في خضم الاستعدادات للموسم الدراسي الجديد، فسيكون من اليقظة الإعلامية أن نسلط الضوء على واحد من مكونات الجسم التربوي وهو أستاذ التعليم الخصوصي، هذا الكائن الزئبقي الذي يجد نفسه كل سنة مطالبا بالتكيف مع واقع جديد، في تجسيد تام للصراع من أجل البقاء، حيث تدفعه غريزة الحياة للتأقلم مع ظروف العمل وشعاره الدائم: مهما علا موج فلابد له من الانكسار، ومهما طال الليل فلابد للشمس أن تشرق.
فكيف يعيش أستاذ التعليم الخصوصي داخل المؤسسة التعليمية؟ وهل ينال فعلا ما يستحق من كرامة؟
عقدة النقص والمقارنة مع التعليم العمومي
حينما نتحدث عن أستاذ التعليم العمومي، وقبل أن نخوض في مثلث الخضوع التربوي، فلابد أن نتحدث عن العلاقة والتداخل بين العمومي والخصوصي من خلال سؤال منطقي وملح: هل يحتقر أستاذ العمومي أستاذ الخصوصي؟
الجواب طبعا يستحيل أن يقبل التعميم، لكن ظاهرة الاحتقار موجودة وإن لم تنطق بها الألسن وأخفتها النفوس، وذلك انطلاقا من معيار الفرق في التكوين، وأيضا الامتيازات المادية التي توفرها الدولة لأطر التعليم العمومي، مقارنة مع الوضعية الهشة في كثير من مؤسسات التعليم الخصوصي.
واقع الهشاشة حقيقة لا يمكن إنكارها أو الالتفاف حولها، ولن نحتاج إلى دراسات معمقة وأبحاث للوصول إلى هذه النتيجة، وهذا ما يفرز حالة من عدم الرضا لدى الكثير من أستاذة التعليم الخصوصي، والذي يرافقه إحساس بالنقص وتقدير الذات، وهو شعور داخلي لا يظهر على الوجوه، ولكن تخفيه النفوس التي تجرعت مرارته.
ولا غرابة أن نجد أستاذ الخصوصي يحلم، وحق له أن يحلم، بأن يكون يوما ما أستاذا في المدرسة العمومية، وهو حق مشروع في العيش بكرامة والتخلص من وصم المجتمع “العادل” الذي لا يرحم، والذي يعتبر أستاذ الخصوصي أقل مكانة من أستاذ القطاع العمومي.
فلسفة خضوع الأستاذ للتلميذ
يختلف وضع التلميذ تماما في التعليم الخصوصي، فسلطة المال والواجبات الشهرية التي يدفعها أولياؤه، منحته بشكل تلقائي الحق في التحول الجذري من تلميذ يخضع لسلطة الأستاذ الفعلية، إلى تلميذ يملك السلطة وينتزعها من أستاذه انتزاعا، ليجد الأستاذ نفسه مضطرا للخضوع أو مغادرة المؤسسة، وفي حال غادرها، فهل سيكون من السهل إيجاد مدرسة خصوصية تبقي على سلطة الأستاذ، وتحفظ كرامته وتحميه من الخضوع؟
الجواب طبعا يعرفه من ذاق مرارة البحث والتنقل بين المدارس الخصوصية، وهو “لا” قطعا، فمن النادر جدا الحصول على فرصة عمل بتلك المواصفات، فمنطق السوق لا يوفر إلا النطيحة وما أكل السبع.
مطرقة أولياء الأمور
في المدارس الخصوصية تتغير سيكولوجيا ونفسية أولياء الأمور، من الخضوع في التعليم العمومي إلى السيطرة في القطاع الخصوصي، فهم من يدفع رواتب الأستاذ، ولهم الحق في الانتقاد في كل حين وآن، بل والمطالبة بتغييره إن لم يكن حسن الهندام، ليتحول المسكين إلى مسمار في نعش التعليم الخصوصي، تنزل عليه المطرقة بحنان.
قد يظن الواحد منكم أن المطرقة ستنزل فعلا عليه بسلام، لكن الواقع أنها ستكسر عظامه وتهشمها، فكم من أستاذ فقد عمله بسبب ظلم أولياء الأمور وشططهم في استعمال السلطة، اسألوهم إن صادفتموهم عن الحكايات والشكايات المحفورة في ذاكرة “المسمار” الخصوصي.
سندان الإدارة
تحدثنا عن المطرقة، وقد آن لنا أن نتحدث عن سندان الإدارة، التي تتولى مهمة الهجوم على الأستاذ و”اقتلاع أسنانه”، بدل الدفاع عنه وحمايته من بطش أولياء الأمور والتلاميذ، حيث تملك الإدارة السلطة التنفيذية التي تستطيع معاقبة الأستاذ وتتكلف بتحقيق أمنيات التلاميذ وأوليائهم، فالبقاء في العمل يرتبط برضى التلميذ وأمه وأبيه ومدى إعجابهم بالأستاذ، ولا تملك الإدارة سوى السباحة مع التيار الذي يمول خزينة المدرسة، وأستاذ الخصوصي يدرك ذلك جيدا، فأهل مكة أدرى بشعابها، ومحاصرته في مثلث الخضوع التربوي كوضع السيف على رقبته ، ولا يملك الأستاذ المسكين سوى التعايش مع هذه البيئة السامة والمهينة، بحثا عن الخبز، وقليل من لحم الدجاج الأبيض، في زمن ارتفاع أسعار اللحم الأحمر، وذلك هربا من كابوس البطالة والديون المتراكمة.
بين ألم الماضي والحاضر وأمل المستقبل
قد تبدو هذه الكلمات الممزوجة بشيء من السخرية السوداء، امتدادا لثقافة التشاؤم وحجود نعمة الخالق والتنكر للوطن، غير أنها لا تتبنى فلسفة التعميم، فهناك مدارس خاصة تضمن الكرامة والعدالة وهي نادرة، ندرة الماء في الصحراء المغربية، وقد اخترنا مقاربة الموضوع بنبرة ساخرة، تصف واقعا مؤلما يئن تحت وطأته أستاذ الخصوصي، الباحث عن الكرامة وتحقيق الذات، والهدف منها تشريح جثة منسية، وتذكير الذاكرين والذاكرات، بالوضع الكارثي الذي تعيشه هذه الفئة المقهورة.
فكيف يمكن لأستاذ يعيش في خوف دائم، ويتوقع في كل لحظة أن يرمى به كالقمامة خارج أسوار المدرسة، أن يمنح الأمن والأمان للأطفال؟
فاقد الشيء لايعطيه، نعم هي حكمة قديمة لكنها تصف الوضع القائم وتضع الأصبع على الجرح، فهل من طبيب يداوي هذا الأستاذ ويرفع عنه غلبة الدين وقهر الرجال؟
تعليقات الزوار
بالتوفيق و السداد صديقي و أخي محمد أمادي مقال في المستوى ،شكراا لك التفاتة عظيمة في حق أستاذ التعليم الخصوصي، من حيث الصعوبات التي يواجهها و الضغط الذي تمارسه الإدارة عليه.