المحاماة بالمغرب في مواجهة القانون 66.23.. حين يصطدم الإصلاح باستقلال المهنة
وجهة نظر

المحاماة بالمغرب في مواجهة القانون 66.23.. حين يصطدم الإصلاح باستقلال المهنة

مقدمة:

لم يكن الجدل الذي رافق القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد خلاف حول تفاصيل تقنية تخص شروط الولوج إلى المهنة، أو قواعد التمرين، أو مساطر التأديب، وإنما كشف عن سؤال أعمق يتصل بموقع المحاماة داخل منظومة العدالة وحدود السلطة التشريعية في تنظيم مهنة تقوم، في جزء أساسي من وظيفتها، على الاستقلال.

فالمشرع، من خلال هذا القانون، لم يكتف بإعادة ترتيب بعض المقتضيات التي كانت تحكم ممارسة المحاماة، وإنما اتجه إلى إعادة بناء الإطار القانوني للمهنة من الولوج والتكوين والتمرين، إلى العلاقة مع الموكل والأتعاب وتدبير الأموال، مرورا بالرقمنة والتكوين المستمر والحكامة والتأديب وضمانات الدفاع. وهو ما يجعل القانون الجديد أقرب إلى إعادة تشكيل لبنية المهنة منه إلى مجرد تعديل تشريعي محدود.

وقد استكمل القانون مساره التشريعي بموافقة مجلس المستشارين عليه في القراءة الثانية بتاريخ 7 يوليوز 2026، قبل صدوره بتنفيذ الظهير الشريف رقم 1.26.75 بتاريخ 18 غشت 2026 ونشره بالجريدة الرسمية عدد 7536 بتاريخ 20 غشت 2026، ليدخل بذلك حيز التنفيذ من تاريخ نشره، مع بقاء بعض المقتضيات رهينة بصدور النصوص التنظيمية اللازمة لتفعيلها.

غير أن دخول النص حيز التنفيذ لا ينهي النقاش حوله، بل ينقله من مرحلة التشريع إلى مرحلة أكثر حساسية: مرحلة التطبيق والتأويل والممارسة. ذلك أن استقلال المحاماة لا يقاس فقط بما يرد في النص من إعلان لمبدأ الاستقلال، وإنما بما توفره القواعد القانونية والمؤسسات المهنية والممارسة اليومية من ضمانات فعلية تحول دون أن يتحول التنظيم إلى وسيلة لإفراغ الاستقلال من مضمونه.

ومن هنا تطرح المسألة إشكاليتها المركزية: إلى أي حد استطاع القانون رقم 66.23 أن يؤسس لنموذج جديد لتنظيم مهنة المحاماة بالمغرب، دون أن يؤدي اتساع دائرة التنظيم التشريعي إلى المساس باستقلال المهنة وما يرتبط به من ضمانات لممارسة حق الدفاع؟

ويتفرع عن ذلك عدد من الأسئلة المرتبطة بكيفية إعادة تنظيم الولوج والتكوين والتمرين، وانعكاسات ذلك على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للمحامين، ومدى تأثير القواعد الجديدة المنظمة للعلاقة مع الموكل والأتعاب والأموال على استقلال المحامي، ثم حدود السلطة التأديبية والحكامة المهنية، وأخيراً مدى قدرة القانون على تحقيق معادلة دقيقة بين تحديث المهنة وحماية استقلالها.

المحور الأول: القانون 66.23 وإعادة تشكيل الإطار القانوني لمهنة المحاماة

تكمن أهمية القانون رقم 66.23 في كونه أعاد ترتيب عدد كبير من مفاصل المهنة داخل بنية تشريعية جديدة، بحيث لم يعد تنظيم المحاماة قائماً فقط على تحديد شروط الممارسة، وإنما أصبح مرتبطا بمنظومة متكاملة تبدأ من مرحلة الولوج والتكوين ولا تنتهي إلا عند تحديد المسؤولية المهنية والتأديبية.

فالمشرع اتجه إلى إعادة النظر في المسار المؤدي إلى ممارسة المهنة، من خلال اعتماد مباراة للولوج، ثم تكوين أساسي بمعهد مخصص لتكوين المحامين، يعقبه التمرين المهني. كما حددت مدة التمرين في أربع وعشرين شهرا، منها عشرون شهرا بمكتب محام وأربعة أشهر للتكوين لدى إدارة أو مؤسسة أو هيئة ذات صلة بالممارسة القانونية.

ولا يبدو هذا التغيير مجرد تشديد لشروط الولوج بقدر ما يعكس تصوراً جديداً للمحامي باعتباره مهنياً يحتاج إلى تأهيل يجمع بين المعرفة القانونية والخبرة التطبيقية. غير أن هذا الاختيار يطرح في المقابل مسؤولية موازية على المؤسسات المشرفة على التكوين؛ إذ إن رفع شروط الولوج لا تكون له قيمة حقيقية إذا لم يقابله تكوين فعلي قادر على إعداد محامٍ يمتلك أدوات الممارسة، وليس مجرد شهادة تؤهله للانتقال من مرحلة إلى أخرى.

فالتمرين المهني لا ينبغي أن يقاس بعدد الأشهر التي يقضيها المتدرب، وإنما بمضمون التجربة التي يكتسبها خلالها، وبمدى تمكنه من مهارات الصياغة القانونية، والترافع، والتعامل مع الملفات، وفهم أخلاقيات المهنة وحدود المسؤولية التي تترتب عن ممارستها.

أولاً: تنظيم العلاقة مع الموكل… من الثقة إلى التوثيق

ومن أبرز مظاهر إعادة تنظيم المهنة انتقال المشرع إلى ضبط العلاقة بين المحامي وموكله بصورة أكثر تفصيلاً، لاسيما من خلال اعتماد التكليف المكتوب، ورقياً أو إلكترونياً، بما يسمح بتحديد موضوع المهمة ومراحل التقاضي وكيفية أداء الأتعاب.

ولا شك أن الكتابة توفر قدرا أكبر من الوضوح، وتحد من النزاعات التي قد تنشأ نتيجة اختلاف التصورات بين المحامي وموكله حول طبيعة المهمة أو حدودها أو المقابل المالي عنها. لكنها، في الوقت ذاته، تطرح سؤالاً حول طبيعة العلاقة المهنية ذاتها: هل يؤدي التوسع في التوثيق إلى تعزيز الثقة، أم أننا نتجه تدريجيا من علاقة تقوم على الاعتبار الشخصي والثقة المهنية إلى علاقة يغلب عليها منطق الإثبات والاحتياط؟

والحقيقة أن الإشكال لا يكمن في الكتابة في حد ذاتها، وإنما في كيفية استخدامها؛ فالتوثيق ينبغي أن يكون وسيلة لحماية الطرفين، لا أن يتحول إلى آلية تثقل العلاقة المهنية أو تجعل المحامي في مواجهة دائمة مع موكله حول تفاصيل إجرائية.

وينسحب الأمر ذاته على الأتعاب، التي نظمها القانون على أساس الاتفاق بين المحامي وموكله، مع عدم جواز ربطها مسبقا بنتيجة القضية، وإسناد الاختصاص للنقيب في النزاعات المتعلقة بها، مع إمكانية الطعن وفق الشروط القانونية.

وهنا تظهر معادلة دقيقة: فمن جهة، يحتاج الموكل إلى حماية من التعسف أو الغموض في تحديد الأتعاب؛ ومن جهة أخرى، يحتاج المحامي إلى حماية استقلاله الاقتصادي حتى لا تتحول أتعابه إلى مصدر تبعية للموكل أو إلى وسيلة للتأثير في قراره المهني.

فالمحامي لا يبيع نتيجة قضائية، وإنما يقدم خدمة قانونية مهنية قوامها بذل العناية، وتقديم المشورة، وممارسة الدفاع وفق القانون وأخلاقيات المهنة. ومن ثم فإن حماية الموكل لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تضييقاً على المحامي، كما أن حماية المحامي لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها إطلاقاً لسلطته على الموكل.

ثانياً: الأثر الاقتصادي والاجتماعي لإعادة تنظيم المهنة

لا يمكن قراءة القانون الجديد بمعزل عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمحاماة، خصوصا بالنسبة إلى المحامين الشباب والمتدربين والممارسين في بداية مسارهم المهني.

فكل تشديد في شروط الولوج والتكوين والتمرين، وكل التزام جديد يتعلق بالحكامة أو التأمين أو الحسابات المهنية أو تدبير الأموال، يحمل بالضرورة تكلفة اقتصادية ينبغي أخذها بعين الاعتبار. كما أن فتح المجال أمام أشكال جديدة من التعاون والشراكات والشركات المهنية والتعاون مع محامين أو مكاتب أجنبية، وفق الشروط التي يحددها القانون، يعكس توجهاً نحو تحديث البنية الاقتصادية للمهنة وفتحها على أنماط أكثر تنظيماً من الممارسة.

غير أن تحديث البنية الاقتصادية لا ينبغي أن يؤدي إلى خلق محاماة ذات سرعتين: محاماة قادرة على الاستفادة من الإمكانات الجديدة التي توفرها الشركات والشراكات والتكنولوجيا، ومحاماة فردية تعاني من ارتفاع تكاليف الممارسة وصعوبة المنافسة.

وهنا يصبح التحدي الحقيقي أمام الهيئات المهنية ليس فقط حماية قواعد المهنة، وإنما أيضاً ضمان شروط ممارسة عادلة تسمح للمحامي، وخاصة في بداية مساره، ببناء وضع مهني مستقر دون أن يكون مضطراً إلى تقديم تنازلات تمس استقلاله.

ثالثاً: أثر الإصلاح على العدالة وحقوق الدفاع

إن أي إصلاح لمهنة المحاماة لا ينبغي أن يقاس فقط بمدى تنظيمه للمهنة، وإنما بمدى انعكاسه على جودة العدالة.

فالمحامي ليس طرفاً مهنيا عاديا في السوق القانونية؛ وإنما يؤدي وظيفة ترتبط مباشرة بحقوق الدفاع وبحق المتقاضي في الوصول إلى العدالة. ولذلك فإن رفع مستوى التكوين، وتطوير التمرين، وتعزيز التكوين المستمر، وتنظيم العلاقة مع الموكل، وضبط تدبير الأموال، وتشديد المسؤولية المهنية، يمكن أن يشكل في مجموعه مدخلا لتحسين جودة الخدمات القانونية وتعزيز ثقة المتقاضي.

لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يتمثل في إمكانية ارتفاع كلفة الولوج إلى الخدمة القانونية، أو تعقيد بعض الإجراءات المهنية، أو اتساع الالتزامات المفروضة على المحامي بما قد ينعكس في النهاية على المتقاضي.

ومن هنا، فإن معيار نجاح الإصلاح لا ينبغي أن يكون عدد القواعد التي استحدثها المشرع، وإنما قدرته على تحقيق معادلة أكثر صعوبة: محاماة أكثر كفاءة وتنظيماً، دون عدالة أكثر كلفة وتعقيداً.

المحور الثاني: استقلال المهنة أمام اتساع دائرة التنظيم التشريعي

إذا كان القانون 66.23 قد أعاد تنظيم المهنة من الداخل، فإن السؤال الأكثر حساسية يرتبط بالحدود التي يمكن أن يصل إليها التنظيم التشريعي دون أن يتحول إلى تدخل يمس جوهر الاستقلال.

فاستقلال المحاماة لا يعني أن المهنة توجد خارج القانون، كما لا يعني أن المحامي يتمتع بحصانة مطلقة من المسؤولية. لكنه يعني أن ممارسة وظيفة الدفاع يجب أن تتم في فضاء يسمح للمحامي باتخاذ مواقفه المهنية دون خوف من جزاء غير مشروع، أو ضغط مؤسسي، أو تأثير من الموكل نفسه.

أولاً: حصانة الدفاع… لا دفاع فعالاً دون ضمانات

تكتسب الحماية المقررة للمحامي أثناء ممارسة الدفاع أهمية خاصة، لأن حرية الدفاع تفقد جزءاً من فعاليتها إذا كان المحامي معرضاً في كل لحظة لأن تتحول مرافعاته أو مذكراته إلى مصدر للمساءلة لمجرد أنها كانت حادة أو ناقدة أو غير مريحة لأحد أطراف الخصومة.

غير أن الحصانة لا يمكن أن تتحول إلى مظلة للإفلات من المسؤولية. فهناك فرق بين القول الذي يفرضه منطق الدفاع، وبين السلوك المستقل عن ممارسة الدفاع والذي قد يشكل إخلالاً مهنياً أو جريمة قائمة بذاتها.

ومن ثم فإن المعادلة السليمة ليست بين الحصانة والمسؤولية، وإنما بين حصانة لازمة لحرية الدفاع ومسؤولية لازمة لحماية نزاهة المهنة.

ثانياً: التأديب… حماية للمهنة أم مصدر لتقييدها؟

لا يمكن لمهنة قانونية أن تستمر دون نظام تأديبي فعال؛ فاستقلال المهنة لا يعفي صاحبها من المسؤولية.
لكن الخطر يبدأ عندما يصبح التأديب، بسبب اتساع نطاقه أو غموض بعض معاييره في التطبيق، مصدراً لتقييد حرية المحامي في اختيار وسائل الدفاع والحجج القانونية التي يراها مناسبة.

وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: المساءلة عن السلوك المهني، وهي ضرورية، والمساءلة عن مضمون الدفاع المشروع، وهي مسألة أكثر حساسية وتتطلب أعلى درجات الحذر.

فالمحامي قد يخطئ في التقدير القانوني، وقد يختار حجة ضعيفة أو موقفاً لا يلقى قبولاً لدى المحكمة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه أخل باستقلال المهنة. وإلا أصبح الخوف من المساءلة عاملاً مؤثراً في طريقة بناء الدفاع، وهو ما قد يضر بالعدالة أكثر مما يحميها.

ثالثاً: الحكامة المهنية واستقلال الهيئات

لا يمكن الحديث عن استقلال المحاماة دون الحديث عن استقلال مؤسساتها المهنية.
فالحكامة ليست مسألة داخلية تهم المحامين وحدهم، وإنما هي أحد الشروط التي تجعل الاستقلال قابلا للممارسة. فكلما كانت المؤسسات المهنية أكثر ديمقراطية وشفافية وتمثيلية، ازدادت قدرتها على الدفاع عن استقلال المهنة، وكلما ضعفت آلياتها الداخلية، أصبح الاستقلال نفسه أكثر هشاشة.
ومن المستجدات التي تعكس هذا التوجه إعادة تنظيم بعض جوانب انتخاب أجهزة الهيئات وتدبيرها، إلى جانب تحديد مدة ولاية النقيب في ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، بما يعكس رغبة في إعادة ضبط العلاقة بين المسؤولية المهنية والتداول على المسؤولية داخل الهيئات.

كما أن تعزيز حضور النساء في الأجهزة المهنية يندرج ضمن تصور أوسع للحكامة والتمثيلية، لأن استقلال المؤسسة لا يقاس فقط بمدى قدرتها على مواجهة الخارج، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على ضمان تمثيلية عادلة وتدبير ديمقراطي من الداخل.

رابعاً: الرقمنة… تحديث المهنة دون تسليعها

من الصعب تصور محاماة حديثة خارج الفضاء الرقمي. ولذلك اتجه القانون إلى الاعتراف ببعض الوسائل الرقمية في ممارسة المهنة، بما في ذلك التكليف الإلكتروني والتواصل المهني والوجود عبر المواقع الإلكترونية، مع الإبقاء على القيود المرتبطة بالإشهار التجاري واستجلاب الزبناء.

وهذا التوجه يعكس إشكالية جديدة لم تكن مطروحة بهذه الحدة في التنظيم التقليدي للمهنة: كيف نسمح للمحامي بأن يكون حاضراً في الفضاء الرقمي دون أن تتحول المحاماة إلى نشاط تجاري يخضع لمنطق الإعلان واستقطاب الزبون؟

فالرقمنة في ذاتها ليست تهديداً للاستقلال، بل قد تكون أداة لتطوير المهنة وتحسين التواصل مع المتقاضي. لكن الخطر يكمن في انتقال المحامي من تقديم المعلومة القانونية إلى تسويق الخدمة القانونية، ومن بناء الثقة المهنية إلى المنافسة الإعلانية.

وهنا يجب أن يبقى التمييز واضحاً بين التعريف بالمحامي وخدماته في إطار مهني مشروع، وبين الإعلان التجاري واستجلاب الزبناء بأساليب تتنافى مع طبيعة المهنة.

المحور الثالث: بين ضرورة الإصلاح ومخاطر التضييق — أي مستقبل لاستقلال المحاماة؟

لا يبدو من الواقعي الدفاع عن بقاء تنظيم مهني وُضع في سياق تشريعي واجتماعي مختلف دون إعادة نظر. فالمجتمع تغير، والنزاعات أصبحت أكثر تعقيداً، والتكنولوجيا أعادت تعريف طرق تقديم الخدمات القانونية، كما أن المتقاضي أصبح أكثر وعياً بحقوقه وأكثر مطالبة بالشفافية.
من هذه الزاوية، فإن إصلاح المهنة لم يكن خياراً ترفياً، وإنما أصبح ضرورة.

لكن ضرورة الإصلاح لا تعني أن كل وسيلة تشريعية تصبح مشروعة لمجرد أنها تستهدف الإصلاح. فالمسألة ليست في الاختيار بين تنظيم المهنة أو تركها دون تنظيم، وإنما في تحديد حدود التنظيم الذي يحمي المهنة دون أن يفرغ استقلالها من مضمونه.

أولاً: الاستقلال ليس امتيازاً للمحامي
من أكثر التصورات اختزالاً النظر إلى استقلال المحامي باعتباره امتيازاً شخصياً يستفيد منه المهني.
فالاستقلال، في جوهره، ليس حقاً للمحامي فقط، وإنما ضمانة للمتقاضي.

الموكل يحتاج إلى محامٍ يستطيع أن يقول له إن قضيته ضعيفة، وإن المسار الذي يريده غير سليم، وإن بعض مطالبه لا تستند إلى أساس قانوني. ولو كان المحامي تابعاً لرغبة الموكل أو خاضعاً لضغطه الاقتصادي، لما كان قادراً على أداء وظيفته الحقيقية.

ولهذا فإن حماية المحامي من التأثير غير المشروع لا تعني حماية شخصه، وإنما حماية القرار المهني الذي يتخذه دفاعاً عن مصالح موكله.

ثانياً: حماية المتقاضي لا تتحقق بإضعاف المحامي

قد يبدو لأول وهلة أن تشديد الرقابة على المحامي يصب دائماً في مصلحة المتقاضي، لكن العلاقة أكثر تعقيداً من ذلك.
فالمحامي الضعيف مهنياً أو اقتصادياً أو المؤسسي، هو في النهاية محامٍ أقل قدرة على ممارسة دفاع فعال.
ومن ثم فإن حماية المتقاضي لا تتحقق بإضعاف المحامي، وإنما بمحامٍ مستقل، مؤهل، مسؤول وقادر على ممارسة الدفاع دون تأثير غير مشروع.
وهذا هو السبب في أن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يتجه إلى رفع جودة المهنة، وليس فقط إلى زيادة الالتزامات والعقوبات.

ثالثاً: المسؤولية لا تعني التبعية

لا استقلال بلا مسؤولية، كما لا مسؤولية حقيقية في غياب الاستقلال.
فالقول باستقلال المحاماة لا ينبغي أن يفهم باعتباره رفضاً للمساءلة التأديبية أو المهنية، كما أن قبول المساءلة لا ينبغي أن يتحول إلى قبول بالتدخل في جوهر وظيفة الدفاع.

المعادلة الدقيقة تقوم على الفصل بين المجالين: أن يحاسب المحامي على سلوكه المهني عندما يخرق القانون أو قواعد المهنة، وأن يظل في المقابل حراً في اختيار وسائل دفاعه وحججه القانونية ما دامت تدخل في إطار الممارسة المشروعة.

والنجاح الحقيقي للقانون 66.23 سيتوقف، إلى حد بعيد، على مدى قدرة التطبيق العملي على الحفاظ على هذا الخط الفاصل.

رابعاً: تحديث المهنة لا يعني تحويلها إلى نشاط تجاري

يفرض التحول الرقمي، وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتغير طرق التواصل مع المتقاضين، إعادة التفكير في أدوات الممارسة المهنية.
لكن التحديث ينبغي أن يظل خادماً لوظيفة المحاماة، لا أن يعيد تعريفها وفق منطق السوق.
فالمحامي يمكن أن يستفيد من التكنولوجيا في إدارة الملفات، والبحث القانوني، والتواصل، وتقديم المعلومة، وتطوير جودة الخدمة؛ غير أن ذلك لا يعني أن تتحول المهنة إلى سباق في الإعلان واستقطاب العملاء.

وبذلك، فإن التحدي المستقبلي لن يكون في الاختيار بين المحاماة التقليدية والمحاماة الرقمية، وإنما في بناء محاماة حديثة تحافظ على طبيعتها المهنية والأخلاقية في الوقت نفسه.

خامساً: الامتحان الحقيقي يبدأ بعد نشر القانون

إن أخطر خطأ يمكن الوقوع فيه هو الاعتقاد بأن نجاح القانون يقاس بمجرد صدوره فالنص، مهما بلغت دقته، لا يطبق نفسه.
والقانون 66.23، بما يحمله من مقتضيات جديدة ومتعددة، يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تنزيله، وهيئات مهنية قادرة على مواكبته، وممارسة قضائية وإدارية منسجمة مع فلسفته، وثقافة مهنية تستوعب التحولات التي جاء بها.

بل إن بعض مقتضيات القانون ما تزال مرتبطة بصدور نصوص تنظيمية، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد الصورة الفعلية التي ستأخذها المهنة في الواقع.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية لم تعد معركة حول النص وحده، وإنما حول كيفية تفسيره وتطبيقه.
فالنص الذي يمكن أن يقرأ باعتباره أداة لتنظيم المهنة قد يتحول، في ممارسة غير متوازنة، إلى أداة للتضييق؛ والنص الذي يهدف إلى حماية المتقاضي قد يحقق عكس غايته إذا أدى إلى إضعاف استقلال من يتولى الدفاع عنه.

سادساً: الحاجة إلى عقد مهني جديد

ربما يكون أهم ما يفرضه القانون الجديد هو إعادة بناء العلاقة بين أربعة أطراف: المشرع، والهيئات المهنية، والمحامي، والمتقاضي.
فالمشرع مطالب بوضع قواعد واضحة دون أن يتحول التنظيم إلى وصاية على المهنة.
والهيئات المهنية مطالبة بحماية الاستقلال، دون أن يتحول الاستقلال إلى انغلاق مهني
والمحامي مطالب بأن يمارس استقلاله بمسؤولية، لا باعتباره حصانة من كل مساءلة.
أما المتقاضي، فيجب أن يكون المستفيد النهائي من هذا التوازن، لا مجرد موضوع لمزيد من القواعد والإجراءات.
وهنا تتضح حقيقة أساسية: استقلال المحامي يحمي الموكل حتى في مواجهة رغباته الخاصة. فالمحامي المستقل ليس من ينفذ كل ما يطلبه موكله، وإنما من يملك القدرة المهنية والأخلاقية على توجيهه داخل حدود القانون.

خاتمة

إن القانون رقم 66.23 يضع المحاماة المغربية أمام مرحلة جديدة، لا لأن المشرع أعاد ترتيب شروط الولوج والتمرين والممارسة فحسب، وإنما لأنه أعاد رسم العلاقة بين المحامي وموكله، وبين المهنة ومؤسسات العدالة، وبين المسؤولية المهنية والاستقلال.

ولا شك أن جزءاً مهماً من مستجداته يمكن أن يشكل فرصة حقيقية للارتقاء بالمهنة: تكوين أكثر تنظيماً، تمرين أكثر تأهيلاً، علاقة أكثر وضوحاً مع الموكل، تدبير أكثر انضباطاً للأموال، رقمنة للممارسة، حكامة مهنية أكثر تنظيماً، ومسؤولية تأديبية أكثر وضوحاً.

لكن قيمة هذه المستجدات لن تقاس بحجم النص، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن الذي تقوم عليه مهنة المحاماة: أن تكون منظمة دون أن تكون مقيدة، مسؤولة دون أن تكون خاضعة، حديثة دون أن تصبح تجارية، ومستقلة دون أن تكون فوق المساءلة.

فالإشكال، في نهاية المطاف، ليس في أن تتغير المحاماة، وإنما في الكيفية التي ستتغير بها؛ لأن مهنة لا تتطور تفقد قدرتها على مواكبة العدالة، ومهنة تتطور على حساب استقلالها تفقد جزءاً من وظيفتها.

ومن هنا، فإن الامتحان الحقيقي للقانون رقم 66.23 يبدأ من لحظة دخوله حيز التنفيذ: هل سينجح في بناء محاماة أكثر كفاءة وحكامة ومسؤولية، أم أن اتساع دائرة التنظيم سيجعل من الاستقلال مجرد مبدأ معلن داخل النص، دون أن يجد امتداده الكامل في الواقع؟

ذلك أن الاستقلال ليس امتيازاً للمحامي حتى يُنتقص منه، وإنما ضمانة للمتقاضي حتى لا يبقى حقه في الدفاع رهيناً بأي سلطة غير سلطة القانون.