نشرت صحيفة “فوزبوبولي” الإسبانية، تقريرا قدمت فيه صورة جوية على أنها من صور الأقمار الاصطناعية التي حصل عليها مركز الاستخبارات الوطني الإسباني (CNI)، وربطتها برواية تزعم وجود سيارات مستأجرة متطابقة تحركت بشكل منظم نحو الحدود مع سبتة المحتلة، في محاولة لإسناد فرضية تورط السلطات المغربية في نقل جماعي للمهاجرين.
غير أن مطابقة الصورة مع الخرائط والصور الجوية المتاحة على “غوغل مابس” تقود إلى نتيجة مغايرة، بعدما تظهر المعالم الجغرافية وترتيب السيارات بشكل يتطابق مع موقع مخصص لوقوف سيارات الأجرة “الطاكسيات الكبيرة” بمنطقة باب سبتة.
وتكشف المقارنة البصرية أن السيارات الظاهرة في الصورة ليست بالضرورة “موكبا منظما” كما قدمتها الصحيفة، بل يمكن أن تكون ببساطة سيارات أجرة مصطفة داخل موقف مخصص لها، وهو ما يفسر تشابه المركبات وانتظامها في صفوف متقاربة.
واللافت أن التقرير الإسباني بنى جزءا من روايته على شكل تموضع السيارات، معتبرا أن تشابهها وانتظامها في خط واحد يمثلان مؤشرا على تحرك جماعي ومنظم باتجاه الحدود. غير أن قراءة الموقع على خرائط غوغل تقدم تفسيرا مختلفا تماما لهذا المشهد، إذ إن المكان الذي تظهر فيه السيارات معروف كموقف لسيارات الأجرة في منطقة باب سبتة.
كما أن مقارنة تفاصيل الموقع من الأعلى، من حيث الطرق والمساحات وموقع السيارات بالنسبة إلى محيطها، تعزز فرضية كون الصورة لموقف سيارات وليس لقافلة متحركة، وهو ما يضعف بشكل واضح الاستنتاج الذي حاولت الصحيفة استخلاصه من اللقطة الجوية.
وتزداد أهمية هذا المعطى بالنظر إلى أن “فوزبوبولي” لم تكتف بنشر الصورة، وإنما وظفتها داخل رواية أمنية وسياسية واسعة، مدعية أن الصور الاستخباراتية توثق درجة من التنظيم في تحرك سيارات مستأجرة نحو سبتة، وربطت ذلك بادعاءات حول دور مغربي مزعوم في تدبير تدفق المهاجرين.
غير أن الصورة، بعد تحديد موقعها ومقارنتها بالمعالم الجغرافية المحيطة بها، لا تقدم وحدها الدليل الذي حاول التقرير تقديمه للقارئ. فوجود سيارات متشابهة مصطفة في خطوط منتظمة داخل موقف مخصص لسيارات الأجرة لا يشكل، في حد ذاته، قرينة على نقل المهاجرين أو على وجود عملية منظمة تقف خلفها جهة رسمية.
ويكشف هذا التباين أيضا أهمية التحقق الجغرافي من الصور قبل استخدامها لبناء استنتاجات ذات طبيعة استخباراتية أو أمنية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملف شديد الحساسية من قبيل الهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية.
في سياق متصل، أظهرت التحقيقات التي باشرتها السلطات المغربية، أن الصورة التي نشرتها الصحيفة لا توثق قافلة من السيارات المستأجرة في طريقها إلى الحدود، وإنما موقف سيارات الأجرة في باب سبتة، وهو ما يمكن التحقق منه من خلال مطابقة الصورة مع صور الأقمار الاصطناعية المتاحة عبر خرائط غوغل.
وبالتالي، فإن القيمة الاستدلالية للصورة التي قدمتها “فوزبوبولي” باعتبارها دليلا بصريا على وجود “قافلة” منظمة تصبح محل شك قوي، خصوصا أن المشهد نفسه يمكن تفسيره من خلال وظيفة المكان وطبيعته الاعتيادية كموقف لسيارات الأجرة.
وفي المحصلة، فإن ما قدمته الصحيفة باعتباره صورة استخباراتية تكشف تحركا منظما لسيارات مستأجرة باتجاه سبتة، تظهر مطابقة موقعه ومعالمه مع موقف سيارات الأجرة بباب سبتة، وفق الصور والخرائط المتاحة، بما يجعل تحويل مشهد اعتيادي لسيارات مصطفة إلى دليل على عملية منظمة لنقل المهاجرين استنتاجا يحتاج إلى أدلة إضافية ومستقلة.
تعليقات الزوار
عاش الملك محمد السادس