وجهة نظر

سؤال مغرب 2030.. ماذا استفاد المغاربة من تنظيم كأس العالم؟

المونديال ليس بضعة أسابيع من المباريات. الاختبار الحقيقي أن يزدهر بعدها الاستثمار والسياحة و ومعها الصحة والتعليم والنقل والشغل. لا نريد أن نبني المغرب من أجل بضعة أسابيع من كرة القدم. ولكن نريدها بضعة أسابيع من كرة القدم لبناء مغرب أقوى لعقود طويلة

ذات مساء من سنة 2030، ستنتهي المباراة النهائية لكأس العالم، وسيُرفع الكأس، وتنطفئ أضواء أكبر تظاهرة كروية في العالم، وتغادر المنتخبات والوفود وآلاف المشجعين الأجانب، وتتحول كاميرات القنوات الدولية إلى موعد آخر في بلد آخر… لكن المغرب والمغاربة سيبقون هنا، مع كل ما شُيد وأُنجز، ومع كل الملايير التي صُرفت، ومع كل الطرق والقطارات والمطارات والملاعب والفنادق والمرافق التي حملت معها سنوات من الأشغال والانتظار والطموح.
وعندها لن يكون السؤال الحقيقي: هل نجح المغرب في تنظيم كأس العالم؟

سيكون السؤال الأهم: ماذا بقي للمغاربة من كأس العالم؟
فالنجاح لا ينبغي أن يُقاس فقط بحسن التنظيم ولا بجمال حفل الافتتاح ولا بامتلاء المدرجات ولا بانبهار الضيوف، لأن كل ذلك سينتهي في بضعة أسابيع، بينما ما يحتاجه المغرب هو أن يتحول هذا الموعد الاستثنائي إلى فرصة استثنائية لتسريع التنمية وبناء إرث يستمر لعقود.

لسنا بصدد بناء بلد ليستقبل العالم شهرًا واحدًا

لا ينبغي النظر إلى الأوراش المرتبطة بأفق 2030 باعتبارها مجرد متطلبات لتنظيم مباريات كرة القدم، لأن المغرب كان يحتاج إلى كثير منها أصلًا.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لكأس العالم لا تكمن فقط في أنه سيأتي بالمشجعين، بل في أنه جعل سنة 2030 موعدًا صارمًا لا يسمح لكثير من المشاريع بأن تبقى معلقة أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى.

قد يكون المونديال هو المناسبة التي تجعلنا ننجز خلال سنوات ما كان يمكن أن يستغرق عقودًا.
لكن هذا النجاح سيظل ناقصًا إذا كانت كل تلك الملايير تُصرف من أجل أن يظهر المغرب جميلًا أمام العالم لبضعة أسابيع فقط.
حين تنتهي البطولة، لن يهتم المواطن كثيرًا بعدد الشخصيات التي صفقت لجودة التنظيم، بل سيهتم بما تغير في حياته اليومية.
لا نريد مدنًا جميلة أمام الكاميرات فقط أحد المخاطر التي ينبغي التنبه إليها منذ الآن هو أن ينحصر التأهيل في المسارات التي سيرى منها الزائر المغرب.
ولذلك فإن تأهيل المدن من أجل كأس العالم يجب ألا ينتج لنا مدينتين داخل مدينة واحدة: مدينة للكاميرات ومدينة للسكان.
إذا كانت المناسبة ستسمح بتجميل واجهة المغرب، فيجب أن تسمح كذلك بتحسين قلبه وأطرافه.

والملاعب نفسها يجب أن تعيش بعد المونديال

حتى المنشآت الرياضية يجب ألا يكون التفكير فيها مرتبطًا فقط بالمباريات التي ستحتضنها سنة 2030. فالملعب الذي تُصرف عليه الملايير ينبغي أن تكون له حياة اقتصادية ورياضية بعد انتهاء البطولة. يمكن أن يحتضن مباريات وتظاهرات وطنية ودولية، وحفلات ومعارض وملتقيات وأنشطة اقتصادية وثقافية.
وينبغي أن تصبح محيطاته أقطابًا للحركة والنشاط وليس فضاءات ضخمة تستيقظ في أيام المباريات فقط.
لأن المنشأة التي تستمر في إنتاج القيمة بعد انتهاء المناسبة تصبح استثمارًا.
أما المنشأة التي ينتهي دورها بانتهاء الحدث وتظل تحتاج إلى ميزانيات ضخمة للصيانة دون استعمال منتج، فإنها تتحول إلى عبء مؤجل.

الوظائف أهم من عدد المباريات

وسؤال الإرث لا يتعلق بالحجر والإسمنت وحدهما. فالملايير التي ستُضخ في هذه الأوراش يجب أن تتحول أيضًا إلى فرص عمل، وتكوين، ونقل للخبرة، وتقوية للمقاولات المغربية.
نريد أن نعرف ماذا سيبقى للعامل بعد نهاية الورش. وماذا سيبقى للمهندس والتقني بعد انتهاء المشروع. وماذا ستربح المقاولة المغربية من الخبرة والتكنولوجيا والعلاقات والأسواق الجديدة.
وكم من الشباب سيتم تكوينهم ليجدوا لأنفسهم مكانًا في السياحة والفندقة والنقل والتكنولوجيا والأمن والخدمات والصناعات المرتبطة بهذه الدينامية.
فإذا انتهت الأشغال وبقيت لدينا المنشآت فقط، فقد نكون قد ربحنا البنيات.
أما إذا بقيت أيضًا مقاولات أقوى، وكفاءات أكثر خبرة، وشباب أكثر تأهيلًا، ووظائف جديدة، فإننا نكون قد ربحنا اقتصادًا أقوى.

وحتى السياحة… لا نريد زائرًا يأتي مرة واحدة ويرحل.
المونديال سيكون كذلك فرصة سياحية استثنائية.

لكن الرهان الحقيقي ليس فقط أن يأتي المشجع ويقضي بضعة أيام ثم يعود إلى بلده.
النجاح هو أن يعود مرة ثانية. أن يأتي مع أسرته. أن يزور مدنًا أخرى.أن يتحدث عن المغرب لأصدقائه. أن يتحول المشجع العابر إلى سفير مجاني للسياحة المغربية. وهنا تبدأ قيمة أخرى للمونديال لا يمكن قياسها بعدد المقاعد أو الغرف الفندقية فقط.
إنها قيمة التجربة التي سيأخذها الزائر معه إلى بلده.

هناك إرث أكبر من الطرق والملاعب… صورة المغرب في العالم

كأس العالم سيمنح المغرب شيئًا لا يمكن شراؤه بسهولة بأكبر الحملات الإشهارية: سيمنحه انتباه العالم. مئات الملايين، وربما المليارات، سيتابعون المباريات والصور والبرامج والتقارير القادمة من المغرب. وسيأتي إلى المملكة إعلاميون ومؤثرون ومشجعون ورجال أعمال وشخصيات من بلدان وثقافات مختلفة.
وهنا يجب ألا نقدم لهم فقط ملاعب حديثة وطرقات جيدة.
يجب أن نقدم لهم المغرب.
هويته، ثقافته، حضارته، تاريخه، تعدده، موسيقاه و فنه.
لباسه، مطبخه، صناعته التقليدية، منتجاته المجالية ومعماره.
جباله وصحراءه وسواحله وقراه ومدنه العتيقة والحديثة.
المونديال ليس فقط فرصة لكي يرى العالم كيف ننظم مباراة، بل لكي يعرف من هم المغاربة.

كرم المغاربة يمكن أن يكون أقوى حملة إشهارية

صورة البلدان لا تصنعها الحكومات وحدها. قد يصنعها سائق سيارة أجرة. أو نادل في مقهى. أو موظف في فندق. أو شرطي في الشارع. أو بائع في متجر. أو شاب يساعد مشجعًا تائهًا على العثور على وجهته.
وقد تكون طريقة استقبال الزائر أكثر تأثيرًا من أي إعلان تلفزيوني.
فالمغاربة معروفون بكرم الضيافة وحسن الاستقبال، وهذه ليست مجرد صفة اجتماعية جميلة، بل يمكن أن تصبح خلال كأس العالم رأسمالًا سياحيًا واقتصاديًا وصوريًا هائلًا.

المشجع قد ينسى نتيجة المباراة. لكنه قد لا ينسى الإنسان الذي عامله باحترام.
وقد لا يتذكر اسم الشارع الذي مر منه. لكنه سيتذكر شعوره بالأمان والترحيب والراحة.
والزائر الذي يعود إلى بلده وهو يقول: «لقد أحببت المغرب والمغاربة» قد يكون أكثر تأثيرًا من ملايين الدراهم التي تنفق على الإعلانات السياحية.

2030 يجب أن يكون معرضا مفتوحا لإبداعات المغاربة ومنتجاتهم

ولا ينبغي أن نكتفي بتسويق المغرب كوجهة سياحية.
لدينا فرصة لتسويق ما يصنعه ويبدعه المغاربة.
ينبغي أن يجد المنتوج المغربي طريقه إلى محطات القطار والمطارات والفنادق ومناطق المشجعين والفضاءات السياحية.
وأن يعود الزائر إلى بلده وهو يحمل معه شيئًا صنعه مغربي، ويتذكر القصة التي تقف خلفه، ويبحث بعد ذلك عن المنتوج نفسه في بلده أو عبر التجارة الإلكترونية. حينها نكون قد حولنا البطولة من حدث رياضي إلى نافذة تجارية مفتوحة على العالم.

والاستثمار يبدأ من صورة بلد قادر ومستقر وسيكون بين الزوار كذلك رجال أعمال ومستثمرون وصناع قرار اقتصادي وإعلاميون دوليون. ومنهم من قد يكتشف المغرب لأول مرة. وسيكون النجاح التنظيمي رسالة عملية لهم.

بلد يستطيع تنظيم واحدة من أعقد التظاهرات العالمية، وتأمين ملايين التنقلات، وإدارة ملاعب ومطارات وقطارات وفنادق ومدن مكتظة بالزوار، واحترام المواعيد وإنجاز أوراش ضخمة، هو بلد يقدم للعالم صورة عن قدرته المؤسساتية والاقتصادية والتنظيمية.
وهذه الصورة يمكن أن تتحول إلى استثمارات.

وإلى شركات جديدة. وإلى شراكات. وإلى فرص عمل. فالاستثمار لا يتحرك بالأرقام والامتيازات وحدها. يتحرك أيضًا بالثقة.
والمونديال فرصة لكي يقول المغرب للعالم، بالفعل لا بالكلام، إنه بلد آمن ومستقر وقادر على الإنجاز.

أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نختزل المغرب في كرة القدم

سيأتي العالم في 2030 من أجل الكرة.
لكن ليس من الضروري أن يغادر وهو لا يعرف عنا سوى الكرة.
هذه مسؤوليتنا.
يجب أن يكون المونديال مناسبة لكي يعرف العالم المغرب الرياضي، والمغرب السياحي، والمغرب الصناعي، والمغرب الثقافي، والمغرب الإفريقي والمتوسطي والعربي والأمازيغي، والمغرب الحديث الذي يحمل وراءه تاريخًا عريقًا.
كأس العالم سيمنحنا منصة نادرة. لكن المنصة وحدها لا تكفي.

يجب أن نعرف ماذا سنقول للعالم فوقها. لا نريد أن نستيقظ سنة 2031 ونبدأ طرح الأسئلة كلما كانت الأموال أكبر، كان واجب المحاسبة أكبر. وكلما كانت المناسبة استثنائية، كان من حق المغاربة أن ينتظروا منها نتائج استثنائية.
لذلك يجب أن يبدأ تقييم الإرث الآن وليس بعد انتهاء البطولة.

كل مشروع ضخم يجب أن يحمل معه سؤالًا بسيطًا:
ماذا سيبقى منه بعد 2030؟ كم وظيفة دائمة؟ كم قيمة اقتصادية؟ كم نشاطًا سيخلق؟ كم سنة سيخدم المواطن؟ كيف ستُمول صيانته؟ كيف سيندمج في الحياة اليومية للمدينة؟
وكم سيضيف إلى جاذبية البلد؟
لأن المغرب لا يحتاج فقط إلى دفتر مشاريع قبل كأس العالم.
يحتاج أيضًا إلى دفتر إرث لما بعد كأس العالم.

وبعد صافرة النهاية…سيأتي ذلك المساء. ستنتهي المباراة.
وسيُرفع الكأس. ويعود اللاعبون والمشجعون والصحفيون إلى بلدانهم. وتهدأ الشوارع التي ضجت بأسابيع من الفرح والاحتفال.
وتختفي آلاف الكاميرات. لكن المغاربة سيستيقظون في صباح اليوم التالي. وسيذهب الطالب إلى جامعته. والعامل إلى عمله.
والموظف إلى إدارته. والتاجر إلى متجره.

وستبقى معهم القطارات والطرقات والمطارات والملاعب والفنادق والمدن التي تغيرت. وستبقى معهم أيضًا صورة المغرب التي حملها العالم عنه.
وهنا ستكون لحظة الحساب الحقيقي. ليس السؤال كم مباراة ربحنا. ولا كم مشجعًا استقبلنا. ولا كم شخصًا صفق لحفل الافتتاح.
السؤال سيكون: هل أصبح المغرب بعد كأس العالم أفضل مما كان قبله؟ هل استفاد المواطن؟ هل خلقنا فرص عمل؟ هل قويت مقاولاتنا؟ هل ارتفعت جاذبيتنا السياحية؟ هل اكتشف العالم ثقافتنا ومنتجاتنا وإبداعاتنا؟ هل جاء المستثمرون؟ هل عاد السياح؟
هل أصبحت صورة المغرب أقوى؟

وهل شعر المغربي الذي لم يدخل ملعبًا واحدًا طوال البطولة أن كأس العالم ترك شيئًا في حياته؟
إذا تحقق ذلك، فإن المونديال لن يكون قد مر بالمغرب فقط.
سيكون قد دفع المغرب إلى الأمام. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل ورش وكل مشروع وكل درهم سيُصرف حتى سنة 2030 يجب أن يظل حاضرًا: ماذا سيبقى للمغاربة بعد صافرة المباراة النهائية؟
لسنا بحاجة إلى أن نبني المغرب من أجل بضعة أسابيع من كرة القدم.
نحن بحاجة إلى أن نستغل بضعة أسابيع من كرة القدم لكي نبني مغربًا أقوى لعقود طويلة بعدها.