كنزة لعليليس
منتدى العمق

المدرسة القروية في زمن التحولات: بين تحديات الواقع ورهانات الإنصاف والتمكين

مع كل دخول مدرسي، تتجدد الأسئلة حول واقع المدرسة القروية والواحية بالمغرب. وهي أسئلة مشروعة، ما دامت المدرسة تشكل إحدى أهم أدوات تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، خصوصاً في المناطق التي تتقاطع فيها صعوبات التعليم مع إكراهات الجغرافيا والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن الموضوعية تقتضي، في المقابل، ألا ننظر إلى المدرسة القروية من زاوية النقص وحده، أو أن نختزل تحدياتها في عنصر واحد، فقد راكم المغرب خلال السنوات الماضية عدداً من المبادرات والبرامج التي استهدفت تحسين ظروف التمدرس، من النقل المدرسي والإطعام المدرسي، إلى الداخليات والدعم الاجتماعي، وتأهيل المؤسسات وتوسيع الولوج إلى الوسائط الرقمية.

لكن السؤال الأساسي يبقى: إلى أي مدى تصل هذه الجهود إلى جميع المناطق بنفس الفعالية والاستمرارية؟ وكيف يمكن تطويرها حتى تتحول من تدخلات متفرقة إلى منظومة متكاملة للإنصاف والتمكين.

النقل المدرسي: أكثر من وسيلة للوصول إلى المدرسة

يُعد النقل المدرسي من أهم عناصر دعم التمدرس في العالم القروي، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال الذين يعيشون في دواوير ومناطق بعيدة عن المؤسسات التعليمية.

فحين يتوفر نقل منتظم وآمن، تتراجع كلفة المسافة على الأسر، ويصبح استمرار الطفل في الدراسة أكثر قابلية للتحقق. كما يمثل النقل المدرسي عاملاً مهماً في دعم تمدرس الفتيات، حيث يمكن أن يخفف من بعض المخاوف المرتبطة بالمسافة والتنقل.
لكن التحدي لا يتعلق فقط بوجود الحافلة، وإنما أيضاً بجودة الخدمة وانتظامها وتغطيتها وعدالة توزيعها، فضلاً عن ملاءمتها للخصوصيات الجغرافية للمناطق القروية والواحية.

الإطعام المدرسي: محاربة الهشاشة من داخل المدرسة

ينطبق الأمر نفسه على الإطعام المدرسي، فالوجبة المدرسية ليست مجرد خدمة مرافقة للتعليم، وإنما يمكن أن تكون أداة لدعم الاستمرار في الدراسة، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال المنحدرين من أسر تعاني من الهشاشةوما أكترهم في المناطق النائية.
وقد ساهمت بعض برامج الإطعام، في جعل المدرسة أكثر قدرة على الاستجابة لبعض الاحتياجات الاجتماعية للأسر.
غير أن تطوير هذا الجانب يقتضي الاهتمام ليس فقط بالكم، بل أيضاً بجودة الوجبات، وانتظامها، وظروف حفظها وتقديمها، ومدى وصولها إلى المناطق الأكثر احتياجاً.

الداخليات والدعم الاجتماعي: حين يصبح البعد الاجتماعي جزءاً من السياسة التعليمية

في بعض المناطق النائية، لا تكفي المدرسة القريبة أو النقل المدرسي وحدهما. وهنا تبرز أهمية الداخليات ودور الفتيات والطلاب وغيرها من أشكال الإيواء المدرسي، باعتبارها آليات يمكن أن تساعد على ضمان الاستمرارية الدراسية للمتعلمين الذين تحول المسافة أو الظروف الاجتماعية دون عودتهم اليومية إلى أسرهم.

وبالمثل، فإن مختلف أشكال الدعم الاجتماعي تظل عنصراً مكملاً للسياسة التعليمية، لأن محاربة الهدر المدرسي لا يمكن أن تنجح إذا عولجت المدرسة بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للأسرة.

الرقمنة ضمن منظومة متكاملة للإنصاف والتمكين

تبرز الرقمنة اليوم كأحد الرهانات الجديدة لتطوير المدرسة القروية، بما تتيحه من فرص للوصول إلى المعرفة، وتنمية التعلم الذاتي، والانفتاح على موارد وخبرات تتجاوز حدود المجال الجغرافي. غير أنها تظل جزءاً من منظومة متكاملة وليست بديلاً عنها؛ فالحاسوب لا يعالج مشكلة المسافة، والإنترنت لا يعوض النقل المدرسي، والمنصة الرقمية لا تقوم مقام المدرس المؤهل ولا تعوض الإطعام أو البنية التحتية. كما أن الفجوة الرقمية لا تقتصر على العالم القروي، بل توجد أيضاً داخل المدن نفسها، حيث تختلف فرص الولوج إلى الأجهزة والإنترنت والموارد التعليمية بحسب الظروف الاجتماعية ونوعية المؤسسات. لذلك، لا ينبغي اختزال المسألة في مقارنة بين طفل قروي «محروم» وطفل حضري «مستفيد»، بل في مدى تكافؤ الفرص التعليمية بين الأطفال، مع الاعتراف بما تحقق من جهود في النقل والإطعام والتجهيز والدعم الاجتماعي، وما يزال مطلوباً تطويره وضمان استمراريته وعدالة توزيعه.

والرهان، في النهاية، هو الانتقال من منطق معالجة مظاهر النقص إلى بناء مدرسة قروية قوية وقادرة على التمكين؛ مدرسة تتوفر فيها شروط التعلم الأساسية، ويجد فيها المدرس التكوين والمواكبة، ويصل إليها المتعلم بأمان، ويحصل على التغذية والدعم اللازمين، ويستفيد من التكنولوجيا باعتبارها أداة لتعزيز التعلم لا غاية في حد ذاتها، فنجاح الإصلاح لا يقاس بعدد الحافلات أو الأجهزة أو الوجبات كل على حدة، وإنما بقدرة هذه العناصر مجتمعة على تحسين جودة التعلم، والحد من الهدر، وتوسيع آفاق الطفل، أياً كان مجال عيشه.

فالرقمنة جزء من الحل، والنقل جزء من الحل، والإطعام جزء من الحل، والبنية التحتية والتكوين والدعم الاجتماعي كلها أجزاء من الحل نفسه. أما التحدي الحقيقي، فهو أن ننجح في جمع هذه العناصر داخل رؤية واحدة تجعل المدرسة أداة فعلية لتكافؤ الفرص.
كنزة لعليليس ، إعلامية وباحثة في التحول الرقمي والتنمية القروية.

تعليقات الزوار