وجهة نظر

ما الذي منعكم بالأمس؟

تدخل الأحزاب السياسية الانتخابات المقبلة وهي تحمل معها حصيلة سنوات من تدبير الشأن العام. ومع عودة الخطاب الانتخابي، تتكاثر الوعود والمشاريع المقترحة للمستقبل، بينما يصدر جانب مهم منها عن أحزاب شاركت في الحكومة، وعن مسؤولين ما زال بعضهم في مواقع القرار.

تفرض هذه المفارقة سؤالا سياسيا بسيطا: ما الذي منعكم بالأمس؟

إذا كان المسؤول يمتلك اليوم حلولا لمشكلات اجتماعية واقتصادية عانى منها المواطن طوال الولاية السابقة، فما الذي حال دون تنفيذها قبل الوصول إلى الانتخابات؟ وإذا كانت الموارد متاحة، فلماذا تأجلت؟ وإذا كانت القوانين تحتاج إلى تعديل، فلماذا لم تبدأ مسطرة تعديلها؟ وإذا كانت هناك عراقيل حالت دون التنفيذ، فلماذا لا تقدم للرأي العام اليوم بتفاصيلها؟

السؤال لا يستهدف حزبا بعينه، وإنما يطال منطق المسؤولية السياسية. فالذين شاركوا في تدبير المرحلة السابقة يملكون حق الدفاع عن حصيلتهم، كما يتحملون مسؤولية تفسير قراراتهم ونتائجها. والانتقال من موقع القرار إلى منصة الوعود يحتاج إلى كشف واضح لما تغير بين الأمس واليوم.

الناخب سوف لن يدخل الحملة الانتخابية بذاكرة فارغة. خمس سنوات من الأسعار والخدمات العمومية والشغل والصحة والتعليم والإدارة صنعت لديه حكما خاصا على الأداء السياسي. لذلك تصبح الوعود الجديدة مطالبة بإقناع المواطن بأن أصحابها يملكون هذه المرة ما عجزوا عن فعله سابقا.

الحملة الانتخابية، بهذا المعنى، ينبغي أن تبدأ من الحصيلة: ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ ما أسباب التعثر؟ وما القرارات التي يتحمل أصحابها مسؤوليتها؟ ثم يأتي البرنامج الجديد امتدادا لما سبق، مستفيدا من دروسه ومراجعا ما أثبتت التجربة قصوره.

وتزداد المسألة حساسية عندما تقدم أطراف شاركت في الحكومة نفسها وعودا لمعالجة مشكلات ما زالت قائمة. فالناخب يستطيع أن يسأل: هل تغيرت الإمكانات أم تغيرت الحسابات؟ وهل تحمل الوعود الجديدة حلولا استجدت فعلا، أم أن موسم الاقتراع أعاد ترتيبها على نحو مختلف؟

الجواب مسؤولية أصحاب البرامج.

حتى الجدل الذي رافق تدبير عيد الأضحى يندرج ضمن القضايا التي تركت أثرا في النقاش العام، لأنه مسّ قدرة الأسر على تحمل الأعباء وأثار أسئلة حول القرار الحكومي والتواصل السياسي. ولا تحتاج القضية إلى استعادة تفاصيلها بقدر ما تحتاج إلى درس واحد: القرار الذي يمس حياة الناس يحتاج إلى مسؤولية واضحة.

المشكلة الأعمق تتصل بالثقة. المواطن الذي يسمع وعودا من مسؤول كان حاضرا في صناعة القرار يحتاج إلى معرفة ما الذي سيجعله يثق هذه المرة. كثرة الشعارات لا تجيب عن السؤال، كما أن مهاجمة الخصوم لا تقدم حصيلة بديلة.

الحزب الذي يطلب تفويضا جديدا يستطيع أن يقول للناخب بوضوح: هذه حصيلتنا، وهذه قراراتنا، وهذه مكاسبها، وهذه أخطاؤنا، وهذا ما سنغيره. أما البرنامج الذي يبدأ من المستقبل ويتجاهل سنوات المسؤولية السابقة، فيترك مساحة واسعة للشك.

وتتحمل المعارضة مسؤولية موازية. نقد الحكومة يظل جزءا من وظيفتها، لكن الناخب يحتاج معها إلى معرفة البديل: ماذا ستفعل؟ وكيف ستموله؟ وما الأولويات التي ستضعها في المقدمة؟

بهذه المعايير تصبح الانتخابات منافسة بين اختيارات سياسية.

ولا يمكن اختزال نتائج الاقتراع مسبقا في تصويت عقابي أو مكافأة لحزب معين. الناخب قد يعاقب، وقد يكافئ، وقد يختار مرشحا أو برنامجا، وقد يعبر عن موقفه بالعزوف. لذلك تبقى صناديق الاقتراع صاحبة الكلمة النهائية.

لكن أيا كان اتجاه النتائج، ستدخل الحصيلة الحكومية السابقة إلى مراكز التصويت مع أصحابها. فالذاكرة السياسية لا تتوقف عند بداية الحملة، والوعود الجديدة ستظل مرتبطة بأصحابها وبسنوات وجودهم في مواقع القرار.

لهذا يبدو السؤال الذي ينبغي أن يرافق البرامج الانتخابية أكثر أهمية من عشرات الشعارات:
إذا كانت لديكم اليوم القدرة على حل مشكلات المواطن، فما الذي منعكم من البدء بالأمس؟

قد يكون لدى أصحاب الوعود جواب مقنع؛ وقد يقدمون أسبابا مرتبطة بالتمويل أو التشريع أو الظروف الاقتصادية أو اختلاف الأولويات. حق المواطن في المعرفة يبدأ من سماع هذا الجواب بوضوح.

أما طلب الثقة الجديدة من دون تفسير ما جرى بالأمس، فيجعل الوعد أمام امتحان صعب.

يوم 23 شتنبر لن يصوت المواطن على المستقبل وحده؛ سيضع الماضي أيضا في حسابه. وستكون الوعود مطالبة هذه المرة بأن تجيب عن سؤال واحد: لماذا الآن؟