صورة الكاتب عبد الله شخمان
منتدى العمق

رحلة إلى المجهول

تبدو السعادة تغمر محياه وهو يصفف ويضع الورود في المزهرية استعدادا لاستقبال خطيبته القادمة من تايلاندا إلى قريته الجميلة ضواحي هامبورغ، ولم ينل من فرحته عدم رضا والدته بالحدث السعيد..: “أنت يا غولف كمن وجد الحب فجأة، لماذا تصر على إدخال هذه الآسيوية إلى أسرتنا..؟” ألم تفكر في الأبناء نتالي وفرانك، إنها قد تكون في سنهم…!؟ فأجابها:”الأبناء أصبحوا قادرين على تدبير حياتهم الخاصة أنا وفرت لهم كل شيء ووالدتهم توفيت منذ عشر سنوات ومن حقي أن أعيش حياتي مع من أحببتها… إنه عصر العولمة يا أمي..

كان يسارع الزمن وهو في طريقه إلى المطار لاستقبال خطيبته، لكن ازدحام كبير ومحاولته التجاوز بسرعة جعلته يفقد السيطرة على سيارته فانقلبت، لم يصب في الحادث سوى بكدمات وخدوش لا تدعوا للقلق، لكن لا بد من علاجات أولية وتخفيف الصدمة، وهو في طريقه إلى المستشفى طلب وبإصرار من المسعفين أن يناولوه هاتفه الخلوي ليجري مكالمة ضرورية، حيث طلب من ابنته القيام بمهمة استقبالها لتعذر عليه ذلك بسبب الحادث..

جلست “أبينيا” في القاعة تنتظره وعيناها لا تفارق الساعة الحائطية المعلقة بقاعة انتظار المسافرين، لكنه لم يحضر في الميعاد. وبدأت الأسئلة تتزاحم في رأسها. لاحظ مستخدم المطار حيرتها و ارتباكها وهو يمد لها الوشاح الذي سقط منها سهوا، فاقترح عليها المساعدة لما طلبت منه اتصال بالرقم المكتوب على ورقة صغيرة كانت بحوزتها..لكن لا أحد يجيب.

حلت نتالي بالمطار للبحث عنها لكن لما لمحتها تجاهلتها وهي تمر من أمامها كما نصحها أخوها ورغم أنها تعرفت عليها من خلال الصورة التي قدمها لهم والدهم، قفلت راجعة إلى حال سبيلها مدعية أمام والدها في المستشفى، أنها لم تجدها.

أنهى المستخدم ورديته واقترح عليها أن يوصلها للعنوان المدون مع رقم الهاتف فوافقت دون تردد لشدة تعبها وتعلقها بالأمل الوحيد المعروض عليها. ركبا سيارته من نوع “غولف” وانطلقا. وبما أنها غريبة عن البلد ولا تعلم أي شيء عن البيت التي تقصده، عرج بها على طريق غابوية مدعيا أنها مختصرة. وتوقف بمكان خال وهو يعلم أنها لا تفقه ما يقوله لجهلها باللغة الألمانية، فانتقل إلى الفعل قائلا”. أحب أن اخذ مقابلا عن خدمتي لك..” وحاول استغلالها بإشباع نزواته لكنها رفضت ، فانفكت منه وترجلت من السيارة وأطلقت ساقيها للريح وحاول اللحاق بها لكنه لم يدركها، فتخلص من حقيبتها وذهب إلى حال سبيله.

ذهب فرانك… إلى المستشفى لزيارة والده وتفقد حالته الصحية ثم لحقت به أخته نتالي فادعيا أن الأسيوية أبينيا لم تصل، ربما فاتها موعد الطائرة..!؟
حاولا كذبا اطمئنانه، وحاول الاتصال بها لكنها لا تجيب ..وهو المسكين لا يعلم عن حقيقة تواطىء أبناءه ولا ما دبراه من مكائد بخصوص مصير خطيبته..!

لما عاد مستخدم المطار إلى بيته ارتابت زوجته في أمره بحدس الأنثى، لما لاحظت قميصه ممزق و استفسرته عن سبب تأخره، فأجاب بأنه تناول بعض المشروبات مع أصدقائه. لكن عندما ظهرت صورة الضحية في الأخبار ومكان العثور عليها بالقرب من طريق المطار، راودتها الشكوك أكثر في صدق كلامه وخصوصا بقايا الوحل العالق بقميصه ..؟!

دخلت الشرطة الجنائية على الخط بعدما تم إخطارها من طرف سيدتين كانتا تمارسان رياضة المشي بالممر الغابوي فعثرن على حداءها ثم جثتها ممددة بين الأحراش. عاينها و فحصها الطبيب الشرعي وحدد ساعة الوفاة وأكد أن السبب هو الخنق ثم لاحظ اثر ثوب على أظافرها. وبعد هذه المعاينة الأولية تبقى نتائج الأبحاث والخبرات اللاحقة ووضع الفرضيات وتحديد علاقات الضحية بمحيطها الشخصي هي الفيصل للوصول للتفاصيل الكاملة لما جرى بالضبط.
ولما حلوا بالمطار -اي المحققين-

استفسروا ا المكلف بالاستعلامات الذي أخبرهم انه لم يتسلم شغله إلا صباحا، وقد يكون زميله قد شاهدها بالقاعة، وفعلا لما استجوبوه، بينما هو بالمقصف يحتسي قهوته، لم ينكر وأكد لهم أنها طلبت منه الاتصال برقم هاتف مكتوب على ورقة وتأكدوا من ذلك بعد فحص سجل مكالمات هاتفه…لكنه أنكر ما حصل بعد ذلك خوفا من الاشتباه فيه..!

قصد المحققون عنوان البيت المدون بالورقة واستقبلتهم سيدة في عقدها السابع وهي والدة رجل الأعمال غولف الذي يرقد في المستشفى… تعرفت على الفتاة من خلال صورتها التي كانت بحوزتهم ألا أنها أنكرت حضورها عندهم وكذلك الإبن فرانك، لكنهم أكدوا للشرطة رغبة غولف في الزواج منها..وادعوا أن نتالي لم تجدها بالمطار..

زاره صديقه بالمستشفى للاطمئنان عليه كما حضرت الشرطة الجنائية لتنقل إليه الخبر الفاجعة..!
عثروا على حقيبة ملابس المجني عليها بعيدة جدا عن مكان الجثة..وضمن محتوياتها وجدوا كسوة الزفاف فسألوه عن موقف عائلته وكان الرد طبعا الرفض و كم كان مندهشا من تصرف ابنته لما ادعت أنها لم تجدها، سيما أنها غريبة عن البلاد وتحتاج لمن يساعدها لأن إمكانياتها محدودة جدا.
أما صديقه فأكد لهم، بعد استجوابه انه كان يعرفها هناك في بانكوك عندما كانا معا وحصل استلطاف وتقارب بينهما، لكن عزم صديقه غولف على الزواج منها لم يؤثر على علاقتهما واستمرت بدون مشاكل. ورغم ذلك فالشرطة تعتقد أن الغيرة دافع قوي لارتكاب الجريمة ، وحسب المحققين، هناك عدة مشتبه بهم مفترضين ولذا يجب التأكد من أعذارهم أي مكان تواجدهم في وقت الحادث.

أمام المحققين أنكرت نتالي مصادفة القتيلة لكنها اعترفت بالموقف السلبي للعائلة بخصوص زواج والدها. فقال لها المفتش لو أخذتها لكانت على قيد الحياة هذه اللحظة…!

بعد انتشار خبر الجريمة في مختلف القنوات الإعلامية… أصبحت زوجة مستخدم المطار أكثر اقتناعا انه مرتكبها لما لاحظت تلك الليلة تمزق قميصه ووجود الوحل على ملابسه كما أكدت للشرطة ساعة وصوله إلى البيت -التاسعة ليلا- فحجزوا ملابسه التي كان بمرتديها واعتقلوه لوجود قرائن ضده، الخبرة على عينة من سيارته ووجود بصماته على حقيبة الضحية و كذا سائق الطاكسي بالمطار الذي شاهد ركوب الضحية سيارته من نوع غولف، واعترف بعد إنكاره، انه وجدها جميلة وأرادها أن تكون ممتنة لما قدم لها من خدمة فرفضت ولم يقتلها وألقى بحقيبة ملابسها.. لكنه صرح بأنه بعد ذلك كان متواجدا بالحانة في وقت الجريمة واستطاعوا التأكد من ذلك فأطلقوا سراحه..

عاد غولف إلى البيت فاعتذرت والدته على ما حصل وهي طبعا كاذبة ..لكن فرانك اعترف بأنه هو من أشار على أخته نتالي بتركها هناك بالمطار لقد عبروا جميعهم عن موقفهم الرافض للزواج وبهذا الموقف هو بالنسبة لهم مجرد محفظة أموال. فقال الأب غاضبا ومتحسرا، لقد رحلت والدتكم عن دنيانا منذ عشر سنوات وأصبحتم راشدين ..فلماذا هذه القسوة اتجاه السيدة التي اخترت الارتباط بها هل تريدون أن تحجروا على..!؟

أكد الطبيب الشرعي عدم وجود اعتداء جنسي على القتيلة..اتجهت شكوك المحققين نحو أفراد العائلة بما أنهم أجمعوا على رفض فكرة الزواج وخوفهم على الشركة ومصالحهم المادية ومستقبلهم..! وهذا دافع قوي للتخلص من الخطيبة.

لكنهم أصروا على الإنكار بأنها لم تصل إلى البيت..!؟ . في هذا الوقت وبعد انتشار خبر الحادث ظهرت شاهدة إثبات بمثابة الحلقة المفقودة في القضية، حيث صرحت السيدة للشرطة أنها “وجدتها في حالة يرثى لها، ثيابها ممزقة و متسخة فأشفقت لحالها وأخذتها إلى عنوان لديها ومراقبتها حتى فتح الباب ودخلت ولم أتمكن من رؤية من كان في استقبالها..وحددت ساعة الوصول..”، سألها المحقق لماذا لم تقومي باختبار الشرطة بما وقع؟ فأجابت” ظننت أن الضحية ضلت طريقها وتحتاج لمساعدة سيما أن التواصل معها كان صعبا إلا من خلال الورقة التي تحمل العنوان و أطلعتني عليها..,لكن بعدما علمت بما وقع تأكدت أن تدخل الشرطة أصبح حتميا وواجب علي إخباركم ..”

ولما واجهوا أفراد العائلة بالمعطيات المتوفرة لديهم.،ادعت الجدة أنها كانت نائمة مبكرا في المساء فوجدوا الأمر غير عادي فقالوا لها :” كيف ذلك وابنك يرقد بالمستشفى..؟! فقالت:” لقد كلمته هاتفيا واطمأننت عليه..”.واجهوهم بتصريح الشاهدة وفي الساعة المذكورة. الشرطة تأكدت أنهم استغلوا فرضية الاغتصاب و هي فرصتهم لإبعاد الشبهة عنهم. ورغم أن الجدة اعترفت بالجريمة لإنقاذ حفيديها فالمحقق لم يصدقها لحظة واحدة و طلب من نتالي الاعتراف بالحقيقة الكاملة. وهو ما كان، فاعترفت بدخول الآسيوية إلى البيت وأنها كذبت بما وقع بالمطار وطلبت إيصالها عند والدها بالمستشفى ورافقهما أخوها فرانك وفي الطريق دار بينهما حديث حول إيجاد مخرج، اقترح فرانك تمكينها من بعض المال و تذكرة طائرة لتعود إلى بلدها: “.يجب أن نفكر في الشركة والإرث و…” لم تقبل نتالي الاقتراح ولأن الوقت قد فات.. فقال شقيقها ليس بعد، فامسك بالوشاح الملتف حول عنقها بإحكام حتى خنقها فماتت، وتخلصوا من الجثة، كان هذا الاعتراف بحضور الوالد الذي لم يصدق ما حدث فكيف يقوم الأبناء بهذا العمل الشنيع بعد كل التضحيات من اجلهم ولم يقيموا أي اعتبار لاختياراتي وحياتي الخاصة..!؟ فتم توقيفهم بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد..

شعر غولف بإحباط وبخيبة أمل كبيرة وغاص في بحر من الأفكار والأسئلة ..”.لماذا لم أسلك سبل الحيطة كي أصل عندها في الوقت المناسب وأحضنها وأحميها من المجهول..هل أنه القدر الذي لم يمهلها وشاء أن تموت مغتربة وبطريقة تراجيدية….؟! كيف أعيش معهم تحت سقف واحد بعد كل ما وقع، كيف استطيع مجددا النظر في وجوههم..!؟؟

في يوم الغد قصد غولف المطار لحضور عملية نقل جثمان خطيبته إلى بلدها وطلب من المسؤولين السماح له بإلقاء نظرة الوداع الأخير.