تُعدّ الحلويات المغربية واحدة من أبرز معالم التراث اللامادي التي تتزين بها موائد المناسبات والأعياد، وتعتبر مدينة تطوان إحدى القلاع التاريخية التي تفننت في صيانة هذه العادة وصناعتها بأيدي حرفيات وحرفيين يبدعون في دقة التفاصيل. غير أن خلف هذه الصور المشرقة وحلاوة المذاق، تتوارى واقعاً اجتماعياً مريراً يعيشه العشرات من العاملين والعاملات في هذا القطاع بالمدينة.
الواقع المعيش: حرمان من الحماية الاجتماعية
في جولة بين عدد من المحلات والورشات المحلية، تبدو المظاهر متشابهة: ساعات عمل طوال، مجهود بدني شاق، والتعامل مع أفران عالية الحرارة، مقابل أجور محدودة تُدفع غالباً بطرق غير رسمية. لكن التحدي الأكبر يكمن في غياب التصريح بالعمال لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، مما يحرمهم من التغطية الصحية، والتعويضات العائلية، والتأمين عن حوادث الشغل أو التقاعد.
تقول السيدة ف، وهي عاملة في إحدى ورشات إعداد الحلوى بتطوان: “نعمل لسنوات طويلة بعقود شفهية فقط. حين نمرض أو نتعرض لإصابة عمل أثناء العمل، نتحمل المصاريف بأنفسنا، وإذا طالبنا بالتصريح أو بتحسين ظروف العمل، نكون عرضة للتخلي عنا في أي لحظة دون أي حماية قانونية”.
هشاشة هيكلية في القطاع
لا يتوقف المشكل عند حدود حالات فردية، بل يشكل ظاهرة هيكلية يشتكي منها المشهد الحرفي والخدماتي في المنطقة. فالعديد من أرباب العمل في هذا القطاع يفضلون الاستمرار في “الاقتصاد غير الهيكلي” للتهرب من الواجبات المالية والحماية الاجتماعية التي تفرضها مدونة الشغل المغربية، مستغلين حاجة اليد العاملة والظروف الاقتصادية الصعبة.
ويرى متابعون الشأن المحلي أن هذا الوضع لا يضر فقط بالحقوق الأساسية للأجراء، بل يؤثر أيضاً على جودة استمرارية الحرفة نفسها؛ إذ يتسبب الاستغلال وعدم الاستقرار المهني في هجرة الكفاءات الحرفية وعزوف الشباب عن تعلم هذه المهنة الأصيلة.
مدونة الشغل والحلول الممكنة
ينص قانون الشغل المغربي على إجبارية التصريح بجميع الأجراء وتوفير الشروط الأساسية للصحة والسلامة المهنية، معتبرة أن العمل غير المباشر أو الموازين الشفهية لا تعفي صاحب العمل من مسؤولياته القانونية.
وفي هدا السياق يرى متابعون للشأن المحلي والاجتماعي ان المعالجة تتطلب:
* تكثيف زيارات المفتشية التابعة لوزارة الشغل لورشات ومحلات إنتاج الحلويات لمعاينة ظروف التشغيل.
* تسريع إدماج القطاع غير الهيكلي ضمن المنظومة الاقتصادية الرسمية عبر تحفيزات تشجّع الصنّاع الصغار على تسوية وضعية أجرائهم.
* توعية العاملات والعاملين بحقوقهم القانونية والآليات المتاحة لتقديم الشكايات والمطالبة بإثبات علاقة الشغل.
يبقى إعداد الحلوى بتطوان مفخرة تراثية وسياحية للمدينة، لكن صيانة هذا التراث تبدأ أولاً بصون كرامة الصانع والاحتفاء بالأيدي التي تغزل هذه الحلاوة يومياً بعرق جبينها.
* فاتحة سبتي، كاتبة مهتمة بالشأن الاجتماعي المحلي