سريالية الوعود الانتخابية بين الكاشي والكاش
وجهة نظر

سريالية الوعود الانتخابية بين الكاشي والكاش

في موسم المزاد السياسي، تحول الخطاب الحزبي في المغرب من تقديم البرامج الناجعة إلى ممارسة السريالية الاقتصادية والاجتماعية. إذ تتبارى الأحزاب في إطلاق أرقام يبدو أنها خيالية لا يمكن تصنيفها في دائرة دغدغة مشاعر المواطنين، مما يطرح سؤالا جوهريا حول حدود المسموح به في مثل هذه الحالة التي لا تقترن فيها الوعود بمصادر التمويل وكيفيات الأجرأة والتنفيذ.

​آخر تجليات هذه السريالية تتمثل في الترويج لـ رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم؛ حيث انبرى طرف حزبي في الأغلبية بتقديم هذا الوعد، بينما تحداه طرف آخر في نفس الأغلبية بتطبيقه في أقرب مجلس حكومي طالما أن “الكاشي” (ختم الوزير) جاهز. لكن وسط هذا السجال الاستعراضي، يغيب السؤال الموضوعي الحاسم: إذا كان “الكاشي” حاضرا، فأين هو “الكاش” (السيولة)؟

​إن القول بإمكانية إقرار زيادة سحرية بنسبة قياسية يكشف عن سياسة الهروب إلى الأمام في مسألة يفترض فيها أخذ ميكانيزمات الاقتصاد الوطني بعين الاعتبار، بحيث أن المنطق الاقتصادي يؤكد بأن أي حكومة مهما كانت لا تملك صلاحية الانفراد بهذا القرار بعيدا عن مؤسسة الحوار الاجتماعي، وفي غياب شريك أساسي كالاتحاد العام لمقاولات المغرب.

فهل يمكن يا ترى لنسيج اقتصادي، يتشكل من 95% من المقاولات الصغرى والمتوسطة أن يتحمل هذه الزيادة؟ وألا يؤدي فرض مثل هذه الزيادات إلى خنق هذه المقاولات وخنق تنافسيتها، بل ودفع قطاعات واسعة إما نحو الإفلاس أو الهروب الجماعي نحو القطاع غير المهيكل؟ ثم ما هي الرسالة التي تود هذه الأحزاب توجيهها إلى المستثمرين؟

​ على مستوى آخر يطرح التساؤل: ​كيف يمكن لزيادة معزولة أن تصنع الكرامة في ظل اختلالات هيكلية صارخة؟ وذلك بوجود ما يسمى شباب (NEET) خارج منظومة التعليم والتدريب والاشتغال، وهي فئة لا يعنيها الحد الأدنى للأجور في شيء طالما أنها خارج الدورة الاقتصادية أصلا.

كما أن هذا التعهد يأتي في وقت يسجل فيه معدل البطالة مستويات قياسية تتجاوز 13.7% على المستوى الوطني، وتتعدى 35% في صفوف الشباب، مما يجعل الأولوية والرهان هو إيجاد فرصة عمل قبل الحد الأدنى لراتبها.

​ثم هناك استفهام آخر مطروح: إذا كان المؤمل هو رفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، فهل هناك نية لرفع كل الأجور لخلق ذلك الفارق بين الحد الأدنى والأجر الأعلى منه؟ وكيف سيتم تدبير هذه الزيادات دون ضغط كتلة الأجور على الناتج الداخلي الخام؟ وكيف سيتم تدبير الحد الأدنى من الأجور بالنسبة للقطاعين الصناعي والفلاحي؟ لا شك أن من حق المواطن أن يسمع وعودا لتحسين أوضاعه، لكن الأمر يقتضي شيئا من الموضوعية والواقعية، من خلال الجواب عن سؤال بسيط مفاده: كيف سنصل إلى ذلك؟

​على مستوى آخر، نعرج على وعد إحداث مليون فرصة عمل خلال 5 سنوات، الذي عاد إلى الواجهة بعدما كان أصلا أحد الالتزامات الحكومية، فهذه السردية لا تقل شعبوية عن وعد الـ 5000 درهم. إذ أن المنطق الاقتصادي يربط إحداث مناصب الشغل بمعدلات نمو حقيقية لا بالدعوات الصالحة.

والمؤكد أنه ​لتوفير مليون شغل صافي، يحتاج المغرب إلى تسجيل معدل نمو سنوي مستدام يتجاوز 10% وهو رقم شبه مستحيل في ظل اقتصاد ما زال رهينا للتغيرات المناخية، ومعدلات نمو متواضعة، ومع نسبة مديونية عمومية تتعدى 70% من الناتج الداخلي الخام، مما يضيق هامش المناورة المالية للدولة.

​صحيح أن البنك الدولي في تقريره لسنة 2026، يرى أن المغرب قادر على خلق ملايين الوظائف الإضافية، لكن ذلك مشروط بإصلاحات هيكلية وتعزيز الاستثمار الخاص وتحسين المنافسة والإنتاجية، وإدماج الشباب والنساء في الاقتصاد. فهل وفرنا الأسباب والآليات، قبل الحديث عن النتيجة والخلاصة؟

أكيد أن الالتزام الحكومي لهذه الحكومة الذي لم تتحقق منه سوى 94 ألف من ضمن مليون فرصة عمل، لابد أن يستوقفنا ويسائل الحكومة عن أسباب الفشل في تحقيق هذا الالتزام، قبل إعادة اجتراره كشعار.

أكيد أن القانون لا يعاقب على الوعود والالتزامات السياسية التي لا تتحقق، ولا يمكن تكييفها ضمن الأخبار الزائفة أو الوعود الزائفة، ولكن، لابد من احترام المواطن وذكائه، لابد أيضا من الانتقال إلى التعاقد السياسي المبني على الوضوح، والقابل للحساب.