة المركزية والمكتب التنفيذي لمنظمة المرأة الاستقلالية. كما أثار اختيار بعض الأسماء نقاشاً حول معايير الانتقاء، خصوصاً مع بروز أسماء مرتبطة بعائلات سياسية معروفة. مما يجعل ظاهرة الترحال مرتبطة بشكل أوسع حول التزكية: فهناك قيادات ومناضلون يحتجون على عدم تزكيتهم. فبعضهم يستقيل من الحزب ، وبعض المستقيلين ينتقلون إلى أحزاب أخرى ويحصلون سريعاً على تزكية. وفي المقابل، يستقطب حزب الاستقلال نفسه شخصيات من خارج الحزب؛ وأبرز مثال حديث هو منح إدريس السنتيسي، القادم من الحركة الشعبية، تزكية حزب الاستقلال في سلا بعد مغادرته الحركة الشعبية. وفي جهة فاس-مكناس، سجلت حالات انتقال من الاستقلال إلى أحزاب أخرى مع الحصول على تزكيات جديدة. وهذا يعني أن التزكية أصبحت في بعض الحالات آلية لإعادة توزيع النخب داخل الحقل الحزبي. لذلك يمكن أن نذهب أبعد من مفهوم الترحال الحزبي ونقول إن انتخابات 2026 تكشف عن “ترحال حول التزكية”. فلم يعد الترحال مجرد انتقال سياسي من حزب إلى حزب، بل أصبح في بعض الحالات انتقالاً بحثاً عن الحزب الذي يمنح المرشح فرصة أفضل للترشح والفوز، في حين يدفع حرمان مناضلين من التزكية بعضهم إلى مغادرة أحزابهم. وهنا تصبح المرأة الحزبية حالة كاشفة بشكل خاص؛ لأن اللوائح الجهوية النسائية تفرض منافسة داخلية محدودة العدد، وبالتالي تصبح التزكية مورداً سياسياً نادراً. وفي حالة الاستقلال، أُعلنت في 28 غشت أسماء المرشحات اللواتي حصلن على التزكية في مختلف الجهات، مما أظهر بوضوح أن المنافسة لم تكن فقط بين الأحزاب، وإنما أيضاً داخل الحزب نفسه بين نساء يتنافسن على مواقع محدودة. وبالتالي “تكشف حرب التزكيات قبيل انتخابات 2026 عن تحول الترحال الحزبي من مجرد انتقال بين التنظيمات إلى دينامية أوسع لإعادة تموضع النخب حول التزكية؛ فبينما تستقطب الأحزاب مرشحين من خارجها وتمنحهم التزكية، يغادر مناضلون وقيادات، بمن فيهم نساء، تنظيماتهم احتجاجاً على إقصائهم من الترشيح أو اعتراضاً على معايير توزيع التزكيات.” وهذا ما يجعل حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاستقلال حالتين مهمتين للمقارنة: ليس لأنهما الوحيدان اللذان يعرفان هذه الظاهرة، وإنما لأن الاحتجاج الداخلي على التزكيات عندهما يطرح سؤالاً أعمق حول هل أصبحت التزكية معياراً لإعادة إنتاج النخب الحزبية أكثر مما أصبحت تتويجاً لمسار نضالي داخل الحزب؟ ففي الترحال التقليدي كان السياسي يترك حزبه وينتقل إلى حزب آخر. أما في الحالة الانتخابية الراهنة فقد أصبح المسار أن حزبا يستقطب شخصية انتخابية و يمنحها التزكية على حساب مناضل داخلي يفقد فرصة الترشح الذي يحتج أو يستقيل أو قد يلتحق بدوره بحزب آخر. وهكذا تنشأ حلقة من الترحال. الحزبي وهنا تظهر المفارقة : فقد يكون شخص قضى سنوات داخل الحزب، في هياكله وشبيبته ومنظماته الموازية، ثم يأتي مرشح من خارج الحزب ويتمتع برصيد انتخابي أو مالي أو بعلاقات محلية، فيحصل على التزكية. فمن وجهة نظر القيادة، قد يكون ذلك استثماراً في مرشح قادر على الفوز.أما من وجهة نظر المناضل، فقد يبدو الأمربأنه “لم يعد الانتماء الحزبي والاستحقاق النضالي كافيين للحصول على التزكية.”وهذا بالضبط ما يجعل التزكية نقطة التقاء بين الترحال الحزبي، واستقطاب النخب، وتراجع قيمة النضال الحزبي، وشخصنة الانتخابات. من هنا لا ينبغي اختزال الأمر في “شراء التزكيات” ، بل الأمر يتعلق بأن هناك تحولاً من نموذج حزبي كان قائما على علاقة ترابطية بين الحزب والمناضل والتزكية إلى نموذج يمنح فيه الحزب التزكية للشخص ذي الرصيد الانتخابي والذي يضمن الفوز المحتمل. وهذا يقلب العلاقة بين الحزب والمرشح، و يقود إلى أطروحة أوسع حول “قرصنة النخب”.فإذا كانت السلطة في مراحل سابقة تستقطب نخباً حزبية أو انتخابية، فإننا نرى اليوم داخل التعددية الحزبية نوعاً من”قرصنة حزبية للنخب الانتخابية”. أي أن الحزب لا ينتظر أن يصنع مناضلاً قادراً على الفوز، بل يبحث عن شخص جاهز يمتلك شبكة انتخابية ثم يمنحه التزكية.وهنا يصبح الترحال الحزبي نتيجة وليس سبباً فقط.فالمرشح “يرحل” لأن هناك أحزاباً مستعدة لاستقباله، والأحزاب تستقطبه لأنها تبحث عن أصوات جاهزة، والمناضل قد “يرحل بدوره” لأنه يشعر أن الحزب لم يعد يكافئ الانتماء والنضال. وبالتالي يمكن صياغة ظاهرة الترحال في انتخابات 2026 هكذا:
الترحال الحزبي ← استقطاب المرشحين ← حرب التزكيات ← تهميش بعض المناضلين ← استقالات ← ترحال جديد.
وهذه السلسلة، تعتبر، أعمق سياسياً من مجرد الحديث عن “بيع التزكيات”؛ لأنها تكشف تحولاً في وظيفة الحزب نفسه: من تنظيم لتكوين النخب السياسية إلى وسيط انتخابي يتنافس على استقطاب النخب الجاهزة.

الترحال الحزبي والعزوف الانتخابي

يبدو أن السلطة قد اهتمت بشكل كبير باحتواء أي عزوف انتخابي قد يمس بالمصداقية السياسية لانتخابات 23 شتنبر 2026 ، خاصة بعد حراك جيل زيد في شتنبر 2025 . وبالتالي ، حرصت وزارة الداخلية التي كلفت من طرف الملك بهذه المهمة ، بتهيئة شروط مشاركة انتخابية أوسع في تشريعيات 2026.ويمكن تفسير اهتمام السلطة باحتواء العزوف الانتخابي في انتخابات 23 شتنبر 2026 على أنه يتجاوز الرغبة التقنية في رفع نسبة التصويت. فهناك رهان سياسي ومؤسساتي على شرعية الانتخابات ومصداقية المؤسسات المنبثقة عنها، خصوصاً في سياق أكثر حساسية من انتخابات 2021.فانخفاض المشاركة أصبح مشكلة شرعية لا مجرد مشكلة إحصائية ،إذ أن العزوف المرتفع لا يعني فقط أن عدداً قليلاً من المواطنين ذهبوا إلى صناديق الاقتراع؛ بل قد يخلق سؤالاً حول مدى تمثيلية البرلمان والحكومة المنبثقة عنهما.ولهذا فإن ارتفاع المشاركة يمنح المؤسسات المنتخبة شرعية اجتماعية وسياسية أكبر، حتى لو لم يغير بالضرورة توزيع المقاعد بين الأحزاب. بمعنى آخر فالسلطة لا تحتاج فقط إلى انتخابات صحيحة قانونياً، وإنما إلى انتخابات ذات مشاركة تجعل نتائجها أكثر قابلية للاعتراف السياسي والاجتماعي. خصوصاً في انتخابات 2026 التي توصف بأنها ستجري في سياق سياسي واجتماعي ودولي شديد الحساسية. كما أن السلطة تعلم أن الشباب يشكلون كتلة انتخابية ضخمة، لكنهم في الوقت نفسه من أكثر الفئات عرضة للعزوف السياسي. لذلك لم تكتف المنظومة الانتخابية بتسهيل التسجيل، بل تضمنت إجراءات لدعم تمثيلية الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة.كما شهدت عملية مراجعة اللوائح الانتخابية تعبئة حزبية واضحة لاستقطاب الشباب للتسجيل. فالسلطة تريد أن تمنع تحول العزوف إلى موقف سياسي.فهناك فرق بين: المواطن الذي لا يصوت لأنه غير مهتم و المواطن الذي يمتنع عن التصويت لأنه فقد الثقة في الأحزاب والمؤسسات. فالأول يمثل عزوفاً انتخابياً. أما الثاني فقد يتحول إلى امتناع احتجاجي.
والفرق سياسي كبير، خصوصاً أن انتخابات 2026 تأتي بعد احتجاجات اجتماعية وشبابية قوية خلال 2025، وهو ما يجعل المشاركة الانتخابية اختباراً إضافياً لقدرة المؤسسات على استعادة التواصل مع فئات تشعر بأن القنوات السياسية التقليدية لا تستجيب بما يكفي لمطالبها. لذلك يمكن القول إن السلطة تريد احتواء انتقال العزوف من اللامبالاة إلى الاحتجاج السياسي. كما أن هناك أيضاً بعد خارجي ودولي. فانتخابات 23 شتنبر 2026 ليست منفصلة عن صورة المغرب باعتباره دولة تقوم بإصلاح مؤسساتها وتطوير نموذجها الديمقراطي. ومن ثم فإن أي مشاركة ضعيفة جداً سيثير تساؤلا سياسيا حول جاذبية المؤسسات السياسية بالمملكة. بينما أي مشاركة مرتفعة أو مقبولة فستتضمن رسالة سياسية إلى الخارج بأن الانتخابات ما زالت قناة فاعلة للتعبير السياسي بالمغرب خاصة بعد النزوح البشري الكبير إلى سبتة الذي تزامن مع الاحتفال بتخليد الذكرى 27 لعيد العرش . وهذا مهم في سياق يربط فيه الخطاب السياسي الحالي الانتخابات بمرحلة استراتيجية تمتد إلى أفق مغرب 2030، بما فيه مشاريع كبرى مثل كأس العالم 2030 والدولة الاجتماعية وتطورات قضية الصحراء. ولهذا تحركت السلطة على مستوى “ما قبل التصويت”. حيث قامت وزارة الداخلية بمراجعة اللوائح، وفتحت التسجيل أمام غير المسجلين من 15 ماي إلى 13 يونيو، بمن فيهم من سيبلغون 18 سنة يوم الاقتراع. كما أقر مرسوم أبريل 2026 شروط وكيفيات صرف دعم مالي عمومي للوائح الترشيح التي تضم مترشحات ومترشحين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة.وهذا يمكن قراءته ضمن سياسة أوسع لمحاولة تجديد النخب وتشجيع الشباب على دخول المنافسة الانتخابية؛ لأن رفع المشاركة لا يتعلق فقط بالناخب الشاب، وإنما أيضاً بوجود مرشحين شباب قادرين على جذب الناخبين الشباب. كما أعلنت وزارة الداخلية، خلال لقاءاتها مع الأحزاب، عن إجراءات لتعبئة المواطنين للمشاركة، وربطت بعض هذه الإجراءات بالتواصل مع الإعلام العمومي. حيث تم إعداد مجموعة من البرامج الحوارية “كساعة صراحة “بالقناة الثانية و “للحديث بقية” و”رهانات حزبية “بالقناة الاولى على سبيل المثال إلى جانب مجموعة من الوصلات الاشهارية التي تحث الشباب على الذهاب إلى التصويت. كما جرى تفعيل اللجنة المركزية لتتبع الانتخابات واللجان الجهوية والإقليمية، و التي من مهامها رصد المخالفات والتدخل بشأنها، بهدف حماية نزاهة العملية الانتخابية والاختيار الحر للناخبين.وهنا تظهر علاقة مباشرة بين النزاهة والمشاركة: فالسلطة تراهن، ضمنياً، على أن زيادة الثقة في أن الصوت الانتخابي ستكون له قيمة يمكن أن تساعد على الحد من العزوف…لكن المفارقة الأساسية، هي أن السلطة إذا كان في إمكانها أن تقوم بكل ما سبق، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة الأسباب السياسية للعزوف. فالاحزاب لها دور كبير في إقناع الهيأة الناخبة للذهاب إلى التصويت ليس فقط من خلال أنشطتها التواصلية أو عروضها السياسية بل في مدى احترام آلياتها الداخلية .وبالتالي فتزايد ظاهرة الترحال الحزبي قبيل هذه الانتخابات تعطي إشارات سلبية لهذه الهيأة الناخبة التي لم تقبل بكثافة على التسجيل في اللوائح الانتخابية . فمتابعة المواطن لهذه الحرب على التزكيات؛ وانتقال مرشحين بين الأحزاب؛ و التكالب على استقطاب لشخصيات انتخابية من خارج التنظيمات الحزبية ؛ واستقالات لمناضلين بسبب التزكيات؛ واتهامات بتغليب المال والنفوذ في سياق تقارب بين البرامج الحزبية؛ سيعزز بلا شك لدى الناخب الاعتقاد بأن الانتخابات أصبحت منافسة على المقاعد أكثر مما هي منافسة على المشاريع. وهنا تظهر المفارقة: السلطة تحاول رفع المشاركة، بينما بعض الممارسات الحزبية قد تنتج العزوف. ولهذا فإن احتواء العزوف في انتخابات 23 شتنبر 2026 لا يمكن أن يكون إدارياً فقط؛ بل إنه يحتاج إلى إعادة بناء جاذبية الممارسة السياسة نفسها. فبعبارة أخرى فيمكن للسلطة أن تسهل الوصول إلى صندوق الاقتراع، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل المواطن راغباً في الوصول إليه.
من هنا يطرح هذا السؤال المركزي حول هل تستطيع السلطة رفع نسبة المشاركة من خلال تحسين شروط العملية الانتخابية، أم أن مفتاح المشاركة يوجد أساساً في قدرة الأحزاب على إعادة السياسة إلى الناخب، بعدما أصبحت حرب التزكيات والترحال واستقطاب النخب تطغى على النقاش حول البرامج؟ وهنا يمكن أن تصبح انتخابات 23 شتنبر 2026 اختباراً سياسيا حقيقياً: هل سيكون ارتفاع المشاركة، إن حصل، نتيجة ثقة سياسية جديدة، أم نتيجة تعبئة انتخابية وإدارية قوية دون تحول جوهري في علاقة المواطن بالأحزاب؟