“إنّ السأم في نظري هو حقًّا نوعٌ من النقص أو عدم التلاؤم أو غياب حسّ الواقع”.
ألبرتو مورافيا
” ينبغي أن نتذكّر الأشياءَ في الفلسفة .. أن نتذكّر الواقع”
عادل حدجامي
قبل الشروع في كتابة هذا النص، كنتُ أُعمل النظر في عنوانٍ مناسب له، وبالموازاة مع ذلك كنتُ أستقصي عن وسمٍ للعصر الذي نعيشه اليوم، فلم أجد غير: ” السأم والضجر”. والفلسفةُ، بما هي دعوةٌ إلى التذكّر ( المعرفةُ تذكّرٌ، والجهلُ نسيان – أفلاطون )، هي تذكّرٌ للأشياء بما هي أشياء قابلة للتحوّل والتنامي والتلاشي، وتذكّرٌ للواقع بما هو حضورٌ متغيّر لا يُمحى. ومن ثَمَّ فإنّي، إلى حدٍّ ما، أقيم محاولةً للفهم لما يمكن أن أُطلق عليه: ” عصر بلا معنى وتجَلٍّ فاسد”، منطلقًا من سؤال: بأي معنى يمكن التفكّر فلسفيًّا وفنيًّا في العصر الحالي؟
إنَّ محاولة التفكيرِ فلسفيًّا في القائم اليوم هو التفكيرُ في فكرة الاتصال، التي هي في حقيقتها تكريسٌ للانفصال؛ انفصالُ الإنسان عن واقعه المعاش، وفقدانُ الوصل بالواقع الفعلي. وبالتالي، فإنَّ الاتصال الشبكي، في عمقه، يفضي إلى غياب العلاقات الاجتماعية واستحالتها، إن لم أقل انعدامها فعليًّا. غير أنَّ الخطير هنا هو الشعور الناجم عن هذا الغياب والفقدان، الذي يولِّد السأم النفسي. وما تجدر الإشارة إليه هو أن يكون الشعورُ أو الإحساسُ بالسأم مردَّه هروبُ الإنسان من واقعٍ أو مشهدٍ قاتم، وظروفٍ مأساويةٍ كيفما كان طبعُها: اجتماعيةً، أسريةً، أو اقتصاديةً، سياسيةً… إلى واقعٍ افتراضيٍّ يتخذه ملاذًا وخلاصًا وانعتاقًا. وهنا تُنسَف وتُقوَّض أطروحةُ هذا النص إن كان الحال كذلك؛ إذ يجهل الإنسانُ نفسَه، وهو يكتشف ما يسوقه الآخرون عن أنفسهم وحياتهم، ولو كان ذلك محضَ زيف.
منذ أن أعلن الإنسان ميلاد العصور الحديثة (بمعناها التقني/ الثورة التكنولوجية الحديثة)، وهو يعيش مرحلةً من الرتابة في العيش؛ فبقدر ما يرى العالم عن قرب، يجهل العيش فيه ويجهل سرّ وجوده. لقد بات لا يرى سوى سطح السطوح وقشرة القشور. إنّه إنسان منطفئ بلا حياة، إنسان تُمارَس عليه السطوة والغشاوة في كل شيء، حتى وهو وحيد. بل أكثر من ذلك، فقد أصيب الإنسان اليوم بعِلّة البحث عن المتعة بلا متعة، وعن الشعور بلا شعور، وعن الربح السريع؛ فهو يتهافت من موقعٍ إلى آخر، من واقعٍ أقلّ طمأنينة وعقلانية إلى واقعٍ أكثر وحشيةً ووحدةً وتأفّفا.
وعليه، انقطع الإنسان عن المُهجة والبهجة، وأضحى يعيش حياةً آلية مركبة، يتصفّح العالم دفعة واحدة، دون أن ينتزع منه شيئًا نافعًا. كما غدت الذات الإنسانية، في شموليتها، ترى كل شيء بينما لا تبصر أي شيء داخل قرية صغيرة تعيش الضيق البئيس. حياة رتيبة يستحوذ عليها تعفّن الدماغ، وتكرار واجترار اللحظة نفسها، دونما الظفر بشيءٍ من الفضيلة المحمودة.
عربونُ العصر وشعارُ المرحلة إذن هو فقدانٌ للشغف، وفقدانٌ للحيوية، وفقدانٌ للطمأنينة (الأتاراكسيا = Ataraxia )، وجودٌ غائبٌ وزائلٌ، قائمٌ على متعةٍ لحظيّةٍ مرتبطةٍ أشدَّ الارتباط بفيديوهاتٍ قصيرةٍ وصورٍ زائفة، يفرض نفسه كوجودٍ عبثيٍّ(فوضوي) غيرِ معقلَن. وجرّاء هذا الانجراف نحو كلِّ ما هو افتراضيٍّ، أضاع الإنسانُ المعاصرُ الشعورَ بالحياةِ والطمأنينة. وإنّ أسوأَ ما يعيشه الإنسانُ – إنسانُ العالم الثالث تحديدًا – اليوم هو هذا الفقدان؛ فقدانُ كلِّ شيءٍ، ما عدا هذا الإحساسِ بالنقص أو النقصان. والنتيجةُ دخول الإنسان في السأمِ الأملق (على المستوى النفسي – الروحي) بلا حياة.
لم تعد ملكةُ العقل تتغذّى على الأفكار المجرّدة والواقع المرئي، بل انحرفت نحو تطعيم ذاتها بصورٍ باهتة، أُوتيت من شبكة العنكبوت (تيك توك، إنستغرام، سناب شات…)؛ صورٍ تغمرها نزعةٌ رأسماليةٌ متوحّشة، وتُثقِلها الأيديولوجيا الإمبريالية. وأمام هذه السوداوية المعاصرة، وأمام تغييب دور العقل الصارم والإيمان المستنير، ثمّ تسليع الجسد بأشكالٍ مرفوضةٍ أخلاقيًّا، وتسويق الإعاقة والمرض، وتسعير العائلة والوفاة (موت العائلة ورمزيتها = موت الأخلاق والقيم)، إزاء هذا كلّه؛ اندس الإنسانُ غمار مرحلةٍ يمكن أن أُطلق عليها: التسليع الافتراضي للإنسان أو الحياة. وكأنَّ هذا الأخير يُتوَّج بمسارٍ تقنيٍّ يُفضي إلى تشييء الطمأنينة/الإنسان بشيءٍ من لا شيء؛ فبالقدر الذي غابت فيه – الإنسان المعاصر- لذّةُ العيش الأصيل في جوهره، وفي عوالم الافتراض، بات ظهوره بلا معنى، وتجَلِّيه فاسد. ونقيضًا لكلِّ هذا، يمكن استحضار قول” Michel de Montaigne “:« إن مهنتي (métier)، وفنّي، عيش الحياة.»
عودًا على بدء، سأقدّم مقترحًا فنّيًا تشكيليًا بالأساس، يجسّد ما عبّرتُ عنه من أفكارٍ في لوحاتٍ رمزيةٍ تشكيلية. ويتعلّق الأمر بالفنّان الرمزي ” خالد آيت حماد”، الذي يسعى من خلال أعماله إلى ترجمة الواقع المعاصر في لوحاتٍ تجريدية، تختزل عمق الشعور بالسأم والضجر، وتكشف هشاشة الكائن البشري، واضعةً العجز النفسي والفراغ الروحي موضع تساؤلٍ فنّي.