حصدت الممثلة المغربية فاطمة عاطف جائزة أفضل تشخيص نسائي عن دورها في فيلم “ڭوندافا.. الأغنية الملعونة”، خلال ختام الدورة الرابعة من فعاليات المهرجان الدولي لسينما الجبل بأوزود، لتكرس من خلال هذا العمل حضورا لافتا في فيلم يضع الموسيقى والذاكرة الأمازيغية في مواجهة التشدد الديني.
وجاء تتويج عاطف بعد أداء لفت انتباه مجموعة من النقاد بينهم أحمد سيجلماسي، الذي اعتبر، في تصريح لـ”العمق”، أن الممثلة “برهنت مرة أخرى عن علو كعبها في التشخيص أمام الكاميرا”، مشيرا إلى أنه شاهد الفيلم للمرة الثانية ضمن فعاليات مهرجان سينما الجبل، بعدما تابعه في عرضه بالمغرب خلال الدورة الـ26 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية بخريبكة.
ويرى سيجلماسي أن أداء فاطمة عاطف كان -بالنسبة إليه- الأقوى بين مختلف الممثلين والممثلات في الفيلم، باستثناء الممثل عبد الرحيم المنياري الذي أدى شخصية الفقيه وإمام المسجد المحافظ والمتشدد دينيا.
ويبرز الناقد خصوصا حضور عاطف في شخصية الأم والزوجة، معتبرا أن اللقطات القريبة أظهرت قدرتها على التعبير عن الانفعالات من خلال ملامح الوجه والنظرات والدموع والصمت، سواء في لحظات الغضب أو الفرح أو الحزن. كما شبه أداءها بأداء ممثلات من طينة الفلسطينية هيام عباس واليونانية إيرين باباس، بالنظر إلى ما وصفه بصدق الأداء وقوته.
وتؤدي فاطمة عاطف في الفيلم شخصية “فاطمة”، وهي امرأة من قرية أمازيغية تقع في أعالي جبال الأطلس الكبير، حيث ترافق الأغاني الجماعية نساء القرية خلال عملهن في الحقول، وتشكل جزءا من تفاصيل حياتهن اليومية وذاكرة المنطقة الثقافية.
وتبدأ ملامح هذا الواقع في التغير مع وصول إمام متشدد إلى القرية، بعدما يرفض عددا من المظاهر الفنية والثقافية، من بينها الغناء والرقص، ما يضع سكانها أمام صراع حول العادات والتقاليد التي ظلت مرتبطة بهويتهم المحلية.
وفي الوقت نفسه، يتشبث ثلاثة شبان، هم سعيد وإبراهيم وعمر، بحلم احتراف الموسيقى والغناء وتحقيق الشهرة والاعتراف بموهبتهم، لتتقاطع طموحاتهم مع التحولات التي فرضها الخطاب المتشدد على الحياة داخل القرية.
وتتحول الموسيقى، في هذا السياق، من مجرد عنصر مرافق لحياة القرية إلى إحدى أدوات الصراع داخل الحكاية، في مواجهة “تصور ديني متشدد يسعى إلى التضييق على التعبيرات الثقافية والفنية المتوارثة”. وفي قلب هذا التحول، تحضر شخصية “فاطمة” باعتبارها أما وزوجة وامرأة مرتبطة بذاكرة القرية، لتصبح تجربتها جزءا من المواجهة الأوسع حول الفن والهوية والحرية الثقافية.
ويبلغ هذا المسار ذروته -وفق قراءة سيجلماسي- عندما تغادر الشخصية القرية الجبلية في اتجاه الدار البيضاء من أجل العودة بجثمان ابنها الشاب، الذي توفي هناك، لدفنه في مسقط رأسه. ويرى الناقد أن إيقاع الفيلم يرتفع في هذه المرحلة، فيما يظل أداء عاطف أحد أبرز عناصر قوته.
ويمتد “ڭوندافا.. الأغنية الملعونة” على مدى 96 دقيقة، ويقدم حكاية مستوحاة من أحداث واقعية -بحسب منتجه حسن بنجلون- الذي أوضح أن العمل يستند إلى وقائع شهدتها إحدى المناطق القبلية، بعدما أدى انتشار خطاب متشدد إلى توتر داخل المجتمع المحلي ومحاولات للحد من بعض مظاهر الثقافة والفن المتوارثة.
ويضع الفيلم، من خلال هذه الحكاية، أسئلة الهوية والانتماء في مواجهة التحولات التي تعرفها المجتمعات القروية، كما يربطها بطموحات الشباب في اختيار مساراتهم الفنية والحياتية، في ظل الضغوط الاجتماعية والأحكام المسبقة التي قد تعترض طريقهم.
ويتميز العمل أيضا باعتماده اللغة الأمازيغية السوسية بشكل كامل، وهو اختيار قال حسن بنجلون، في تصريح سابق لـ”العمق”، إنه فرضته طبيعة القصة ومحيطها الجغرافي والثقافي، موضحا أن شخصيات الفيلم تتحدث اللغة التي تنتمي إلى بيئتها، رغم أن كاتبي السيناريو حسن وعلي بنجلون لا يتحدثانها في حياتهما اليومية.
وأضاف المنتج أن الحرص على المصداقية كان وراء هذا الاختيار، خصوصا أن الممثلين المشاركين في الفيلم ينحدرون من بيئات أمازيغية ويتقنون اللغة التي تجري بها الأحداث، ما ساعد -بحسبه- على تحقيق قدر أكبر من الانسجام مع الفضاء الذي تدور فيه الحكاية.
وتولى حسن بنجلون إنتاج الفيلم، فيما تقاسم كتابة السيناريو مع نجله علي بنجلون، الذي يخوض من خلال هذا العمل أولى تجاربه في إخراج فيلم روائي طويل، مقدما حكاية تجعل من الموسيقى والمرأة والذاكرة الأمازيغية عناصر أساسية في مواجهة خطاب التشدد.