لا يمكنك أن تناقش فردا أو جماعة، أستاذ(ة) أو أسرة، منتميا لمجال التعليم أو خارجه، دون أن يخبرك أن المدرسة في أزمة، و أن هذا الجيل لم يعد قابلا للضبط، وأن الهواتف النقالة والذكاء الاصطناعي ورهانات العالم المادي والربح السريع، عوامل من بين أخرى، جعلت المدرسة مجرد مكان للإلهاء، أو بالأحرى للعقاب النفسي للتلاميذ والطلبة، منذ ما قبل الابتدائي إلى حين الحصول على آخر الشواهد في المشوار الجامعي.
عبر هذا الوضع، يتفاقم خطاب الأزمة، وتشتد نواميسه، ويبدع القاصي والداني في قاموس القذف المباشر في تاريخ المدرسة وجغرافيتها، في معارفها ومناهجها وبرامجها، في مقرراتها ومن يسهر على تفعيلها، ولا يهم هنا إن كان الناقد ينتمي إلى المنظومة أو خارجها، وإن كانت له دراية بالتحديات اليومية التي يطرحها الفعل التدريسي بين جدران قاعة هيئت لتكون مكانا للتعلم، وهنا لا نصادر حق أحد في الإدلاء بما تجود به قريحته حول قضايا الوطن، لاسيما إذا كان الشأن يخص “المدرسة”، التي يمكن أن تأوي أبناءه ماضيا، آنيا أو مستقبلا.
أمام كل هذا الزخم من الخطابات التي تسير جلها صوب “تأزيم أزمة ” بتعبير إدغار موران، وهو النفق المغلق، أو بالأحرى يرغب الطامحون في إغلاقه، رغم أنف المعنى الذي أعطي للأزمة krisis( باليونانية، حيث تعني الوصول إلى المستوى التام في تشخيص المرض والقدرة على إصدار اسمه ، والدواء أو العلاج المناسب له). قلنا أمام هذه الخطابات، يكون الأستاذ(ة) وحده المذنب الفعلي والحقيقي والمباشر، ولا نخوض هنا في ما تقتضيه الذات من قوة للدفاع عن نفسها أمام أنظار وعيون، لا تعترف إلا بالمنطق القانوني المقلوب، ليكون الأستاذ” ذاك المتهم حتى تثبت إدانته، وليس براءته”. بل في كينونته وهو يلج الفصل الدراسي أو قاعة أو مدرج ليشرع في محاولة شق دروب كل هذا الألم الذي يعتصره مئات العيون أمامه، تحمل بين ثناياها ألاف التعابير التي يملك وحده تأويلا واحدا: ما دمت هنا، فأنت يا أستاذ(ة)، وحدك، ربما لم تعرف بعد ما ننتظره، فاختر بين منح النقطة النهائية وانتظر معانا نهاية الحصة وإلا فمعاناتك مزدوجة وستزداد اتساعا.
هنا، تُقصف الذات المهنية، ويصبح مضطرا لاختيار مسارات من الجروح التي سيكون فيها وحده التائه، المنسي، الذي يجر عقاله المضني بين صدق مهني، ورغبة أكيدة في طرح رسالة تحمل من النيران ما يكفي للزج بنا نحو القهقهرة الإنسانية إن لم ننجح في إيصالها. وهنا سيختار الأستاذ(ة) بين:
-انجراحات الذات الأستاذية المهنية في لامبالاتها: اختيار طفح إلى الظاهر بعد سنوات طويلة من المعاناة من أجل تغيير الوضع، لكن اليأس يتسلل ليستقر داخل هذا الصنف، فيصبح بهوية مهنية أضحت قابلة للكشف منذ الوهلة الأولى، في طريقة الكلام، طريقة اللباس، نوع الوثائق، نوع المعارف، بل يصبح نمط عيش مهني، إذ لا يكترث لمن دخل أو خرج، لمن يلوك بأصابعه أزرار هاتفه، ناسيا أو متناسيا صدى صوت ذاك الذي يتنقل بين أطراف اللوح الأبيض المملوء بألوان يراها مجرد فراغ في فراغ. هنا تستلم الذات لجرح الإهمال، فلا تهتم بمن فهم أو لم يفهم، لا تفكر قبل الحصة أو إبانها أو بعدها، لمن حصل أو لم يحصل على “الكفايات”، أو بناء المعنى الذي كانت الذات الأستاذية تصبوا إليه. وهنا تنحت “هذه الذات” تدريجيا سلامها الداخلي، والاطمئنان لهذه اللامبالاة، ليصبح مجرد عابر لجدران المدرسة، ولا تهمه البدايات ولا النهايات، ولا الناجح أو الفاشل، المتغيب أو الحاضر، وفي قريحة نفسه يردد: “البرود المهني، عدم الاهتمام، إلغاء الحضور الذاتي، هي شعارات للحفاظ على الاستمرار طيلة ما تبقى من مشوارنا المهني”.
-انجراحات الذات الأستاذية المهنية المفرطة في إنسانيتها: الصنف الثاني الذي سيُجبر الأستاذ على أن يكون عليها في عز هذا المآل الذي وصلنا إليه، بما له وما عليه، هو أن ترغمك ذاتك المهنية على التحلي بما يروق الطالب والتلميذ على حد سواء: أن يكون الأستاذ ” إنسانيا” وأن يراعي ظروف تلامذته وطلبته، وألا ينسى أنه بدوره، كان يوما تلميذا وكان طالبا، بل هنا من سيقوي خطاب “إحياء الضمير المهني” المفعم بالإنسانية قائلا: ” الأستاذ نجح وتوظف وقطع الواد ونشفو رجليه، ونْسى بللي كان حتى هو طالب”. هنا تقع “الذات الأستاذية” في غيابات “العمق الإنساني” الذي سيعيش معه معاناة الازدواجية بين الصرامة المهنية والصدق المهني والإنصاف في التدريس والتنقيط، من جهة، ومراعاة الظروف والشروط والوضعيات المختلفة والمتعددة لطلبة وتلاميذ من جهة ثانية، بل سيكون مضطرا إذا ما انتصرت فيه “هذه الإنسانية المفرطة” أن يهمل الحضور والغياب والتنقيط والإجابات الصحيحة، على حساب الظروف العائلية والاجتماعية والنفسية للطلبة والتلاميذ، لاسيما إذا كان يراهن على تحقيق مكانته وسمعته وتقديره من هذا الباب الإنساني “المزيَّف”، الذي لا ينخر جسد التعليم فحسب، بل هو ذاته يفعل فعلته في العديد من القطاعات الأخرى.
– انجراحات الذات الأستاذية المهنية المفرطة في مسؤوليتها: هو الصنف الثالث المنتظر في الوثائق والأدبيات التربوية والقانونية، أي تخص ذاك/ تلك، الذي يحمل همَّ “الفعل التدريسي” والتربوي كمسؤولية ملقاة على عاتقه، ولا يمكن أن يتساهل أو يتهاون في تطبيق الضوابط المعرفية والمنهجية و الأخلاقية وفق ما يتصوره ويراه ملائما، انطلاقا من تجربته، ومن نظرته إلى المدرسة والمتعلم والأهداف الكبرى التي يحددها لمهنته في شموليتها. وتنسب لهذا الصنف، كل أشكال التمثلات الاجتماعية المدرسية المرتبطة بقاموس الصرامة، الجدية، الانضباط، … وأيضا: التزمت، التشدد، الأنانية، الواهم بالتغيير، …وغيرها من الصفات المتناقضة، وهو عموما، يخص تلك الذات التي هيئت مهنيا لتصبح في توتر، سيزداد من نظرة اجتماعية مفعمة بارتباك مستمر، فهو المرغوب فيه والمنبوذ في الوقت ذاته، لأنه بقدر ما يراه الجميع نموذجا للأستاذ الذي نتوَخاه، نراه أيضا ذاك الذي لا يعرف أن “الوضع المدرسي” لا يتغير بسهولة وبهذه الانتظارات الفردية أو بهذه الصرامة. ومعه تتناثر المقولات ” يد واحدة لا تصفق”، “داء العطب قديم”، الأزمة أكبر من مجهود فردي محدود، ” مسكين يريد أن يغير ما لا يمكن تغييره”….
هذه تجليات مقتضبة من بين أخرى قد تبدو لغيرنا، وأخرى قد تظهر في الأفق إذا استمر البحث في تشريح هذه الذات، لكنها، في نظرنا، لن تنزاح عن هذه الانجراحات التي ترتكن داخل ذهنية المدرس، واستثمرها المجتمع بأشكال من الحكم الذي يصل حد التناقض: أي بين تعاطف مفرط أو ازدراء متجدد، أو تقليل من قيمة رجل أو امرأة، اختارا مهمة ا صلاح المجتمع من داخل أسوار مؤسسة، لم تعد تقدم أدوارها إلا عبر معاناة تزداد بازدياد منافسين لها، وقد تصبح وحدها يوما، أي المدرسة، مجرد مأوى لمن لا مأوى له، هناك سنتساءل جميعا: هل سيدخل الأستاذ إلى الفصل الدراسي ويعلن أمام الملأ: “هذا الدرس إلى نفسي”، أسوة بما كتبه الحاكم والفيلسوف الروماني ماركوس أوريليوس في الصفحة الأولى من كتابه المعنون بالتأملات؛ حيث كتب : “هذا الكتاب إلى نفسي”.