ترتبط قصص النجاح الشعبوية دائماً بالنجاح الانتخابي، فنجاح فالظاهرة الشعبوية تختبر حين يتم طرح القوة السياسية التي توصم بها لخوض التنافس مع خصومها في صناديق الاقتراع. لذلك تتصاعد نبرة التحدث باسم الشعب واحتكار تمثيله في كل موسم انتخابي، وتزداد وتيرة الاستقطاب والتراشق السياسي إلى الحد الذي يجعل كل طرف سياسي يتسابق نحو التمسح بالشعب والتبرك به، والتنافس على خطب وده، والتزاحم على النطق باسمه.
وهذا ما يحدث في السياق الانتخابي المغربي الذي دائما ما يحبل بمفارقات جمة، مرة تتعلق بتوترات داخلية وحراك اجتماعي، ومرة تمر العملية الانتخابية في سياق إقليمي حرج، ومرة تتعلق برهانات وتحديات سياسية وسوسيو-اقتصادية مستقبلية كما هو الحال مع الانتخابات التشريعية لسنة 2026، التي ستمر في ظل مناخ سياسي فيه عدّة ملفات كبرى من قبيل التنزيل المؤسساتي لمقترح الحكم الذاتي بالأقاليم الجنوبية، وكسب تحدي الاحتضان المشترك لمونديال 2030، وتثبيت مقومات الدولة الاجتماعية، فضلاً عن تحقيق السيادة الغذائية والطاقية. وتُعد هذه الأوراش قضايا معقدة تتقاطع فيها الأبعاد القانونية والسياسية والاقتصادية، والتي ستلقي بظلالها حتماً على مخرجات المحطة الانتخابية القادمة وعلى هندسة التحالفات الحكومية المرتقبة.
في هذا الضوء تأتي الانتخابات المقبلة في ظل إرهاصات شعبوية طالت حتى النخبة التكنوقراطية التي تقدم نفسها على أنها مناهضة للسياسة المبتذلة بما هي خطاب شديد الانفعالية والتبسيط، موجّه لإثارة “المشاعر الغريزية” في الجمهور. وتأخذ الشعبوية في المغرب شكلاً استثنائياً ينبغي البحث فيه من منظور تفسيري تكاملي، وذلك راجع إلى خصوصية التجربة المغربية بما لها من شرعية مركبة بين التاريخ والدين والدستور والإنجاز والانتخاب. وقد أسهم تركيب الشرعية وتعدد مراكز الفعل والقدرة الاستيعابية للنسق المغربي في الحد من قدرة فاعل واحد على احتكار شامل للتمثيل والسلطة. لذلك نجد عدة تعبيرات شعبوية منها ما هو ثابت وآخر متحول/ طارئ يبرز في لحظة الاقتراع الانتخابي ليعيد تعريف الشعب من خلال استراتيجية شعبوية تهدف إلى الوصول إلى السلطة عن طريق تقديم برامج وسياسات انتهازية هدفها الإرضاء السريع للشعب/ الناخبين، ومن ثم “شراء” دعمهم، بدلاً من البحث (بعقلانية) عن “الخيار الأفضل”. ومن أمثلة ذلك تقديم وعود بخفض الضرائب، أو تقديم وعود بمزايا مالية لجميع المواطنين من دون أي تكلفة إضافية. لكن من يقرّر إذا ما كانت هذه البرامج الانتخابية “رصينة” أو “نزيهة” أكثر من كونها شعبوية” أو “انتهازية”؟
الشعبوية في المغرب: خصوصية المفهوم والبنى التي تحكمه
غالبا ما وصف عدة فاعلين سياسيين في المشهد الحزبي المغربي بالشعبوية، وأبرز مثال على ذلك الأستاذ عبد الإله بنكيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، والرئيس السابق لأول حكومة مغربية بعد دستور 2011، الذي جاء كإجابة عن احتجاجات ومطالب الشارع المغربي. وقد عُرف عبد الإله بنكيران بخطابه المثير للجدل الذي يجمع بين العفوية الشعبية والسجال السياسي الحاد بين خصومه السياسيين إلى الحد الذي جعله يوصف بالنموذج الأمثل للشعبوية. لكن هل فعلا يمكن اعتبار الزعيم السياسي عبد الإله بنكيران شعبوي بالمعنى الحقيقي لمفهوم الشعبوية كما هو متعارف عليه عند الجماعة الأكاديمية؟ وهل يقتصر هذا التوصيف في المغرب حصراً على بنكيران؟
تعد الشعبوية مفهوماً يحيل إلى ذلك الخطاب السياسي القائم على مزاج سياسي أو ثقافي غاضب، حيث يحوله إلى نوع من السياسة التي تحتكر تمثيل الشعب والمعبر الوحيد لمصالحه التي تغتالها كل يوم النخبة الفاسدة التي لا تمثل سوى مصالحها. لذلك قبل تحليل ظاهرة بنكيران والشعبوية في المغرب لا بد من تسليط الضوء على هذه الظاهرة التي شكلت هاجساً بحثياً وأكاديميا لدى مجموعة كبيرة من الباحثين، فقد توخى البحث في ظاهرة الشعبوية كشف الغموض الدلالي والمفاهيمي لها، وعلاقتها بالأنظمة السياسية وبالأحزاب والحركات والأفراد. وقد أصبحت موضوعاً ملحّاً في السنوات الآخيرة، مع رواج استخدام مصطلحها في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وحتى في الأوساط الأكاديمية.
تعددت المقاربات المفاهيمية للشعبوية، فهناك من يعرفها كأيديولوجيا ومن يعتبرها أسلوب في التواصل السياسي، وآخر يقدمها كاستراتيجية، في حين هناك من عرفّها كنمط سياسي، وكذلك جرى تعريفها كإطار خطابي. بينما نجد من وصفها على أنها شكل من أشكال التمثيل الديمقراطي، وفي مقابل ذلك عرفها تيار آخر على أنها تعبير لا ليبرالي للديمقراطية. وعلى الرغم من غياب التوافق والوضوح المنهجي في تعريف الشعبوية داخل الجماعة الأكاديمية، إلاّ أنه قلما نجد اختلاف بين الباحثين حول ما يدخل في خانة الشعبوي وما هو غير ذلك.
نجد في السياق المغربي شعبوية متناثرة في الخطاب العام، حيث لا تمثل الشعبوية في المغرب سمة أساسية تطبع المشهد السياسي برمته. بل هناك خطاب شعبوي تغلب عليه الديماغوجية إلى الحد الذي جعل فريق من الباحثين يقول أنه لا توجد شعبوية في المغرب بمعناها الحقيقي.
غالباً ما يتم الارتهان الوجودي للشعبوية بالبيئة الديمقراطية لذلك يتم طرح السؤال التقليدي: هل الشعبوية تهديد للديمقراطية الليبرالية أم تصحيح راديكالي لها؟ هذا السؤال مهم، لكنه لا يكفي لفهم الحالة المغربية؛ لأنه يفترض أن الديمقراطية الليبرالية المستقرة هي الإطار المرجعي الأصلي، وأن الشعبوية ظاهرة طارئة عليه.
في الحالة المغربية، تتشكل الشعبوية داخل سياقات مختلفة تتداخل فيها خصوصية النسق السياسي مع بنية الدولة والمجتمع والشرعية والذاكرة والهوية. بما يجعل ذلك كفيلاً بإنتاج نمط خاص من الشعبوية. لذلك يصبح الحديث عن أزمة دولة حديثة لم يكتمل اندماجها السياسي والاجتماعي بعد، ونظام هجين غير ديمقراطي بالشكل الكامل، بدلاً من الحديث عن أزمة الديمقراطية الليبرالية في الغرب، التي غالباً ما يتم النقاش في سياق أسئلة عن مصيرها والقلق حوله، وحول المكتسبات المؤسساتية والضمانات والحقوق والحريات التي جاءت بها.
لذلك تتحرك الشعبوية في الحالة المغربية على عكس ما يتم تعريفها في الغرب، وذلك وفق عدة متغيرات، من بينها الانتقال من مفهوم الشعب وتعريفه إثنيا إلى الشعب/ الأمة أو الفئات المهمشة التي تسعى إلى العدالة الاجتماعية، ومن النخب الحزبية والمالية والإعلامية إلى الطبقة السياسية والأحزاب. ومن العدو المتخيل في المهاجر والاتحاد فوق الوطني كما هو في أوروبا، إلى العدو المتخيل في الفساد والتدخل الخارجي والنخب المنفصلة عن هموم ناخبيها، وكذلك مصدر الشرعية باعتباره مزيجاً من التاريخ والدين والتحرر الوطني، فضلاً عن موقع الدولة كفاعلة مركزية بالموازاة مع مجتمع محدود الوساطة. ناهيك عن الذاكرة التاريخية المرتبطة بالاستعمار والتحرر والوحدة. وبالتالي تتحدد مآلات هذه الشعبوية بحسب تركيب الشرعية، وقوة المؤسسات الوسيطة، وقدرة النسق السياسي على استيعاب التمثيل الشعبي ومنع احتكاره من طرف زعامة واحدة.
لحظة شعبوية أم لحظة انتخابية؟
أملت الظرفية الاستثنائية التي أعقبت الهزيمة الانتخابية في 8 سبتمبر 2021 عودة عبد الإله بنكيران إلى قيادة الحزب كضرورة ملحة لإنقاذه من فقدان حيويته، واستعادة وزنه السياسي في المعادلة التي تربطه بالدولة والمجتمع. ولم تقتصر هذه الحاجة على الشأن الحزبي الداخلي، بل فرضتها أيضاً متطلبات المشهد السياسي المغربي الذي بات بحاجة إلى خلق توازن جديد، خاصة في ظل الفراغ الذي خلفه غياب شخصية سياسية كاريزمية قوية قادرة على مواجهة حكومة عزيز أخنوش. وفي هذا السياق، ينصبُّ الرهان الأساسي على الأسلوب الشعبوي المتفرد لبنكيران، والذي يصعب على أي فاعل سياسي آخر تقليده؛ إذ يمتلك الرجل قدرة استثنائية عبر خطابه التواصلي على التأثير في جمهوره، إلى حد إقناعهم بالفكرة ونقيضها في آن واحد.
بعدما كانت الانتخابات السابقة لسنة 2021 تعيش نوعاً من الفراغ السياسي وغياب التدافع السياسي ولو من باب التراشق والمزايدات السياسية. تأتي انتخابات مجلس النواب الراهنة في جو من المناخ السياسي الذي أعاد فتح الباب على مصراعيه لرياح الشعبوية، بعضها يتسم بخط شعبوي أصيل يتمثل في عودة الزعيم السياسي عبد الإله بنكيران إلى الساحة السياسية والانتخابية، وعودة خطابه المثير للجدل. بينما يمثل البعض الآخر خطاب شعبوي متناثر وعابر، أو ما يمكن تسميته باللحظة الشعبوية في مواجهة اللحظة الانتخابية.
عبد الإله بنكيران واللحظة الشعبوية
تزداد حدة الخطاب الشعبوي في المغرب إبان الفترة التي تسبق الانتخابات التشريعية الراهنة، وتطبع هذه الفترة التي تسبق الحملة الانتخابية مستويين من الخطاب. يتميز المستوى الأول بشعبوية صريحة يمثلها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران الذي ينطبع أسلوبه بعناصر الشّعبوية، من البساطة في التعبير التي قد تبلغ حالة الإسفاف أحياناً، والتجني على الخصوم والتلويح بالمؤامرة، والتهديد بالخطر، والأنا الممتزجة بالأنا الجمعي، والمزاجية (تبرير التطبيع، والتراجع عنه)، وعدم الاتساق (الإطراء على أخنوش ووهبي، ثم الإزدراء بهم)، والحدّية في الأحكام (تعبير الحمير رداً على خصومه السياسيين والصحفيين)، وبعض القفشات والنكات. فثنائية نحن وهم تظل دائماً حاضرة في أسلوب بنكيران الشعبوي، حيث يسعى من خلال قاموسه السياسي وقدرته الخاصة على تحويل الكلمات الشعبية إلى أدوات للتعبئة السياسية وصناعة صورة الخصم. فمرة يصم خصومه بشكل صريح بالفساد وغياب النزاهة وتضارب المصالح، ومرة يستعمل حمولة شعبوية استعارية لوصف خصومه بشكل غير مباشر كمصطلح “التماسيح والعفاريت”.
وهذا الكيل من الهجوم لم يسلم منه حتى المحيط المقرب من القصر كتعبير “قندوح” الذي وصف به البنية المحيطة بالملك في شخص مستشاريه، بعد أن أعلن لاحقاً سحب هذه الكلمة والاعتذار عنها مع التمسك بكل ما قاله عداها. وعودة بنكيران هنا إلى توظيف مفهوم “التحكم” تشير إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في ما يسمى اليوم بـ »الفراقشية» أي لوبيات المال والأعمال المقربين من الحكومة وأحزابها، وإنما يمتد لما هو أعمق مما له ارتباط بمحيط الملك. حيث يتحوّل “التحكّم” إلى إطار ذهني يختزل تعقيد النسق السياسي في صورة قوة مهيمنة تعطّل التنافس العادي، وهو ما يسمح للحزب بإعادة تقديم نفسه باعتباره فاعلًا إصلاحيًا يشتغل داخل شروط غير متكافئة.
وبالتالي تعكس مسيرة بنكيران السياسية صورة رجل براغماتي بامتياز، أبعد ما يكون عن اتخاذ قرارات انتحارية أو الدخول في مغامرات طائشة. فهو يدرك جيداً كيف يطوع ورقة الضغط السياسي لتصبح مدخلاً لتفاوض ضمني، جاعلاً نصب عينيه هدفاً أساسياً: إما تحصين موقع حزبه ضمن مركب السلطة، أو انتزاع مكانة استراتيجية أفضل له داخل الرقعة السياسية.
من الشعبوية السياسية إلى الشعبوية التكنوقراطية
في مقابل شعبوية بنكيران، برزت منافسة انتخابية بين مكونين من مكونات الأغلبية: حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ويتجلى هذا الصراع في تبادل الاتهامات بين الطرفين حول استمالة الضغط على المنتخبين والبرلمانيين وإغرائهم بالانتقال بين الحزبين، وقد زاد حدة النقاش حينما دخل الوافد الجديد فوزي لقجع إلى غمار العمل السياسي مع حزب الأصالة والمعاصرة الذي خطف الأضواء حتى من قيادييه، حيث يحاول هذا الحزب الحكومي استمالة المزاج السياسي الغاضب عبر إلقاء اللوم على الحزب الذي يقود التحالف الحكومي، ومهاجمة المعارضة لكونها لا تقدم حلولاً واقعية ومدعومة بالأرقام لمعالجة المشاكل الحقيقية في المغرب. هذه الشعبوية التكنوقراطية التي يمثلها هذين الحزبين في صراعهم حول من يمتلك الجدارة والكفاءة لقيادة حكومة المونديال، تتبدى في التسابق حول من يتفوق على الآخر في طرح برنامج انتخابي مغري يخدم اللحظة الانتخابية من أجل استمالة الناخبين. حيث تعتمد على شعبوية اقتصادية كما عرّفها عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما بأنها تروّج لسياسات اقتصادية أو اجتماعية تحظى بشعبية جارفة على المدى القصير، لكنها تؤدي إلى نتائج كارثية على المدى الطويل.
في خطوة غير مسبوقة، قدم حزب الأصالة والمعاصرة وعداً انتخابياً بالغ الجرأة يتمثل في مراجعة جذرية للضريبة على الدخل؛ من خلال إعفاء الأجور الصافية التي تقل عن 15.000 درهم بالكامل، وتقليص الضريبة إلى 10% و20% للشرائح الأعلى، بدلاً من النسب الحالية المنهكة (34%-37%). يضعنا هذا الوعد أمام معادلة اقتصادية معقدة: كيف سيتم تمويل هذا العجز الجبائي الضخم مع الالتزام برفع ميزانية الدعم المباشر والمعاشات؟ إن التلويح بتخفيف العبء الضريبي يلامس عصباً حساساً في بنية المجتمع المغربي، حيث طالما استُخدمت الضرائب كأداة للهندسة الطبقية، تجلت بوضوح في “الإنهاك الاقتصادي” الممنهج الذي طال الطبقة الوسطى خلال العقد الأخير. كما يسلط الضوء على المفارقة الكبرى: مواطنٌ يدفع ضرائب مرتفعة، لكنه يضطر لشراء الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والنقل اللائق من القطاع الخاص. إن طرح هذه المراجعة الضريبية العميقة بجرة قلم يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل يندرج هذا العرض الجبائي في خانة «الشعبوية الاقتصادية» التي تدغدغ جيوب الناخبين بإعفاءات غير قابلة للتمويل، أم أنه يعكس توجهاً سيادياً حقيقياً لتحرير الطبقة الوسطى من العبء الضريبي؟ ستبقى مرحلة ما بعد صناديق الاقتراع المقياس الوحيد لاختبار صلابة هذا الوعد وجديته المالية. والتجمع الوطني للأحرار هو الآخر رفع سقف التحدي، حيث تعهّد برفع الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، إضافة إلى منح إعفاء ضريبي بقيمة 5000 درهم عن كل طفل متمدرس في السنة، في إطار إجراءات تهدف إلى دعم الأسر وتعزيز قدرتها الشرائية، وكل هذا وغيره ضمن برنامجه الانتخابي الموسوم ب”كرامة وفرص للجميع”.
يمكن تفسير هذه الوعود الانتخابية من زاوية الشعبوية الاقتصادية والتكنوقراطية على أن جوهرها هو السعي نحو تقديم وعود بتطبيق سياسات توزيعية سخية (رفع الأجور، إعفاءات ضريبية( مع تجاهل الإكراهات الماكرو-اقتصادية التي كانت تتذرع بها هذه الأحزاب في الحكومة أثناء مواجهتها للمطالب الاجتماعية والنقابية الملحة. كرفض تخفيض الضرائب الاستهلاكية (كالضريبة على القيمة المضافة لبعض المواد الحيوية) بذريعة حماية المداخيل الضريبية التي تعد الركيزة الأساسية لتوازن الميزانية العمومية، وتبرير فتح قطاع الصحة والتعليم للاستثمارات الخاصة لتخفيف الضغط المالي الكلي عن كاهل الدولة، وتبرير التخلي التدريجي عن دعم مواد مثل غاز البوتان، السكر، والدقيق بحجة كلفته الباهظة على ميزانية الدولة التي تؤدي إلى تعميق عجز الميزانية. ويتم تسويق هذه البرامج من خلال تأطيرها بشكل عاطفي وأخلاقي من خلال إقحام مفهوم “الكرامة” مما يجعل أرقام هذه البرامج محصنة ضد النقد التقني أو المؤسساتي؛ فمن يجرؤ على انتقاد عدم واقعية الـ 5000 درهم، سيتم تصويره فوراً على أنه يقف ضد “كرامة المواطن” وضد قدرته الشرائية.
وبناء عليه، إذا كان ثمة شيء يميز هذه الانتخابات، فهو وجود عناصر خطاب خاصة، أبرزها الانتقال من الخطاب الشعبوي السياسي الذي يركز على التقسيم المانوي بين “الشعب الطاهر” و”الإرادة الشعبية” ضد “النخب الفاسدة” و”التحكّم” و”أحزاب الإدارة”، إلى خطاب شعبوي اقتصادي وتكنوقراطي يعتمد على حشو البرامج بتعهدات تروم الرأفة بجيب المواطن والفئات المهمشة، والتلويح بشعار الكفاءة الاقتصادية والحلول التكنوقراطية، بغض النظر عن الأيديولوجيا السياسية والانقسام التقليدي بين اليسار واليمين، أو المحافظين والتقدميين أو الإسلاميين والعلمانيين، ومع ذلك فإن الشعبوية التكنوقراطية ليست قاعدتها في التكنوقراط الأكفاء، ولكنها تتمحور حول القائد، وهي في جوهرها إستراتيجية لنزع الشرعية عن الأحزاب السياسية التقليدية والمجتمع المدني، واستخدام ذريعة الخبرة التكنوقراطية للحكم باسم الشعب.
أما ما يظل ثابتاً في كل انتخابات في المغرب، وما يمكن استنتاجه، ليس طبيعة الخطاب الشعبوي وتلويناته واستخداماته، وإنما ما تكتسبه الشعبوية من خصوصية حينما تتفاعل مع البنى التي تحكم السلطة في النسق السياسي المغربي، حيث لا تسعى لتغيير النسق أو التأثير فيه، بقدر ما تؤول إلى نتيجة واحدة، هي تركيز السلطة والاستيعاب النظامي، حيث تؤدي الشرعية المركبة وتعدد مراكز الوساطة إلى استيعاب الشعبوية وتفكيك احتكارها للتمثيل وإعادة توزيعها بين عدة فاعلين. وهي نتيجة يراها البعض دليلاً على قدرة النظام السياسي في المغرب على إعادة ضبط المشهد السياسي عبر آليات قانونية وإجرائية تجعل السلطة بعيدة عن اتهامات التدخل المباشر في العملية الانتخابية، لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة حول حدود تأثير الانتخابات في صناعة التحولات السياسية الكبرى. وما قد يجلبه ذلك من خيبة أمل المغاربة إزاء مؤسساتهم الديمقراطية، وتفاقم أزمة الثقة فيها وفي العملية السياسية والانتخابية برمتها، وما تنذر به من إذكاء لشبح العزوف ومقاطعة صناديق الاقتراع، وذلك في خضم ظرفية وطنية دقيقة وسياق دولي مطبوع بالاضطرابات.