مقدمة
أفاق الفرنسيون صبيحة يوم الأربعاء 12 غشت من هذه السنة على خبر سرقة آلاف المعطيات الشخصية الضريبية، بلغ عدد الأشخاص الذين مَسَّهم هذا الاختراق 678.000 مُرْتَفِق، نفذت هذه الهجمة مجموعة تُدعى ZeroBytes عبر اختراق تقنية VPN (virtual private network) المستعمل من طرف موظفي إدارة الضرائب، إذ تُتِيحُ هذه الشبكة الافتراضية الخاصة الوصول إلى أجهزة الكمبيوتر البعيدة كما لو كنت متصلاً بالشبكة المحلية. فهي تمكنك من الوصول إلى الشبكة الداخلية (شبكة الشركة، على سبيل المثال) أو إنشاء شبكة نظير إلى نظير (peer-to-peer). هذه الشبكة الافتراضية الخاصة تسمح عادةً بالاتصال عن بعد وبشكل آمن بأجهزة الإدارة الداخلية، وهو ما يُسائل مستوى أَمْنِهَا مادام العيب التقني قد ثَبُتَ عليها.
المثير في الاختراق هو بيع المعطيات في السوق السوداء للويب Dark web بِبِضعة آلاف مِنَ “اليوروهات” كأي سلعة غير باهظة الثمن، إلا أنها سُيُعَاد بَيْعُهَا عبرَ وُسَطَاء لترتفع قيمتها تِباعاً كلما تمكن المخترقون من بيعها لعدة أشخاص. تَمَّت عملية بيع قاعدة البيانات فعلا يوم الأحد الماضي، فيما أكدت المجموعة المُخترِقة أن آخرِين تواصلوا معها للحصول على المعطيات موضوع السرقة، وحتى لحظة كتابة نص هذا المقال لازالت المعطيات معروضة للبيع.
تم اكتشاف اختراق المعطيات بفضل إعلان المخترقين مسؤوليتهم عنه في منتدى مخصص على الإنترنت المظلم. نفذ “مُجْرِمُو النت” Cybercriminels هجمتهم من خلال حصولهم على رُمُوز تسجيل الدخول لثلاثة أشخاص على الأقل: أحدهم يعمل في جهة حكومية غير المديرية العامة للمالية، والثاني في إدارة الضرائب، والثالث لديه صلاحية الوصول إلى البيانات – ربما يكون مسؤولاً منتخباً، وفقاً لوزارة الاقتصاد والمالية. وقد حَجَبَت الوزارة البوابات الإلكترونية المخصصة لهاتين الجهتين، بالإضافة إلى شبكة الإنترنت الداخلية للإدارة العامة التي تُتِيحُ الوصول عن بُعد إلى بيئة العمل.
معطيات ذات حساسية عالية
شَمِلت المعطيات المسروقة كُلاًّ من أسماء المرتفقين وبريدهم الإلكتروني ورقم هاتفهم وعنوانهم الشخصي، ثم الدخل الضريبي المرجعي، ونسبة الاقتطاع من المنبع، ودخل الأسرة الواحدة. أما بالنسبة للشركات فقد سُرِّبت البيانات المتعلقة بالنظام التعريفي للسجل الخاص بالمقاولات (SIREN). ما يزيد القضية تعقيدا هو أن الاختراق شمل الوصول للسجلات العقارية ما يعني معرفة مِساحة الأراضي وعناوينها بدقة.
تَتَبدَّى جسامةُ اختراقٍ من هذا النوع في الخطورة التي يمكن أن يتعرض لها الأشخاص المُسَرَّبةِ مُعطياتهم، أول هذه المخاطر هي سلامة المسكن؛ إذ أصبحت آلاف عناوين المنازل مُتَاحة للعموم في النت الأسود مما قد يمنح فرصة لِمُمْتَهِني اقتحامات البيوت خاصة أن ممتلكات الأفراد كُشِفَتْ بهذا الاختراق. والخطر الثاني الأكثر شيوعا هو انتحال هوية من طرف سارق المعطيات لكسب منافع كَدفْعِ الضحية إلى القيام بتصرفات لتوهمه بوجود مشروع.
لِنَضْرب مثلا على المداهمات حين تكون نَابِعة من اختراقٍ للمعطيات لنَتَبَيَّنَ حَجْمَ خُطورتها، فقد داهم شخص مجهول منزلا في نونبر من العام الماضي، مُعْتَمِداً على المعطيات الشخصية المسربة، التي منحته معلومات دقيقة حول ضَحِيَّتِه، حيث اقتحم المنزل ليلا وقَصَدَ غايته، سَرَقَ خَزْنَتَيْنِ ثم غادر بسرعة في عمليةٍ دامت دَقائِقَ معدودة. كان يعلم الجاني أن ضحيته تمتلك مُسَدَّسين مُرَخَّصٌ لهما من الجهة المختصَّة. عِلَّةُ هذا الجُرْمِ هو اختراق للمعطيات الشخصية للاتحاد الفرنسي للرماية كان في أكتوبر 2025، جعل معطيات المنتسبين له في سوق النت الأسود، حصل السارق عليها ثم اختار ضحيته بعناية.
حين تغدو المعطيات الشخصية قضية دولة وسيادة
لا تتوقف قضية بهذا الحجم عند تدخل الإدارة المعنية بالاختراق فقط، بل سرعان ما تغدو قضية دولة بأكملها لأنه مَسَّ أمْنهَا المعلوماتي وسيادتها الوطنية الرقمية. هذا ما يفسر تدخل رئيس الوزراء بشخصه وصِفَته لتشكيل خلية أزمة مكونة من موظفين من الوكالة الوطنية الفرنسية لأمن المعلومات، المكلفة بالتدخل الفوري في حال الاشتباه بوقوع انتهاكات خطيرة تهدد الأمن المعلوماتي الحكومي. الأبعد من ذلك هو دعوة البرلمانية Mathilde Panot عن حزب فرنسا الأبية بالبرلمان {مجلس النواب} إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لتضطلع بمهمة إيجاد الأجوبة الشافية عن مَكْمَن الخلل المُسَبِّب في الاختراق واستنتاج المسؤوليات الواجب تحملها من الجهات المعنية. فَيَتِمُّ اللجوء لهذا النوع من التحقيقات البرلمانية للفصل في القضايا الإشكالية التي لم يُفتح فيها متابعة قضائية ولفَحْصِ تَدْبِير المرافق أو الشركات العامة للسَّير الجيد للإدارة العمومية.
تتكشَّفُ الغاية من التحقيق البرلماني بناء القصة الحقيقية وراء وقوع الحدث، بالخروج من ضبابية الصورة إلى وضوحها، من التباس تقدير ما حصل إلى رفع الحجاب عن معطيات غائبة بين تفاصيل اليومي في الإدارة قد تكون هي أصل المشكل. هذا التحقيق إذاً هو بحث عن المعطيات ووصول للمعلومة غير المتاحة للعموم. وبتعبير المرسوم الفرنسي رقم 58-1100 لسنة 1958: “تُشَكَّلُ لِجَانُ التحقيق لجمع المعلومات، بهدف تقديم الاستنتاجات للمجلس الذي أنشأها”. يستتبع هذا التحقيق ترتيب المسؤوليات التي قد تبلغ إلى إحالة الأفعال المشتبه فيها أنها جرائم إلى النيابة العامة، دون أن يكون الحق لِلَجنة التحقيق الحق في إضفاء الوصف القانوني على الأفعال التي يطالها الشَّكُّ الجُرْمي. نفس المُكنة منحها دستور 2011 بالمغرب الذي يتيح لرئيس المجلس إمكانية إحالة تقرير اللجنة للقضاء.
رقابة مجلس الشيوخ
بَادَرَ مجلس الشيوخ إلى القيام برقابة على الاختراق من خلال عُضْوَيْهِ في شخص رئيس لجنة المالية Claude Raynal عن الحزب الاشتراكي و Jean-François Husson عن الجمهوريين، لمُحَاوَلة كشف ملابسات الاختراق واستفسار الإدارة عن الإجراءات التي اتخذتها للحد منها وتفاديها في المستقبل. حيث أطْلَعَ البرلمانيين مجلس الشيوخ عن مُخرَجات هذه الرقابة عبر رسالة خطية مؤرخة في 4 من سبتمبر، واستند تقريرهُمَا على مراسلات مع وزير الحِسَابات العامة وعلى جلسة استماع للمديرة العامة للمالية العمومية (DGFIP) Amélie Verdier في الأول من نفس الشهر.
حسب التقرير المرفوعِ للمجلس، استهدف الهجوم الأول، الحاصل في الفترة من 23 إلى 25 يونيو، تطبيق “التواصل الإلكتروني” التابع للمديرية العامة للمالية العمومية، والمستخدم للتواصل بين الموظفين والمرتفقين. استخدم المخترق في البداية بيانات اعتماد موظف حكومي من وزارة التربية الوطنية للوصول إلى الشبكة الحكومية المشتركة بين الوزارات، والتي تربط شبكات الحاسوب الخاصة بمختلف المصالح الحكومية. ثم استعمل بيانات اعتماد مُوَظَّفِين؛ أي هُويتهم وأرقامَهُم السرية لدخول المنصة الخاصة بهم المُسمَّاة ADER، التي تتيح للإدارات الشَّرِيكَة الوصول إلى تطبيقات معينة تابعة للمديرية العامة للضرائب. وبهذه الطريقة، تمكن من الاطلاع على معلوماتٍ تتعلق بالوضع الضريبي للمرتفقين واستخراجها.
أشارت المديرة العامة للمديرية للمالية العمومية خلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ، إلى أن كلمات مرور الموظفين المعنيين “سُرقت على الأرجح بواسطة بَرمَجِيَات خبيثة موجودة على أجهزتهم الشخصية”، والتي تمكنوا عَبْرَها من الوصول إلى تطبيقات ضريبية مُعَيَّنَة.
لم تكتشف المديرية العامة للمالية العمومية هذا الاختراق الأول إلا في 12 من غشت بعد أن أعلن المخترقون مسؤوليتهم عن ذلك، إذ أثرت عملية السرقة هذه على ما يقارب 350 ألف فرد و250 ألف مهني. وشملت البيانات المخترقة أرقام التعريف الضريبي، والحالة الاجتماعية، ومعلومات الاتصال البريدية والهاتفية، وعناوين البريد الإلكتروني، والوضع الضريبي، والرسائل المتبادلة مع السلطات الضريبية. هذا ووقع حادثان آخران في الأسابيع التالية. تضمن الحادث الثاني، الذي وقع في الفترة من 27 يوليوز إلى 8 غشت، وُلُوجاً احتيالياً إلى خادم « serveur » بيانات السجل العقاري، وذلك عبر بوابة تابعة لشركاء خارجيين لمصلحة الضرائب الفرنسية. واستخدم المخترق حسابًا مخترقًا لمَسَّاحٍ عقاري. وأثرت البيانات المسروقة على ما يقارب 435 ألف مَسْكَن. أما الحادث الثالث، فقد وقع في 17 غشت، وتضمن وُلُوجاً احتيالياً إلى تَرِكَاتٍ شاغرة. في هذه الحالة تحديداً، كان الأمر عبارة عن “ثغرة تقنية تؤثر على البوابة المعنية”، وفقاً لردود الوزير على أعضاء مجلس الشيوخ.
في ظلّ التَّزايد المُقلقِ للهجمات الإلكترونية، يُسلّط تقرير مجلس الشيوخ الضوء على العديد من نقاط الضعف الهيكلية في أنظمة المعلومات التابعة للمديرية العامة للمالية العمومية. ويكشف تقرير مجلس الشيوخ أن أحد أبرز نقاط الضعف هو انتشار قنوات الولوج إلى تطبيقات وبيانات المديرية. فَضلاً عن ازدِيَاد تبادل المعلومات بشكلٍ ملحوظٍ في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بتكثيف الجهود لمكافحة الاحتيال. وبينما يُقرّ أعضاء مجلس الشيوخ بأهمية هذه التبادلات بين مختلف الإدارات، فإنهم يرون ضرورة إيجاد توازنٍ أفضل بين تدفق المعطيات وأمن الوصول إليها. وهذا في جوهره أحد الدروس المستفادة من حادثة تطبيق “التواصل الإلكتروني” « e-contact ».
ويُوضح تقرير مجلس الشيوخ أن المدير العام للمديرية يعتزم تعزيز متطلبات الأمن المُطبّقة على هذه التبادلات والتواصل بين مرافق الدولة المتعددة، حتى وإن كان سيُؤدي إلى التقليل من سلاسة الولوج إليها وتبادُلِهَا للمعطيات، ومن المُقرر أيضاً إجراء تقييم للمخاطر قريباً.
ثغرة أمنِيَّة إلكترونية قديمة
لا يقتصر الخطر على انفتاح وزارة الاقتصاد والمالية (Bercy ) على الوزارات الحكومية الأخرى، بل تُشير تحقيقات مجلس الشيوخ أيضًا إلى أن قنوات الاتصال “انتشرت بشكل كبير لموظفي المديرية العامة للمالية العمومية، لا سيما خلال الأزمة الصحية {كورونا}، دون إغلاقها لاحقاً”. ويُشير تقرير مجلس الشيوخ إلى ذلك باعتباره “مصدراً إضافياً للثغرات الأمنية، حيث تكون الأجهزة الشخصية أكثر عرضة للبرمجيات الخبيثة”. بعد ثلاث عمليات اختراق خلال الصيف، أوقفت المديرية العامة للمالية العامة الوصول إلى أدواتها من الأجهزة الشخصية للموظفين.
كما يكشف الاختراق الذي هَمَّ أداة “الاتصال الإلكتروني” وخادم بيانات السجل العقاري عن ثغرة أمنية أخرى. لم تكن هناك آلية مُفعّلة للكشف التلقائي عن حجم غير طبيعي من عمليات الولوج للمنصة أو استخراج للمعطيات من قواعد البيانات، وقطع الوصول عند الضرورة إلى الحسابات التي تشهد نشاطًا غير معتاد. وأبلغ الوزير David Amiel أعضاء مجلس الشيوخ بأنه سيتم نشر أنظمة الكشف السريع، مع إعطاء الأولوية للتطبيقات التي تعالج معطيات ذات حساسية عالية. فيما يتعلق بتطبيق إصلاح الفواتير الإلكترونية مؤخرًا، أشارت وزارة الاقتصاد والمالية إلى وضع حصص للاستشارات الإلكترونية، مع نظام إيقاف تلقائي أو تنبيه في حال رصد أي نشاط غير معتاد.
كما ستعزز وزارة الحسابات العامة إمكانية الوصول إلى تطبيق “التواصل الإلكتروني” من خلال نظام مصادقة ثنائية أو التحقق الثنائي La double authentification ، الذي كان يفتقر إليه سابقًا؛ فبالإضافة لكلمة المرور المعتادة التي كان يحتاجها الموظف لولوج المنصة، يتطلب هذا النظام عُنصر تحَقُّقٍ ثانٍ قد يكون رمزاً يُرسل لمرة واحدة عبر رسالة نصية قصيرة SMS أو بريد إلكتروني، أو إشعاراً يتم التحقق منه على تطبيق هاتف مخصص (مثل Google Authenticator أو Microsoft Authenticator).
وقد أكد الوزير لأعضاء مجلس الشيوخ أنه سيتم تعزيز إجراءات تسجيل دخول موظفي الضرائب. وستزيد المديرية العامة من استخدامها لِتِقنيةِ الاختراق الأخلاقي Le piratage éthique » « لتحديد الثغرات الأمنية المحتملة، فهي الاستخدام المُصَرَّحُ بِهِ والمِهَني لتقنيات القرصنة لتحديد وإصلاح نقاط الضعف الأمنية قبل أن يتمكن مجرمُو النِّتْ من استغلالها.
وبشكل عام، تهدف سلطات الضرائب إلى تحسين الأمن من خلال ثلاثة محاور: تأمين الولوج، وتحسين قدرات كشف الهجمات، وتعزيز التدريب السيبراني لموظفي الضرائب بتنظيم دورات تكونية دورية تَتَغَيَّا الرفع من المستوى المعلوماتي للعنصر البشري بالإدارة المعنية. هذا وأعلنت لجنة المالية بمجلس الشيوخ أنها ستراقب عن كثب تَتَبُّعَ تنفيذ هذه الإجراءات.
ارتفاع حاد في الهجمات الإلكترونية المستهْدِفة لإدارة الضرائب
تُبرز البيانات التي جمعها أعضاء مجلس الشيوخ حقيقةً مُقلقة، كون الهجمات الإلكترونية التي رصدتها مصلحة الضرائب الفرنسية تتزايد بشكل ملحوظ. فقد أبلغت المصلحة عن 6972 هجوماً من هذا النوع سنة 2025، مقارنةً بـ 2579 هجوماً سنة 2023، ويمثل هذا زيادةً تُقارب 170% خلال عامين. وتتسارع هذه الظاهرة، فبحلول نهاية غشت 2026، تم رصد 7810 هجمات منذ بداية العام، متجاوزةً بذلك إجمالي الهجمات المسجلة سنة 2025. ويُشير هذا إلى زيادة في محاولات الاختراق، و”تحسن في قدرات الكشف”، وفقاً للمصلحة.
تكشِفُ رقابة لجنة المالية بمجلس الشيوخ أيضا أنه لا يوجد دليل يربط بين الحادثتين موضوع التحقيق، واللتين تبنَّتْهُما الجهة المهاجمة نفسها، وبين جماعات مُنظمة أو دولة أجنبية. كما لا يوجد أي رابط واضح بين هذه القضية والهجوم الإلكتروني الذي استهدف السجل الوطني للحسابات المصرفية وما في حكمها (FICOBA) في نهاية يناير.
هذا وقد أبرزَت اللجنة أنها لن تكتفي بهذا التقييم الأولي، بل أشارت إلى احتمال إجراء “عمليات تدقيق أوسع نطاقًا في الأسابيع المقبلة، تركز على اختراق أجهزة الكمبيوتر، وسرقة الهوية، وتسريب المعطيات”.
التحقيق القضائي
أعلن مكتب المدعي العام بِبَارِيس يوم السبت 15 غشت عن فتح تحقيق من قبل قسم الجرائم الإلكترونية التابع له بشأن سرقة المعطيات إِثْر خرق النظام المعلوماتي الخاص بمديرية الضرائب « Bercy ». التحقيق سيشمل التحري في الأفعال التالية: “استخراج بيانات بطريقة احتيالية من نظام آلي لمعالجة المعطيات الشخصية تابع للدولة”. كما يتعلق التحقيق أيضاً ” بتشكيل عصابة إجرامية لارتكاب جريمة يُعاقب عليها بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات”، المحدد في المادة 450-1 من القانون الجنائي الفرنسي- المادة 293 من مجموعة القانون الجنائي المغربي.
ما يُضفي على القضية طابعاً طريفاً هو أن المشتبهَ فيه الذي تم توقيفه في الخامس من شتنبر يبلغ من العمر 18 سنة بل وثَبُتَ أنه متورط كذلك في عمليات اختراق قديمة سنة 2024 قام بها وهو قاصر لا يتجاوز 16 سنة، المتمثلة في قَرْصنة حسابات « X » والقناة الإخبارية « BFM TV » وإذاعة « RMC ».
تم التعرف على المشتبه فيه والمعروف باسم “ChatNoir”، كعضو في مجموعة “Epsilon” للقرصنة، وذلك وفقًا لما أفاد به مصدر مطلع على القضية، مؤكدًا بذلك المعلومات التي نشرتها صحيفة “لوموند”. في قضية شركة “Free”، التي تضرر فيها ما يقرب من 19.2 مليون زبون جراء اختراق كبير أو تَسَرُّب ضخم للمعطيات، وكان عمره آنذاك 16 عاماً وقت ارتكاب هذه الجرائم.
أما المشتبه فيه الثاني في تحقيق مديرية الضرائب بشأن الهجوم الإلكتروني، فهو قاصر دون السادسة عشرة من عمره يُعرف باسم “Casquette”، كان معروفًا أيضًا بانتمائه إلى جماعة “Epsilon”عام 2024. أُطلق سراحه الأسبوع الماضي بعد احتجازه في إطار التحقيق في الهجمات المنسوبة إلى مجموعة “ZeroBytes” على مصلحة الضرائب الفرنسية (DGFIP) ريثما يتم تحليل أجهزته الحاسوبية، ثم استُجوِب مجدداً وَوُجِّهت إليه التُّهَم رسمياً يوم الجمعة 4 شتنبر في قضية “Epsilon”. والمثير في هذا المتهم أيضا أنه لم يكن قد بلغ الرابعة عشرة من عمره وقت وقوع الأفعال الجُرمية التي يشملها هذا التحقيق.
أُلقي القبض على الشابين في إطار التحقيق في عدة هجمات إلكترونية تبنتها مجموعة “ZeroBytes”هذا الصيف. ويُعتقد أن المشتبه فيه، البالغ من العمر 18 عامًا، هو أحد منفذي الهجمات، التي استهدفت بشكل خاص مصلحة الضرائب الفرنسية (DGFIP)، ما أسفر عن سرقة معطيات وملفات تخص ما لا يقل عن 678 ألف فرد وشركة. وقد تم إيداعه قَيْدَ الاعتقال الاحتياطي، هذا وسَيَتِمُّ التحقيق في مُجريات هذه القضية تحت إشراف قاضي التحقيق.
موقع سلطة الضبط من الاختراق
أُحِيطَت علما الهيئة الوطنية للمعلوميات والحريات (CNIL) بهذا الاختراق في حينه من طرف المديرية العامة للمالية، ثم أصدرت بلاغا تخبر فيه عُمُومَ الضَّحَايَا بعدم التقدم بشكاوى فردية في القضية لأن المؤسسة المعنية بالاختراق قامت بالأمر سلفاً، إلا في حال كان للضحية معلومات محدَّدَة ستفيد التحقيقات الجارية.
هذا وتحافظ الهيئة الوطنية للمعلوميات والحريات على حقِّهَا في إجراء التحقيقات، سواء من خلال مراجعة الوثائق أو عَبْرَ عمليات تفتيش ميدانية، للتحقق على وجه الخصوص، من مدى توافق التدابير الأمنية المطبقة مع أفضل الممارسات التقنية في مجال أمن تكنولوجيا المعلومات. وفي حال حدوث انتهاكات للنظام العام الأوروبي لحماية المعطيات الشخصية (RGPD) أو قانون المعلوميات والحريات الفرنسي، يجوز للهيئة فرض عقوبات على المسؤولين عن معالجة المعطيات الشخصية والمُعَالِجِين من الباطن الذين لا يلتزمون بالقواعد التي ألزمهم بها المشرع.
هذا فضلا عن إصدار سلطة ضبط المعطيات توصيات وَجَّهتها للضحايا:
_ طالبت منهم مراقبة أي نشاط مشبوه يتعلق ببياناتهم الشخصية عامة والضريبية على وجه الخصوص.
_ اتباع الممارسات الفنِّيَة للأمن المعلوماتي، بما في ذلك التحقق المُنتظِم من الحسابات الشخصية للمرتفق بالمنصة، والإبلاغ عن أي خَلَلٍ فني تَمَّ رصدهُ.
_ الحذر من محاولات التَّصَيُّد الاحتيالي التي لا تتوقف عن تطوير وسائلها مُسْتَخدِمةً البيانات الشخصية للتحايل على الضحية المرتقبة كاستعمال طلباتٍ عاجلة عبر البريد الإلكتروني أو الهاتف.
الإجراءات الآنية المتخذة
فور اكتشاف هذه الاختراقات، علّقت المديرية العامة للمالية العامة الفرنسية (DGFIP) الوصول إلى جميع الحسابات المستخدمة في الحوادث المحددة. هذا وفي أطوار التحقيقات الجارية، تم اتخاذ تدابير أمنية إضافية على الفور، بما في ذلك إيقاف الوصول الوقائي إلى أنظمة المعلومات الحساسة. وتستمر التحقيقات لتحديد طبيعة وحجم البيانات المستخرجة بدقة، بالإضافة إلى عدد المستخدمين المتضررين.
تواصلت المديرية العامة للمالية الفرنسية مباشرةً مع كل فرد من الأفراد والمهنيين المتضررين ابتداءً من هذا الأسبوع الأخير من شهر غشت. تَلَقَّوْا معلومات فردية عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل تحدد البيانات التي ربما تم الوصول إليها أو استخراجها، والاحتياطات اللازم اتباعها. كما ستقدم المديرية العامة للمالية العامة الفرنسية شكوى وستنشر المزيد من المعلومات مع تقدم التحقيق.
موقعُ الضَّحية في مسار الأحداث
اجتمع مئات ضحايا الاختراق بمبادرة من أحد المحامين لينصبوا أنفسهم في دعوى قضائية جماعية ضد الدولة للمطالبة بالتعويض جراء الضرر الحاصل. هذا ويُلْقَى على عاتِقِهِم اثبات صفة الضحية لتجتمعَ أركان الدعوى المرفوعة، إذ يشعر معظمهم بالضرر المعنوي جرَّاءَ تواجد معطياتهم في الأنترنيت المظلم. مستندين على المادة 82 من النظام الأوروبي لحماية المعطيات الشخصية التي تنص على أنه يحق لكل شخص تعرض لضرر مادي أو معنوي نتيجة لخرق هذا النظام الحصول على تعويض من المسؤول عن معالج المعطيات الشخصية، أو من المعالج من الباطن.
تؤيد محكمة العدل الأوروبية هذا التوجه في اجتهاداتها، إذ ما تنفك تؤكد على هذا المبدأ الذي لا ينتظر حصول الضرر واقعا، بل مجرد تخوف الضحية من تعرضه للاحتيال أو فُقدانه السيطرة على معطياته الشخصية كافٍ لإثبات الضرر. حيث أقَرَّت المحكمة المذكورة في قرارٍ لها رقم CJUE du 14 décembre 2023 (C-340/21) التفسير الذي ينبغي أن تفهم فيه الفقرة الأولى من المادة 82، إذ جاء فيه أن هاته الفقرة يتوجب تفسيرها وِفق دلالةِ أن خوف صاحب المعطيات الذي يعاني منه بعد انتهاك هذا النظام (RGPD) من إساءة استعمال بياناتهِ الشخصية من طرف الغير من المُرجح أن يشكل ضررا معنويا في حد ذاته.
خاتمة
تذكرنا هذه القضية بالذي حصل بالمغرب قبل عام ونيْف حين تعرض صندوق الضمان الاجتماعي للاختراق فكانت المعطيات الشخصية للآلاف من المواطنين تُتَدَاول في الوسائط المعلوماتية خاصة مواقع التواصل الاجتماعي، ثم تكرر هذا الاختراق قبل ستة أشهر من اليوم لكنه كان هذه المرة أقوى من الأول حيث يُحتمل سرقة ما يقَارب ثلاثة ملايين معطى شخصي لمنخرطين في نظام CNOPS الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي. أبانت المؤسسات في الحالتين معاً عن عجز في تسطير الإجراءات الأولية التي ينبغي أخذها على وجه السرعة، كما تعذَّر على المواطنين تَتَبُّع مُجريات الإجراءات المتخذة من السلطات المعنية، مما أبرَزَ عجزا آخر تواصليا هذه المرة. إِذْ من المهام الملْقاةِ على الإدارة أو الشركة موضوع الاختراق ثم سلطة الضبط هو طَمْأَنَةُ الضحايا المُحْتملين والتواصل معهم يوما بيوم كلما جَدَّ جديدٌ يهدد سلامة معطياتهم أو سلامتهم الشخصية نتيجة لهذا الاختراق. ويتأتى هذا الدور بِحثِّهم على الاحتياطات اللازم اتباعها كلما بَلَغَهُم بريد إلكتروني أو رسالة هاتفية، وغيرها من الطُّرقِ الاحتيالية المُبتَكَرَة.
صحيح أن المغرب من ناحية تِرسانته القانونية وتواجد سلطة الضبط يحتل الصدارة مقارنة بِدُوَلِ المنطقة، إلا أنه في المنظور الدولي يدخل زُمرة الدول متَوَسِّطة الحماية لها إطارها القانوني الخاص بحماية المعطيات الشخصية الذي لم يدخُل بعد مرحلة الاندماج في مستجدات قواعد المطابقة كما تعرفها الساحة القانونية الدولية، الغربية على الخصوص. أما في الجانب الفني المحض فالدولة تسارع الزمن لِرَأبِ الصدع تِقْنِيّاً بتأسيسها مَركزاً وطَنِياً لعمليات الأمن السيبراني في يونيو من هذه السنة، يرْسُمُ لنفسِه رهانَ المراقبة القبلية للمؤسسات وفق مقاربةٍ استباقية وقائية في المقام الأول. سالكاً منهجَ معالجة الثغرات الأمنية في المنصات الرقمية ومُواءَمَة البُنى التحتية الرقمية مع المعايير الدولية، ثم اعتماد مقاربة دراسة المخاطر بوضع خريطة لها تحدد نوعها وطبيعتها وسُبُل تفاديها، وهذا من خلال جعل الأمن السيبراني بَوْصَلَةً في مشاريع تطوير أو اقتناء أنظمة معلوميات جديدة.