الصراع اللغوي بين البندير والوتر: رواية “زلزاليلي” لعبد الإله بوزين أنموذجا
منتدى العمق

الصراع اللغوي بين البندير والوتر: رواية “زلزاليلي” لعبد الإله بوزين أنموذجا

في هذه الدراسة المقتضبة حول رواية «زلزاليلي»، الصادرة عن “دار الخيام للنشر والتوزيع، ننطلق من إشكالية مفادها: كيف تتحول اللغة من وسيلة للتواصل إلى أداة للهيمنة والمقاومة؟ وكيف يوظف الكاتب ثنائية البندير والوتر لتجسيد صراع القوى وتحولاته عبر التاريخ؟

بين صفحات هذه الرواية المشبعة بالزلازل الاقتصادية والتحولات الإنسانية، تتوارى حكايات تحمل دلالات عميقة، تتجاوز ظاهرها الحكائي لتلامس قضايا الإنسان والسلطة والهوية والصراع. ومن أكثر الحكايات التي شدتني حكاية «عازف الأوتار»، التي يبدو فيها الكاتب منشغلا بسؤال القوة، وكيف يمكن لأداة تبدو بسيطة، كآلة موسيقية، أن تتحول إلى وسيلة للتحكم في الآخرين وإخضاعهم.

وظف بوزين الفانتازيا لبناء عالم غرائبي يتحدث سكانه بأنغام موسيقية؛ فلا كلام إلا بالموسيقى، ولا تواصل إلا عبر الإيقاع والنغم. وبذلك يعيد الكاتب تشكيل مفهوم اللغة، فلا تعود اللغة في هذا العالم أصواتا وكلمات، وإنما تصبح الموسيقى نفسها نسقا تواصليا يحمل معاني ودلالات مختلفة. فكل ضربة على البندير، وكل نغمة على الوتر، يمكن أن تؤدي وظيفة الجملة في اللغة المألوفة، قبل أن تتجاوز الموسيقى وظيفتها التواصلية لتصبح أداة للسلطة.

ومن هنا تبرز ثنائية البندير والوتر باعتبارها ثنائية رمزية تتجاوز الآلتين الموسيقيتين. فالبندير يحضر مرتبطا بالحياة اليومية والحاجات البسيطة والتواصل، بينما يتحول الوتر تدريجيا إلى رمز للقوة والنفوذ والهيمنة. ومن خلال هذا التقابل، يجعل الكاتب الموسيقى مرآة للصراع الاجتماعي والسياسي، وكأن امتلاك النغم يعني امتلاك القدرة على فرض الإيقاع على الآخرين.

يقول السارد:
«نشأ كاراكلا وسط مجتمع غريب الأطوار، يعتمد الأوتار الموسيقية كوسيلة للتواصل. لكلٍّ نغمته يتغنى بها ويتباهى بها أمام الآخرين. من يملك نغمات مثيرة فهو سيد الأقوام. كانت الأوتار للحكماء الأمازيغ، والبنادير لفقراء البلدان.» ص 47.

إن أهمية هذا المقطع لا تكمن في غرابته الفانتازية فحسب، وإنما في الطريقة التي يعيد بها الكاتب ترتيب العلاقة بين اللغة والمجتمع. فالنغم هنا ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح معيارا للمكانة الاجتماعية والسياسية. «من يملك نغمات مثيرة فهو سيد الأقوام»؛ عبارة تختزل فلسفة الحكاية، لأن امتلاك القدرة على إنتاج النغم يتحول إلى امتلاك القدرة على التأثير في الآخرين.

وفي هذا العالم، لا تبدو الموسيقى محايدة؛ إذ ترتبط بالطبقات والمواقع الاجتماعية، فتظهر الآلات المختلفة وكأنها لغات متنافسة، لكل واحدة منها موقعها وقوتها ودلالتها. ومن ثم يمكن النظر إلى البندير والوتر بوصفهما علامتين سيميائيتين تختزلان صراعا أوسع بين من يملك أدوات التعبير ومن يملك أدوات التأثير والهيمنة.

يبدأ كاراكلا بالبندير الذي ورثه عن والده، ويستعمله للتعبير عن حاجاته اليومية:
«بدأ بآلة البندير التي ورثها من والده بعد أن قتل أخاه وانفرد بها، يضرب بكفه عليها للتعبير عن رغباته، كأن يطلب لأمه خبزًا، يضرب ثلاث ضربات متتالية، ثم ضربة واحدة تليها ضربتين، تلك نغمات الخبز. أو يطلب ماء بنغم مختلف، ضربة واحدة تليها ضربتين مسرعتين، ثم أربع ضربات. أما إذا أراد استئذان أمه للخروج مع صديقه الأخميني، فيضرب على البندير ضربة واحدة.» ص 47.

تكشف هذه الفقرة أن البندير يؤدي وظيفة لغوية مكتملة؛ فكل عدد من الضربات يحمل معنى محددا. نحن، إذن، أمام نظام من العلامات الصوتية يحل محل اللغة المنطوقة. فالضربات المتتابعة تمثل الدال، بينما يمثل المعنى المقصود مدلولها. وبهذا تتحول الآلة الموسيقية إلى وسيلة للتواصل، ويتحول الإيقاع إلى لغة.

غير أن هذا النظام لا يبقى ثابتا، إذ يبدأ الصراع عندما تظهر آلة أخرى تحمل معها تصورا مختلفا للقوة والتأثير. تظهر الفرس في البداية بوصفها صديقة للمنطقة، لكنها سرعان ما تخرج طبلها وتبدأ في العزف عليه لجذب أسماع الناس إليها. وهنا يدرك كاراكلا أن التفوق لا يتحقق بمجرد امتلاك آلة، وإنما بامتلاك النغم الأكثر قدرة على التأثير في الآخرين.

ومن هنا يبدأ بحثه عن آلة تتجاوز الطبل، فيصعد إلى الجبل محاولًا استلهام الطبيعة لاختراع نغم جديد:
«صعد ليلا إلى قمة الجبل، يتأمل النجوم الغابرة في جوف السماء، ويطيل النظر في القمر الناعس بين السحاب، الذي يرسل ضوءا خافتا كأنما هو يعير نوره إلى الأرض، على مضض لتستنار به. كان يحملق في القمر ببلاهة، عسى أن يستلهم منه خفة تساعده في ابتكار آلة موسيقية أحسن من طبل صاحبه.» ص 49.

وهنا ينتقل الصراع من مجرد منافسة موسيقية إلى صراع حول امتلاك اللغة الأكثر تأثيرا. فكاراكلا لا يريد آلة أخرى فحسب، بل يريد نظاما موسيقيا يستطيع من خلاله تجاوز منافسه والتأثير في الشعوب. ومن ثم يصبح الابتكار الموسيقي في الحكاية شبيهًا بابتكار أدوات جديدة للسلطة.

إن انتقال كاراكلا من البندير إلى الوتر يمكن قراءته بوصفه انتقالا من لغة التواصل إلى لغة الهيمنة. فالبندير كان مرتبطا بالحاجات اليومية، بينما يصبح الوتر وسيلة لامتلاك القوة. وهنا لا يتغير شكل الآلة فحسب، وإنما يتغير موقع صاحبها داخل المجتمع. إنه انتقال من الهامش إلى المركز، ومن المتلقي إلى الفاعل، ومن الذي يعبّر عن حاجته إلى الذي يفرض إيقاعه على الآخرين.

ويعود الصراع اللغوي من جديد بين كاراكلا والأخميني، ولكن هذه المرة في صورة صراع بين الطبل والوتر، أو بين لغتين تتنافسان على التأثير. وبعد أن ينجح كاراكلا في اختراع وتر يستطيع من خلاله التحكم في العالم، لا يستمر انتصاره طويلا؛ إذ تتم سرقة الوتر منه، ليعود مرة أخرى إلى موقع أصحاب البندير المغلوبين على أمرهم.

وتتجاوز دلالة السرقة حدود الحكاية، فامتلاك الأداة هو الذي يحدد موقع الفرد أو الجماعة في سلم القوة. ولذلك فإن استعادة الوتر لا تعني مجرد استعادة آلة موسيقية، وإنما تعني محاولة استعادة القدرة على الفعل والتأثير.

ويبلغ هذا الرمز ذروته حين يربط السارد بين أوتار الماضي وأدوات القوة في العصر الحديث:
«بجانب البازيليكا كنت أحدق في النجوم، شارد الذهن، أفتش عن دلالة تلك الأوتار في عصرنا الحالي. أطيل الفكر محاولا أن أفك شيفرتها السميولوجية، كلما توغلت في التاريخ وجدتها تتخفى في أشكال مختلفة، مرة في عباءة الدين ومرة في درع السياسة، وأخرى في ساحة الاقتصاد. رأيت الأوتار تتحول إلى سيوف في يد الروم والفرس، يضرب بها كل طرف ليبسط هيمنته على العالم. واليوم صارت الأوتار ذاتها رؤوسًا نووية، وصواريخ بالستية، وأسواقًا مالية عابرة للقارات. الفارق الوحيد أن الأسماء تغيرت، أما جوهر الصراع فما زال هو نفسه، من يمتلك الأوتار، يمتلك الكلمة العليا. هكذا كان الأمر بين الفرس والروم، وهكذا هو الآن بين القوى العظمى في عصرنا الحالي. التاريخ يعيد عزفه على أوتار جديدة، لكن اللحن لم يتبدل.» ص 62.

يفتح هذا المقطع الحكاية على أفق تاريخي واسع، إذ لا يعود الوتر مجرد آلة موسيقية، بل يتحول إلى استعارة للسلطة وأدواتها المتغيّرة. فإذا كان السيف في الماضي وسيلة لفرض الهيمنة، فإن السلاح النووي والصواريخ والأسواق المالية أصبحت في العصر الحديث أدوات أخرى لأداء الوظيفة نفسها.

واللافت هنا أن الكاتب لا ينظر إلى التاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل باعتباره تكرارا لأشكال الصراع، مع تغير الأدوات. تتغير أسماء «الأوتار»، وتتغير أشكالها، لكن جوهرها يظل واحدا: من يمتلك أداة القوة يستطيع أن يفرض إيقاعه على الآخرين.

ومن هذه الزاوية، تصبح اللغة نفسها إحدى أدوات القوة. فالهيمنة لا تتحقق دائما بالسلاح، وإنما قد تبدأ من القدرة على تسمية الأشياء، وصياغة الخطاب، والتحكم في وسائل التعبير والتأثير. ولذلك يبدو “الهدم اللغوي” في الحكاية مرتبطا بالهدم الثقافي والاجتماعي والحضاري؛ لأن السيطرة على اللغة قد تكون مدخلا إلى السيطرة على الإنسان ووعيه.

وهنا تتجلى أهمية الفانتازيا في الرواية؛ فالكاتب لا يقدم خطابا سياسيا مباشرا، وإنما يبني عالمًا متخيلا يسمح له بطرح أسئلة واقعية من خلال الرمز. فحين تصبح الشعوب عاجزة عن الكلام إلا عبر الموسيقى، يصبح السؤال حول من يمتلك الموسيقى سؤالا حول من يمتلك القدرة على توجيه المجتمع والتحكم في مساره.
ومن ثم فإن الحكاية لا تقدم لنا عازفًا يبحث عن آلة جديدة فحسب، وإنما تقدم تصورا رمزيا للإنسان حين يكتشف أن امتلاك وسيلة التأثير قد يكون أهم من امتلاك القوة المادية نفسها. فالعازف الذي يمتلك النغم القادر على تحريك الآخرين يصبح قادرا على جعلهم يرقصون وفق الإيقاع الذي يحدده.

وهكذا تتخذ ثنائية البندير والوتر أبعادا متعددة: فهي في المستوى الأول ثنائية موسيقية، وفي المستوى الثاني ثنائية لغوية، وفي المستوى الثالث ثنائية اجتماعية وسياسية، قبل أن تتحول في المستوى الأوسع إلى استعارة للصراع التاريخي حول امتلاك أدوات القوة والتأثير.

ومن خلال حكاية «عازف الأوتار»، يستحضر الكاتب صراعا يمتد من الماضي إلى الحاضر، ليكشف أن الأزمنة تتغير، والأدوات تتبدل، لكن الصراع على امتلاك القدرة على التأثير في الإنسان والتحكم في خياراته يظل حاضرا. وإذا كان الوتر في الحكاية يمثل امتلاك الكلمة العليا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يعزف الوتر اليوم؟ ومن يملك القدرة على تحديد الإيقاع الذي تتحرك وفقه الشعوب؟

وهنا تكمن قوة الحكاية؛ فنحن لا نقرأ عن عازف أوتار فحسب، بل عن الإنسان حين يمتلك النغم الذي يجعل الآخرين يرقصون على إيقاعه. فالموسيقى في «زلزاليلي» لا تنتهي عند حدود الفن، وإنما تتحول إلى لغة للصراع، واللغة تتحول إلى سلطة، والسلطة تبحث دائمًا عن أدوات جديدة لإعادة إنتاج هيمنتها.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا الذي تتركه الحكاية مفتوحًا هو: إذا كان امتلاك الوتر يعني امتلاك القدرة على فرض الإيقاع، فهل ما تزال شعوب المنطقة تعزف ألحانها الخاصة، أم أنها أصبحت ترقص على أنغام القوى المهيمنة؟ وهل يستطيع البندير، بما يحمله من ذاكرة وهوية وتاريخ، أن يستعيد صوته أمام أوتار العالم الجديد؟

بهذا المعنى، لا تبدو حكاية «عازف الأوتار» حكاية هامشية داخل رواية «زلزاليلي»، وإنما تتحول إلى مرآة مصغرة لفلسفة الرواية في النظر إلى الإنسان والقوة والصراع؛ إذ يكشف الكاتب، عبر الفانتازيا والموسيقى، أن أدوات الهيمنة قد تتغير، لكن الرغبة في امتلاك “النغمة” التي تحرك الآخرين تظل واحدة.
ذ. محمد شيوف.