وجهة نظر

قانون الجنسية الإسبانية.. مكسب للصحراويين ومأزق للبوليساريو

عرفت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا، انتقلت معه من فترات التوتر حول الهجرة وسبتة ومليلية وغيرها من الملفات، إلى شراكة استراتيجية أكثر واقعية، كان من أبرز عناوينها الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. لذلك، فإن قانون منح الجنسية الإسبانية للصحراويين يستحق قراءة هادئة تتجاوز منطق “مع المغرب أو ضده” ، خصوصا أن العلاقات بين الرباط ومدريد أصبحت تقوم على مصالح استراتيجية أوسع من ملف الصحراء وحده.

والقراءة التي تختزل القرار في كونه موجها ضد المغرب تبدو، في تقديري، ضيقة. فالجنسية حق قانوني وإنساني، وستمنح المستفيدين منها إمكانات أوسع في التنقل والإقامة والعمل والتعليم، وهي مكاسب مباشرة للصحراويين كأفراد. لكن المفارقة أن هذه الخطوة، رغم استفادة هؤلاء منها، قد لا تكون في المحصلة لصالح جبهة البوليساريو، لأنها تفتح ملفا أكثر حساسية يتعلق بالهوية والإثبات وحقيقة التركيبة البشرية لسكان مخيمات تندوف.

فالأهم في القرار ليس الجنسية وحدها، وإنما الوثائق المطلوبة لإثبات الصلة بالإقليم. وإذا كانت البوليساريو تقدم جميع سكان مخيمات تندوف حاليا باعتبارهم صحراويين من أبناء الإقليم، فإن الانتقال من الخطاب السياسي إلى الإثبات القانوني والوثائقي سيضع هذه الرواية أمام اختبار عملي جديد، من دون أن يعني ذلك التشكيك المسبق في أي فرد أو إصدار أحكام جماعية على سكان المخيمات.

وهنا تبرز أهمية القرار بالنسبة إلى قضية الإحصاء التي ظلت المملكة المغربية تطالب بها منذ عقود. صحيح أن الجنسية الإسبانية ليست إحصاء أمميا ولا تعوض العملية التي يفترض أن تضطلع بها الأمم المتحدة، لكنها قد تنتج، بصورة غير مباشرة، معطيات ووثائق فردية يمكن أن تساعد على تحديد من تتوفر لديه صلة موثقة بالإقليم، وهو ما قد يقلص تدريجيا مساحة الغموض التي أحاطت بملف سكان المخيمات.

كما أن الروابط القبلية والعائلية العابرة للحدود لا تكفي وحدها لإثبات الولادة أو الإقامة التاريخية في الإقليم خلال الفترة المعنية بالقانون. وهذا التفريق مهم جدا، لأن الانتماء إلى قبيلة صحراوية شيء، وإثبات الإقامة والولادة والنسب بالوثائق شيء آخر. ومع دخول الملف مرحلة قانونية، ستصبح هذه الفروق أكثر حضورا وأهمية.

ومن هنا قد تواجه البوليساريو معضلة حقيقية: فإذا ساعدت في إثبات صلة أعداد كبيرة من سكان المخيمات بالإقليم، فإنها ستساهم عمليا في إنتاج معطيات أكثر دقة حول الأسر والأنساب والتركيبة السكانية؛ وإذا حاولت توسيع دوائر الانتماء العائلي والقبلي لتشمل أشخاصا لا تتوفر بشأنهم أدلة كافية، فإنها قد تعرض الملف برمته لمزيد من التدقيق. ولذلك فإن قوة القانون ستتوقف، في جانب كبير منها، على صرامة الإدارة الإسبانية في فحص الوثائق وسلاسل النسب والإثباتات.

ولا يمكن استبعاد احتمال أن تحاول جهات مستفيدة من الوضع القائم توسيع بعض الأسر أو إعادة تركيبها بإضافة أشخاص لا تثبت صلتهم بها، والأكيد أن أي محاولة لإغراق الأسر الصحراوية بأشخاص غرباء عنها بهدف الاستفادة من القانون ستكون، إن حدثت، أمام اختبار الوثيقة والتحقق، وقد تؤدي بدل حماية الرواية القائمة إلى زيادة الشكوك حولها.

ومن هذه الزاوية، فإن الاحتفاء بالقرار باعتباره انتصارا سياسيا للبوليساريو يحتاج إلى قدر من التريث. فقد يكون المستفيد المباشر هو الصحراوي الذي سيحصل على وضع قانوني وحرية أكبر في التنقل، لكن المستفيد السياسي غير المباشر قد يكون من يدفع باتجاه كشف الحقيقة الديموغرافية وتحرير الأفراد من الاحتكار السياسي والوثائقي. وهنا تحديدا قد تجد البوليساريو نفسها أمام واقع جديد لم تكن ترغب في الوصول إليه.

لذلك، فإن المطلوب من الدكاترة والباحثين والمحللين والصحفيين قراءة هذا التطور بأكبر قدر من الهدوء والموضوعية، بعيدا عن الانفعال والتصنيف السريع. فالقضية ليست في الجنسية وحدها، وإنما في ما قد ينتج عنها من وثائق وإثباتات وحرية حركة ومعطيات حول السكان. وإذا ساهمت هذه العملية في توضيح حقيقة التركيبة البشرية للمخيمات، وتوسيع خيارات الصحراويين، وتقليص مساحة الغموض التي استمرت لعقود، فإن القرار لن يكون موجها ضد المغرب، بل قد يصبح، في المحصلة، عاملا يخدم الحقيقة والحل السياسي الواقعي، وينسجم بصورة غير مباشرة مع مشروع الحكم الذاتي الذي تطرحه المملكة المغربية.