الشرعية بالرقم: هل تحوّلت البرامج الانتخابية المغربية إلى عقود أداء
منتدى العمق

الشرعية بالرقم: هل تحوّلت البرامج الانتخابية المغربية إلى عقود أداء

مع دنو استحقاقات 23 شتنبر 2026، تتواتر إفصاحات الأحزاب المغربية عن وعودها الانتخابية، لتكشف قراءة في هذه الوثائق أن الاختلاف في المرجعيات الإيديولوجية والتاريخية المعلنة ليس يخفي تقاربا في تشخيص متطلبات المواطن المغربي. ويَبرز هذا التقارب عبر استدعاء نفس المفردات المهيكلة للخطاب/الوعود، كالقدرة الشرائية والتشغيل والدعم والسكن، حيث تتحول هذه الحقول المتكررة إلى التزامات تصاغ غالبا بمنطق حسابي: رقم، ونسبة وكلفة مالية.

وهذا المنطق الحسابي (رقم، نسبة وكلفة) لم يمر دون سجال بين الأحزاب حول معقوليته وقابليته للتطبيق: فقد خرجت خلافات داخل التحالف الحكومي نفسه إلى العلن بين حزبي حزب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة حول أحقية كل طرف بريادة الحل الاجتماعي، بينما دعت أحزاب أخرى صراحة إلى برامج “قابلة للقياس” بدل وعود يتعذر التحقق منها. غير أن هذا التنافس الظاهر على دقة العرض يخفي، عند التدقيق، مفارقة أعمق: فحين تتباين المرجعيات الأيديولوجية ظاهريا بين هذه الأحزاب، تتقارب صياغة وعودها إلى حد يستحق التوقف عنده.

فإذا كان هذا التقارب في الصياغة، رغم تباعد المرجعيات، يبدو للوهلة الأولى مجرد نتاج عرضي لسجال الأحزاب حول من يملك الرقم الأصوب أو الوعد الأشمل، أفلا يستدعي في العمق سؤالا مختلفا: ما الذي تفعله لغة الأرقام هذه بالفعل السياسي، حين تصبح دقة العرض بديلا عن مضمون الاختيار؟ وهل الفارق بين هذه البرامج فارق في المشروع، أم فقط في طريقة عرض الرقم؟ هذا التقارب اللافت يستحق أدوات علم الاجتماع السياسي لفهمه، لا وصفا عابرا: نقترح أربعة مفاهيم تساعد على تفكيك منطقه.

1. الشرعية التدبيرية مقابل الشرعية الأيديولوجية

تقوم الشرعية التي تعرضها هذه البرامج على لغة الأرقام، لا على مضمون سياسي مباشر – أي موقف صريح من طبيعة السلطة وتوزيعها، يحتمل الرفض والنزاع، لا وعدا يُقاس ويُتحقق من صدقه. فحين صاغت أحزاب الكتلة الديمقراطية (الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية) مشروعها التاريخي حول الملكية الدستورية البرلمانية الديمقراطية، وفصل السلط، ودولة الحق والقانون، كانت شرعيتها تُستمد من موقف قابل للجدل في جوهر الدولة ذاتها، لا من دقة رقمية يتعذر نزاعها من حيث المبدأ. وحزب العدالة والتنمية نفسه صعد سنة 2011، بخطاب سياسي مباشر لا حسابي: محاربة الفساد والاستبداد، كمطلب سياسي عام لا كبند مرقم. أما اليوم، فالأحزاب نفسها – وسائر المشهد الحزبي معها – تستمد شرعيتها من دقة الرقم لا من المشروع الذي يخدمه: شرعية حسابية حلّت محل ذلك الموقف السياسي المباشر.

ويشرح عالم الإحصاء الفرنسي ‘ألان ديزروزييه’ (Alain Desrosières) لماذا يملك الرقم هذه القوة: فالإحصائيات، في نظره، ليست معطى محايدا، بل ‘اصطلاحات’ اجتماعية تصنع أولا اتفاقا حول كيفية قياس ظاهرة ما، ثم تُعرض كحقيقة صلبة تُغلق النقاش حول الاختيارات التي أنتجتها. حين يعد حزب بـ’مليون منصب’، فدقة الرقم نفسها هي أداة الإقناع: تمنحه مظهر الحياد العلمي بينما تُخفي أن اختيار الرقم ومصدره ومنهجية حسابه قرار سياسي لم يُطرح للنقاش العمومي.

يتجلى هذا المنحى بوضوح في حالة حزب التقدم والاشتراكية؛ فبالرغم من هويته اليسارية، يتبنى الحزب حرفيا نفس الثلاثية الرقمية التي يطرحها حزب الأصالة والمعاصرة ذو التوجه الوسطي: مليون فرصة عمل، و3000 درهم كحد أدنى لمعاشات التقاعد، و1000 درهم كعتبة دنيا للدعم الاجتماعي، ضمن غلاف مالي إجمالي يعلن بلوغه 575 مليار درهم. وفي ذات السياق، عندما يدعو التجمع الوطني للأحرار إلى مأسسة الدعم الاجتماعي عبر ربطه آليا بمعدلات التضخم لتحصين 4 ملايين أسرة، فإن فعل التوزيع – الذي يمثل في جوهره قرارا سياسيا يحدد طبيعة المستفيدين – ينقلب إلى مجرد تسوية تقنية محضة. آلية تعمل تلقائيا بمجرد تجاوز مؤشر رقمي لعتبة معينة، متحللة بذلك من أي التزام بالمساءلة السياسية الدورية.

ودرجة التفصيل لافتة بذاتها: حزب التجمع الوطني للأحرار يوزع مليونه على قطاعات بالضبط (300 ألف صناعة، 250 ألف رقمنة، والباقي موزع على الفلاحة والسياحة وكأس العالم)، وحزب الأصالة والمعاصرة يذهب أبعد بوعد 40 ألف منصب في “المجال الرياضي” وحده – رقم دفع معلقين للتساؤل الساخر عن طبيعته. هذه الدقة لا تعكس منهجية تشغيل واضحة بقدر ما تخدم وظيفتها الإقناعية الخالصة. ويستند حزب الأصالة والمعاصرة في تبرير وعده إلى تقرير للبنك الدولي (أبريل 2026) قدّر فجوة التشغيل بـ 370 ألف منصب سنويا، وإلى حصيلة حليفه حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه التي لم تتجاوز 94 ألف منصب بين 2022 و2025: فشل حزب في تحقيق وعد سابق يتحول إلى مادة خام لشرعية وعد جديد لحزب آخر.

ويتبنى حزب العدالة والتنمية مقاربة مشابهة حين يحصر برنامجه في 467 إجراء بالضبط، في عملية تعداد كمي للبنود لا تعكس قياسا لظاهرة اجتماعية، لكنها تؤدي الوظيفة الإقناعية ذاتها. وحين ينتقل السجال إلى تقييم الأداء، تنحدر المنافسة لتصبح مجرد صراع حول مرجعية الأرقام؛ فبينما يعتمد التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة نسبة 10.8 في المائة للبطالة بناء على مقاربة انتقائية، تكشف تقارير بنك المغرب المرفوعة إلى المؤسسة الملكية عن معدلات تتجاوز 13 في المائة، بل ويقر الأصالة والمعاصرة نفسه ببلوغ بطالة الشباب عتبة 29.2 في المائة. إن الشرعية هنا لا تتأسس على بناء رؤية اقتصادية متكاملة، بل تصاغ حصريا عبر انتقاء الرقم الأنسب لخدمة السردية السياسية.

غير أن هذا التوصيف برمته يستند إلى افتراض يستحق المساءلة النقدية، وهو اعتبار الرقم “تعاقدا أدائيا” حقيقيا يخضع بموجبه الحزب لمحاسبة الناخب المباشرة. فالنظام الانتخابي المغربي، المرتكز على نمط الاقتراع اللائحي النسبي والمحصن بآلية احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، يفرز خريطة سياسية شديدة التجزئة: إذ يمنع رياضيا وسياسيا انفراد أي حزب بالأغلبية المطلقة، مما يفرض حتمية الائتلافات الحكومية. بناء على ذلك، لا يعد إعلان “مليون منصب شغل” عرضا نهائيا ملزما للناخب، بقدر ما يمثل سقفا تفاوضيا أوليا تحضيرا للتحالفات اللاحقة، حيث ستصهر هذه الأرقام المتنافسة في برنامج حكومي توافقي بعيدا عن الرقابة المباشرة للناخب. فحين يُسطِّرُ الحزب رقما من هذا الحجم، فهو يفاوض به شركاءه المحتملين أكثر مما يلتزم به أمام هيئته الناخبة، ليتحول “التعاقد” الفعلي من تعاقد عمودي مع المواطن، إلى تعاقد أفقي بين الحلفاء المستقبليين.

إذا لم يكن الرقم عقدا ملزما، فما وظيفته إذن؟ إنها وظيفة تعبوية وعاطفية بالأساس. ففي ظل امتناع نحو نصف المسجلين عن الإدلاء بأصواتهم في تشريعيات 2021، وبقاء ملايين المغاربة البالغين سن التصويت خارج اللوائح الانتخابية، لا يخاطب الرقم عقل الناخب، بل يمنحه مبررا نفسيا يدفعه للمشاركة. إنه يشتغل كإشارة طمأنة نفسية توحي بأن ‘الأمور لازالت تحت السيطرة وفق خطة محددة ستنقذنا جميعا’، بدل تقديم عرض سياسي قابل للمساءلة العقلانية. وهذا التحول هو بالضبط ما يرصده ‘كولن كراوتش’ حين يصف لجوء سياسة ‘ما بعد الديمقراطية’ إلى تقنيات التسويق العاطفي، في محاولة يائسة للحفاظ على الواجهة الشكلية للمشاركة الانتخابية، بعد أن فقدت عمقها الديمقراطي والتداولي.

لكن الإنصاف يقتضي طرح السؤال المعاكس: أليست الدقة الرقمية، رغم كل هذا، أفضل من غيابها؟ فهي التي تتيح لاحقا مقارنة الوعد بالمحصلة رقما برقم – كما تكشف حالة حزب التجمع الوطني للأحرار نفسها (94 ألف مقابل مليون) – وتفتح بذلك بابا لمساءلة قد لا يكون ممكنا أمام وعد أيديولوجي عام لا معيار داخلي لقياسه. والبديل الذي يمثله تحالف اليسار – رفض “منطق السوق” في صياغة الحقوق الأساسية – ليس بالضرورة أكثر قابلية للمحاسبة، بل أقل قابلية للقياس أصلا. فالمفاضلة الحقيقية ليست بين شرعية حسابية “زائفة” وأخرى أيديولوجيا “صادقة”، بل بين نوعين مختلفين من الغموض: غموض الرقم الذي يبدو دقيقا ولا يُلزم أحدا، وغموض المبدأ الذي لا يُترجَم أبدا إلى ما يمكن قياسه. إن هذا الاستخدام المفرط للأرقام يتجاوز مجرد كونه واجهة انتخابية، ليصبح أداة منهجية لـ “اللاسياسة”.

2. اللاسياسة كأداة تحييد

حين تتحول الشرعية إلى مسألة حسابية، يُصادَر معها إمكان الاختلاف حول الاختيار الذي أنتج الرقم أصلا. يفرّق ‘جاك رانسيير’ (Jacques Rancière) بين السياسة كنزاع حول من له نصيب في الفضاء المشترك، وبين “النظام الضبطي” الذي يرتب الأدوار ويحل المشكلات دون إعادة فتح سؤال من يحكم. وحين يُعرض المعيشي كمشكلة تقنية قابلة للحل برقم، يخرج من حقل الصراع السياسي إلى ما يسميه ‘رانسيير’ توافقا (consensus) يُصادر الخلاف قبل أن ينشأ. والنزاع الحقيقي – كما رأينا أعلاه – لا يُصادَر فقط بلغة التدبير، بل يُنقل فعليا إلى مفاوضات لاحقة مغلقة لا يحضرها الناخب.

والمثال الأوضح: حزب التجمع الوطني للأحرار الذي قسّم برنامجه إلى مسميات مثل “درع اجتماعي” و”درع الادخار”، تسميات أقرب لمنتجات مصرفية منها لمشروع سياسي، استمرارا لنفس منطق 2021 حين قدم الحزب مشاريعه تحت اسم “أوراش” و”فرصة” و”دخل الكرامة”. والمفارقة الأبلغ: وزيرة المالية نفسها، وهي عضو في المكتب السياسي للأحرار، قدمت “الدرع الاجتماعي” أمام مناضلي الحزب بوصفه ردا على “غلاء المعيشة” – أي أن الحزب الحاكم يعرض حلا تقنيا لأزمة قد يكون مسؤولا عنها، دون أن يفتح ذلك نقاشا حول تلك المسؤولية.

حزب الحركة الشعبية يسير في الاتجاه نفسه باسم “التعاقد الحركي” – بديل معلن عن “البرامج الظرفية” التقليدية، بــ 14 أولوية و70 إجراء.
تفرز هذه الممارسة أثرا سياسيا يتمثل في تجريد المحطة الانتخابية من وظيفتها التقييمية. فحين تبادر أحزاب الأغلبية إلى طرح برامجها المستقبلية بمعزل عن أي قراءة نقدية لحصيلتها الحكومية، فإنها تعطل آلية المحاسبة السياسية لصالح وعود جديدة تلغي الذاكرة الانتخابية. إن هذا المسح المتعمد للذاكرة يفرغ اللحظة الديمقراطية من شحنتها السياسية، ويحولها إلى مجرد عملية تقنية تتنافس فيها أرقام المستقبل هربا من سياسات الأمس.

3. البراغماتية الحزبية وتراجع الشقة الأيديولوجية

لا يفسر هذا التحييد وحده لماذا تتبنى كل الأحزاب الأسلوب نفسه، بمرجعياتها المختلفة. لقد تحدث ‘أوتو كيرشهايمر’ (Otto Kirchheimer) منذ الستينيات عن نشوء “الحزب الجامع” (catch-all party): حزب يتخلى عن قاعدته العقائدية الضيقة سعيا وراء أوسع قاعدة انتخابية ممكنة، فيستبدل الخطاب الأيديولوجي بخطاب معيشي توافقي. والمشهد المغربي يضيف سببا آخر: حين يعرف كل حزب أنه لن يحكم إلا ضمن تحالف وتحت سقف معين، يصبح الوعد المرن (حد أدنى، مؤشر) ميزة تفاوضية بحد ذاتها – يمنح هامش مناورة أوسع في أي تركيبة حكومية مقبلة، بخلاف وعد أيديولوجي صلب يصعب التنازل عن أجزائه. هكذا تتقلص المسافة الفعلية بين حزب إسلامي وحزب يساري إلى اختلاف في الصياغة لا في الجوهر.

والاستثناء الأوضح هو تحالف اليسار، الذي يصوغ برنامجه بلغة مغايرة صراحة: الخدمات الأساسية “حقوق اجتماعية تضمنها الدولة بعيدا عن منطق السوق” – مفردة أيديولوجية صريحة بدل لغة الأداء المحايدة التي تطبع بقية البرامج. وهذا الاستثناء يؤكد القاعدة بطريقة عكسية: فحزب يرفض منطق “الحزب الجامع” يبقى، في المشهد الحزبي الحالي، الاستثناء الهامشي انتخابيا لا القاعدة.

ونفس محاولة التمايز التي تنتهي بالعودة إلى القاعدة تظهر عند أحزاب أخرى: فحزب الاستقلال يركز على دعم الزواج (5 آلاف درهم) ومنحة السكن الأول، والاتحاد الاشتراكي يقدم عشرين التزاما تحت عنوان “التنمية العادلة والعيش الكريم” مركزا على الأجور والتقاعد والصحة. ولافت أن الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، إدريس لشكر، صرّح بأن المعركة الحقيقية هي ضد الفقر لا بين الأحزاب – خطاب يحاول التمايز صراحة عن “الحزب الجامع”، لكن مضمون البرنامج الفعلي يبقى منشغلا بالسجل المعيشي نفسه.

وحتى حين يحاول حزب كسر هذا النمط – كما فعل التقدم والاشتراكية بمحور عن الثقافة كـ”حق كوني” – يعود لتبرير الاختيار اقتصاديا لا سياسيا: رفع مساهمة الصناعات الثقافية إلى 4% من الناتج الداخلي، وخلق 150 ألف منصب. والاتحاد الاشتراكي يسلك المنطق نفسه في محوره الثقافي: 50 قاعة سينما، 200 مكتبة عمومية، مربوطة صراحة بخلق فرص الشغل والحد من البطالة. هكذا، يجد المطلب الذي يفترض فيه أن يفتح سؤال الهوية والمعنى الجماعي نفسه مضطرا لتبرير وجوده بلغة الأرقام والتشغيل.

4. الزبونية الانتخابية الحديثة

تفسر البراغماتية الائتلافية لماذا تتقارب الأحزاب في الأسلوب، دون أن تفسر ماذا يفعل هذا الأسلوب فعليا بعلاقة الحزب بالناخب الفرد. ميّز ‘هربرت كيتشلت’ (Herbert Kitschelt) و’ستيفن ويلكنسون’ (Steven Wilkinson) بين رابط برامجي عام يستفيد منه الجميع وفق معايير موضوعية، ورابط زبوني يقوم على منفعة فئوية مباشرة مقابل الولاء الانتخابي. وما تعرضه البرامج المغربية اليوم شكل هجين: الزبونية البرامجية – الوعد الفئوي المحدد يُصاغ كبند ضمن برنامج شامل مرقم، فيكتسب واجهة تقنية محايدة تُخفي منطقه الأصلي.

فالاستقلال يقترح 5 آلاف درهم للمقبلين على الزواج تحديدا، وحزب الأصالة والمعاصرة يعد بحد أدنى 3000 درهم للمعاش و1000 درهم للدعم – مبالغ ثابتة لفئات محددة سلفا، لا لمعيار عام قابل للتطبيق حسب الحاجة. استثناء ملحوظ: اقتراح الحركة الشعبية استبدال “المؤشر الرقمي” بمعيار الدخل الحقيقي للأسر هو تصحيح نحو معيار أعم وأكثر موضوعية، لا امتداد للزبونية. وشكل آخر من الزبونية البرامجية يظهر بصيغة إصلاح جبائي: حزب العدالة والتنمية يقترح إلغاء الإعفاءات الجمركية على استيراد المواشي واللحوم، وتعويضها بدعم مباشر للكسّابة الصغار والمتوسطين فقط، دون الكبار – منفعة فئوية مغلّفة بإصلاح جبائي “محايد” يخدم “السيادة الغذائية”. أما ربط الدعم بالتضخم (الاستقلال وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة) فحالة حدّية بين المفهومين: معيار التفعيل عام لا فئوي، لكن دائرة المستفيدين تبقى محصورة في المسجلين سلفا ضمن برامج الدعم القائمة.

وحالة وعد حزب التجمع الوطني للأحرار مفيدة هنا لأنها تُظهر، بمثال واحد، كيف تشتغل المفاهيم الأربعة معا لا بالتعاقب: الرقم نفسه كان في المحور الأول مادة خام لشرعية اقترضها حزب آخر، وكان في المحور الثاني نقطة عمياء يُطوى فيها ملف المحاسبة، وهو هنا وظيفته الزبونية الصرفة – يُعاد طرحه رغم تحقيق 94 ألف فقط من أصل مليون، لأن وظيفته الزبونية هي الطمأنة اللحظية عشية الاقتراع، لا الإنجاز الفعلي.

أربعة مفاهيم إذن، مترابطة في سلسلة واحدة لا في أربع زوايا منفصلة: من صناعة الشرعية بالرقم، إلى تحييد النقاش ونقله فعليا لمفاوضات لاحقة مغلقة، إلى تفسير التقارب البنيوي بحساب التوافق الائتلافي، وصولا للعلاقة الزبونية بالناخب الفرد. وبين صندوق اقتراع لا يحسم شيئا بمفرده، ومفاوضات لاحقة لا يحضرها الناخب، تؤدي كثرة الأرقام وظيفتها الفعلية: ليست إخبار الناخب بما سيحدث، بل إقناعه بأن التصويت ما يزال يستحق العناء.

وما سيحدث بعد 23 شتنبر يرجّح واحدا من ثلاثة مسارات: الأول أن الرقم المشترك بين أكثر من حزب (مليون منصب) ينجو من مفاوضات التحالف شبه سليم – لا لأنه الأنسب اقتصاديا، بل لأنه الأقل كلفة تفاوضية بين شركاء يحملونه أصلا. الثاني أن يتكرر مسار 2021 بحذافيره: الرقم يُعتمد في البيان الحكومي، ثم لا يتحقق منه سوى عُشره، فيغذي دورة العزوف بدل أن يكسرها. والثالث، الأقل ترجيحا لكنه غير مستحيل: أن يصل تراكم الفجوات الموثقة بين الوعد والمحصلة (94 ألف مقابل مليون، مرتين متتاليتين) عتبة تجعل من تتبع الرقم أداة ضغط مدني وإعلامي حقيقية – وعندها فقط تنقلب الدقة الرقمية من أداة إقناع إلى أداة مساءلة فعلية.