المعجم السياسي المغربي: من صراع الأفكار إلى لغة الشارع
وجهة نظر

المعجم السياسي المغربي: من صراع الأفكار إلى لغة الشارع

تقف التجربة السياسية والدستورية المغربية أمام مفارقة بنيوية دالة؛ فالمسافة الفاصلة بين معجم الحقل السياسي إبان عقدي الستينيات والسبعينيات والقاموس المتداول حاليا لا تقاس بمجرد توالي الحقب الزمنية، بل تكشف عن تناقض صارخ بين طبيعة النص الدستوري ومنسوب نضج الفاعل الحزبي. لقد استطاع جيل التأسيس في الحركة الوطنية—رغم سياق الاحتقان، وحالة الاستثناء، وثقل سنوات الرصاص—الارتقاء بالتدافع السياسي إلى مستوى رفيع من التأصيل المعرفي، عبر مساءلة جوهر فصل السلط، وطبيعة نظام الحكم، والتأويل الديمقراطي للوثيقة الدستورية؛ في حين عجزت نخب مرحلة ما بعد وثيقة فاتح يوليوز 2011—على الرغم من حيازتها إطارا معياريا متقدما يكرس ربط المسؤولية بالمحاسبة ويوسع صلاحيات رئيس الحكومة والبرلمان—عن صيانة وقار الممارسة المؤسساتية، فانحدر الخطاب العام نحو قاموس دارج ومشحون، طغت عليه استعارات من قبيل «التماسيح والعفاريت» و«الفراقشية»، وتوصيفات تبخيسية أطلقها مسؤولون مثل «المداويخ»، وملاسنات استعلائية اختزلت الفعل العمومي في مقولات رصدها الرأي العام كـ «نعاودو ليهم التربية»، و«باه لاباس عليه»، و«معرفة التقاشر».

مرحلة التأسيس: صراع الأفكار الكبرى وبناء الدولة

عقب استقلال البلاد ومباشرة بناء مؤسسات الدولة الحديثة، تميزت الساحة السياسية بهيمنة نخب حقوقية وفكرية تدرجت في أحضان الحركة الوطنية وصفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والعمل النقابي. وكان التدافع متمحورا حول قضايا الهيكلة المؤسساتية؛ حيث اعتبر الفاعل الحزبي نفسه مؤطرا ومثقفا ينهض بوظيفة التكوين السياسي للمواطنين. وفي هذا السياق السياسي المحتدم، لخص المهدي بن بركة جوهر المعركة بكونها صراعا بين مفهومين لا ثالث لهما: «مفهوم دولة عصرية ديمقراطية وتقدمية، ومفهوم نظام تيوكراطي إقطاعي يعمل على إحياء الهياكل البدائية للمجتمع التقليدي للإبقاء على الامتيازات ومقاومة المسلسل التنموي» (1). وفي المقابل، بادر المستشار الملكي أحمد رضا اكديرة إلى تقعيد الممارسة المباشرة للحكم في افتتاحية جريدة Les Phares مؤكدا: «الملك هو صاحب السلطة، فلا يأتي الأمر إلا منه وهو الذي يحصل على طاعة الأمة؛ فلماذا لا يمارس بطريقة مباشرة السلطة التي هو المالك الوحيد لها؟» (2).

وارتباطا بهذا التجاذب النظري، صاغت المعارضة الوطنية مفاهيم مهيكلة أضحت مراجع في فقه القانون الدستوري؛ فجرى التشديد على مطلب “المجلس التأسيسي المنتخب”، وصيغ مفهوم “الدستور الممنوح” لمقاطعة مشروع 1962 (3)، ترسيخا لقاعدة دستورية تعتبر أن السيادة للأمة تمارسها عبر ممثليها، وليست عطاء يمنح بإرادة فوقية. ولم يتردد الزعيم علال الفاسي في مواجهة التضييق الذي طال صحافة حزبه عقب انتخابات 1963 بالتذكير بمقولة جمال الدين الأفغاني عبر صفحات جريدة La Nation africaine: «يمكن أن يعيش الشعب بدون ملك، ولكن لا يمكن أن يعيش الملك بدون شعب» (4). وتكامل هذا الطرح مع فتوى الفقيه محمد بن العربي العلوي برفض دسترة الوراثة تقييدا لمبدأ البيعة والشورى التعاقدية (5). وحين أعلنت “حالة الاستثناء” عام 1965 وعطل البرلمان، وقف رئيس مجلس النواب آنذاك الدكتور عبد الكريم الخطيب ليعلن موقفه الدستوري التاريخي الحاسم: «إن حالة الاستثناء تعلن لتفرض احترام المؤسسات الدستورية وليس لتقضي عليها.. هذا تأويل متعسف وغير دستوري للفصل 35، وإنه باب مفتوح للتعسف في استعمال السلطة» (6).

ولم تكن تلك المواقف مجرد مناورات ظرفية، بل كانت تعبيرا عن استعداد للتضحية بالحرية في سبيل المبدأ؛ وهو ما تجسد حين حوكم عبد الرحيم بوعبيد والقيادة الاتحادية أمام المحكمة الابتدائية بالرباط في شتنبر 1981 إثر رفضهم لتوصيات قمة نيروبي بإجراء استفتاء في الصحراء المغربية، ليعلن بوعبيد في مرافعته أمام القضاء: «إن الحكم الصادر ضدنا شرف لنا، وإذا كان قول الحق والدفاع عن وحدة الوطن جريمة تقود إلى السجن، فمرحبا بالسجن» (7).

مرحلة التسعينيات: لغة الحوار والإنقاذ الوطني

مع مطلع التسعينيات، فرضت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والتحولات الدولية الانتقال إلى منطق التوافق لتيسير انتقال العرش؛ فتشكلت “الكتلة الديمقراطية” عام 1992 كجبهة توازن سياسي، وتفاعلت القوى الوطنية مع خطاب جلالة الملك الحسن الثاني داخل البرلمان محذرا من وصول البلاد إلى “السكتة القلبية” عام 1995 (8)، مما مهد لمراجعة دستور 1996. وكان جلالة الملك الراحل قد أوضح سلفا حدود التأويل الملكي لفصل السلط في خطابه لافتتاح الدورة التشريعية في 13 أكتوبر 1978 بتأكيده أن «فصل السلطات لا يمكن أن يشمل المسؤولية العليا لأمير المؤمنين، فالسلطات تخضع لمراقبة الله ثم مراقبة من ولاه الله أمور المسلمين، ثم مراقبة المنتخبين» (9)، مجددا في خطابه بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء في 6 نونبر 1994 أن «الوزير الأول يقترح الوزراء ولا يعينهم، ولا يوجد في الدستور ما يلزم الملك بقبول ما يقترحه» (10).

إلا أن ذلك لم يحل دون تمسك المعارضة بجدوى الممارسة الديمقراطية واستقلالية القرار؛ حيث جسد امحمد بوستة، الأمين العام لحزب الاستقلال، هذا الموقف المبدئي في يناير 1995 برفضه قيادة حكومة التناوب مع الإبقاء على إدريس البصري في الداخلية، مصرحا بصرامة: «لا يمكن لحكومة تقودها المعارضة أن تحكم وتتحمل مسؤوليتها أمام الشعب، وهي محاصرة بوزارة داخلية تملك صلاحيات فوق الحكومة» (11)، مفضلا البقاء في صفوف المعارضة على تسلم حكومة صورية منزوعة الصلاحيات.

وحين نضجت شروط “التناوب التوافقي” عام 1998 وقبلت الكتلة قيادة الجهاز التنفيذي، حرص الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي على ضبط البوصلة الأخلاقية للتجربة في كلمته الافتتاحية: «إننا لم نأت لتقاسم الغنائم أو توزيع الحقائب، بل جئنا في مهمة إنقاذ وطني لإخراج البلاد من أزمتها» (12). ورغم خضوع التجربة لثقل “وزارات السيادة”، فإن الخطاب السياسي ظل محافظا على سمته المؤسساتي، متوجا في عهد جلالة الملك محمد السادس بمفاهيم “المفهوم الجديد للسلطة” والعدالة الانتقالية عبر هيئة “الإنصاف والمصالحة”. وحين برز الخلاف الدستوري عقب انتخابات 2002 بتعيين وزير أول تكنوقراطي، احتج اليوسفي بمفهوم قانوني وسياسي وازن وصفه بـ “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” (13).

ما بعد 2011: تراجع لغة النصوص لصالح لغة التبرير

شكلت المصادقة على وثيقة 2011 وتولي حزب العدالة والتنمية قيادة الجهاز التنفيذي تحولا تواصليا كسر التقاليد المرعية للخطاب المؤسساتي؛ إذ تراجع العمل الحكومي عن لغة القانون والبيانات الرسمية الرصينة، مفسحا المجال لـ “الدارجة السياسية” ومنطق الفرجة الشعبية. والمفارقة هنا تكمن في أنه في الوقت الذي ارتقى فيه الدستور بموقع رئيس الحكومة من مجرد “وزير أول منسق” إلى رئيس سلطة تنفيذية كاملة الصلاحيات محكوم بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، اختار عبد الإله بنكيران النكوص عن لغة النصوص والآليات الدستورية؛ فدشن ولايته عام 2012 بمقولة «عفا الله عما سلف» (14)، معتبرا إياها تسوية شفهية لتفادي فتح ملفات الماضي، في خطوة عدها فقهاء القانون نسفا صريحا للمبدأ الدستوري القاضي بالمحاسبة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل برر تنازله الصريح عن صلاحيات الفصلين 47 و88 بمقولته المتكررة أمام مناضلي حزبه: «أنا رئيس حكومة جلالة الملك، وما جيتش نتنازع مع الملك في صلاحياته» (15)، مختزلا السلطة التنفيذية في وظيفة المساعد تفاديا للمواجهة. وكرس خلفه سعد الدين العثماني هذه العقيدة التبريرية بلازمته الشهيرة: «حنا ما عندناش عصا سحرية» (16)، في انسحاب واضح من تقديم الحلول البرامجية التنموية في مواجهة احتجاجات الشارع.

وعوض إعمال الصلاحيات التنفيذية لمواجهة مراكز الريع والضغط، لجأ بنكيران إلى الاستعارات الغيبية الحكائية عبر مصطلح “التماسيح والعفاريت” (17)، واصفا إياها بقوى خفية تعرقل عمله دون أن يملك الجرأة على تسميتها للرأي العام. وامتد هذا التسطيح ليشمل النكوص عن مقتضيات المناصفة المنصوص عليها في الفصل 19 من الدستور، حين صرح بنكيران في جلسة المساءلة الشهرية للسياسات العامة بمجلس النواب مخاطبا النساء بأن «المرأة مثل الثريا، إذا خرجت انطفأ البيت» (18)، مما أثار غضب الحركة النسائية والحقوقية التي اعتبرت الخطاب تشييئا للمرأة واختزالا لدورها المجتمعي.

وتوج هذا المسار بنقل التدافع السياسي إلى حقل لصوصية المواشي؛ حيث ظهر بنكيران في لقاء تواصلي حزبي بدكالة وهو يروي بأسلوب حكائي ساخر أنه تعلم كلمة «الفراقشية» إبان فترة اعتقاله بالسجن (بدرب مولاي الشريف وغيره)، موظفا الكلمة في تحليل السياسة العمومية لاتهام الحكومة الحالية بتبديد أموال دعم استيراد أضاحي العيد لصالح كبار المستوردين المقربين، معتبرا أن الدعم لم يخفض الأسعار على المواطنين بل تحول إلى “ارتشاء انتخابي” وسرقة للمال العام تشبه سرقة قطاع الطرق للبهائم (19).

انحدار النقاش العام: من مقارعة الحجة إلى المشاحنات ولغة الشارع

أفرز هذا النمط حالة عامة من التردي اللغوي، تداخل فيها التبخيس الصريح للمواطنين مع الاستقطاب المفتعل؛ فتولى إلياس العماري، الأمين العام الأسبق لحزب الأصالة والمعاصرة، تأجيج الاستقطاب الإيديولوجي بصك شعار «جئنا لنواجه الظلاميين»، في حين تحولت مقولته التبريرية لثروته السريعة: «بديت بـ 500 درهم فالرباط» إلى مادة للسخرية الرقمية والتندر الشعبي (20). وفي المقابل، قاد حميد شباط حقبة من الاتهامات داخل قبة البرلمان في جلسة عامة مطالبا رئيس الحكومة علنا بتوضيح صلاته المزعومة بـ «الموساد وداعش»، ليرد عليه بنكيران باستهزاء متهكما على أسلوبه ومعتبرا إياه «أعجوبة الزمان» (21).

كما بلغت الفرجة الاحتجاجية ذروتها حين أخرج حميد شباط الخلاف السياسي إلى الشارع بتنظيم مسيرة بالرباط في شتنبر 2013 احتجاجا على نظام “المقايسة”، وظفت فيها شبيبة حزبه الحمير في مشهد استعراضي غير مسبوق، بعدما ألبست ربطات عنق ووضعت على رؤوسها تيجان كتبت عليها لازمة رئيس الحكومة الشهيرة: «واش فهمتني ولا لا»؛ وهو ما عده محللون تشبيها رمزيا مباشرا لرئيس الجهاز التنفيذي بالحمار ومؤشرا خطيرا على انحدار الخطاب السياسي نحو الابتذال والتهريج، مستدعيا ردا متهكما من بنكيران اعتبر فيه أن استقدام الدواب للاحتجاج «أضحك فينا العالم» (22). وتجاوز الأمر حدود الشأن الداخلي إلى إشعال أزمة دبلوماسية كبرى مع الجارة الجنوبية إثر تصريح شباط بأن «موريتانيا تاريخيا أرض مغربية» (23)، وهو ما استدعى تدخلا ملكيا عاجلا وصدور بلاغات تبرؤ رسمية لتدارك ما نجم عن زلة لسان زعيم حزبي.

ولم تكن النخب التكنوقراطية والوزارية بمنأى عن هذا التراجع؛ إذ بلغ ازدراء المواطنين المنتقدين مداه حين وصف وزير الاقتصاد والمالية الأسبق محمد بوسعيد ملايين المقاطعين بـ «المداويخ» تحت قبة البرلمان (24)، معتبرا الفعل الاحتجاجي ضربا من الدوار والغفلة. وفي مشهد غير مسبوق في الأعراف الوزارية، نزل الوزير المكلف بالحكامة لحسن الداودي ليلا ليتظاهر أمام البرلمان حاملا علبة حليب ومرددا وسط عمال شركة تجارية خاصة شعار «سنطرال ولاد الشعب!» لمواجهة حملة المقاطعة، وهي السابقة التي عجلت بإنهاء مهامه (25).

وتعمق هذا السلوك الاستعلائي مع الأغلبية الحالية؛ فتجلى في المشهد الانفعالي لرئيس الحكومة عزيز أخنوش وهو يخطب في لقاء حزبي بميلانو، مصرحا بنبرة حادة بأن القضاء ومؤسسات العدالة وحدها لا تكفي لمعاقبة من ينتقدون ويهينون المؤسسات، مؤكدا بحركات يده الغاضبة أن «المغاربة اللي ناقصاهم التربية خصنا نعاودو ليهم التربية ديالهم» (26)، متجاوزا واجب الإنصات الدستوري إلى تقمص دور المؤدب للمجتمع. وتكرر الموقف ذاته حين حاصر الصحفيون وزير العدل عبد اللطيف وهبي أمام مقر وزارته بأسئلة حول شبهات الزبونية في امتحان المحاماة وتفوق ابنه، فرد بابتسامة فوقية مستعرضا امتيازه العائلي: «ولدي عندو جوج إجازات فـ مونريال، باه لاباس عليه وخلص عليه وقراه فالخارج!»، منهيا تصريحه بتهكم على السؤال (27). وامتدت هذه النبرة السلطوية إلى الميدان حين ظهر وهبي في مقطع مصور بتارودانت وهو يقاطع مسؤولا محليا ويشير إليه بيده محتدا: «أنا وزير العدل وسلطة التنفيذ هو أنا، وكنعرف كلشي وكنعرف حتى لون التقاشر اللي لابس!» (28). وفي المنحى ذاته، نعت رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي منتقديه في لقاء حزبي بـ «المرضى النفسيين»، منخرطا في ملاسنات شخصية متبادلة وصف فيها بـ «الذيب الشارف» (29).

وفي صفوف المعارضة، تباينت الخيارات؛ فبينما حاول نبيل بنعبد الله ترشيد النقاش بصياغة مصطلح “التحكم” لتوصيف الهيمنة الإدارية على الخريطة الحزبية—قبل أن يتدحرج في حواره الصحفي إلى شخصنة الصراع بمقولته: «مشكلتنا ليست مع البام كحزب، بل مع من أسسه ويوجد وراءه»، وهو ما أعقبه صدور بلاغ حازم من الديوان الملكي— (30)، ونبه إدريس لشكر إلى اختلال التوازن بانتقاد “تغول الأغلبية” بعد انتخابات 2021 واحتكارها للجهات والمجالس الترابية (31)، اضطر محمد أوزين للالتفاف على تبعات واقعة عشب المجمع الرياضي بالاعتماد على معارضة زجلية ساخرة تصف الأغلبية بكونها «طايحة فالحْصْلة ماشي فالحصيلة» ومنافسا في لغة “الكلاشات” (32)، فيما تشبثت نبيلة منيب بخطاب اليسار الراديكالي الداعي إلى “الملكية البرلمانية” وفضح ما نعتته بـ “دكاكين الأحزاب الانتخابية الفاقدة للأخلاق” (33).

جذور الأزمة: كيف تحول الفاعل الحزبي من مناضل إلى “مقاول”؟

تفسر السوسيولوجيا السياسية هذا التناقض البين بين اتساع النص الدستوري وتراجع النخبة الحزبية عبر أربعة محددات بنيوية مترابطة:

1. تبدل النخب وصعود “أصحاب الشكارة”: في مرحلة ما قبل 2011، كانت القيادات نتاج التكوين في كليات الحقوق والفلسفة والانخراط في الدينامية النقابية؛ في حين أسفرت عقود من بلقنة الحقل الحزبي وتفكيك أدوار الوساطة عن صعود نخب ريعية، وأعيان انتخابيين، ورجال أعمال يفتقرون إلى التأصيل الفكري والتجربة السياسية، فعوضوا العجز النظري باللجوء إلى الدارجة الهابطة والتراشق الشخصي.

2. استنفاد الصراع الدستوري وسيادة منطق الغنائم: بعدما استوعب دستور 2011 المطالب التاريخية للكتلة الديمقراطية (فصل السلط، إقرار الأمازيغية، صدارة الحزب الفائز، وتوسيع مجال القانون)، عجزت الأحزاب عن الانتقال من منطق المعارضة الاحتجاجية إلى ممارسة الحكم وصناعة السياسات العمومية، فتحول التنافس من صراع مجتمعي حول برامج التنمية إلى تسابق على الحقائب وتوزيع ريع المواقع داخل التحالفات، في نكوص صريح عن مبدأ التناوب كأداة للإنقاذ الوطني.

3. توظيف الاستعارة للتملص من ربط المسؤولية بالمحاسبة: يشكل الهروب إلى مفردات كـ “العفاريت” و”الفراقشية” و”عفا الله عما سلف” أداة لتبرير الفشل التدبيري؛ حيث يمنح الفاعل الحزبي نفسه صك البراءة بادعاء مواجهة قوى خفية مجهولة أو مسايرة التوازنات، معفيا نفسه من واجب تقديم كشف حساب مرقمن وموضوعي أمام البرلمان والرأي العام.

4. ضغط الفضاء الرقمي وتكريس “ثقافة البوز”: في البيئة الرقمية المعاصرة، تراجعت مكانة الصحافة الحزبية والبيانات الموزونة لفائدة خوارزميات المنصات التي تكافئ العبارات الصادمة والملاسنات السريعة، مما حول الفاعل الحزبي من مؤطر للوعي العام إلى باحث عن نسب المشاهدة والتفاعل العابر على حساب هيبة المؤسسات الدستورية.

خاتمة
يكشف هذا التحول المعجمي من رفعة “الدستور الممنوح” وتضحيات بوعبيد والخطاب التأسيسي لليوسفي إلى قاموس “الفراقشية” و”المداويخ” و”نعاودو التربية” عن معضلة حقيقية تمس جوهر البناء الديمقراطي في المغرب؛ فبينما اغتنى النص الدستوري بصلاحيات متقدمة، ضمرت حمولة النخب الحزبية وقدرتها على الارتقاء بالتواصل العمومي.

إن اللغة السياسية ليست ترفا شكليا، بل هي الدعامة الأخلاقية التي تبني ثقة المواطن في مؤسسات بلاده؛ وحين تتنازل النخب عن لغة العقل الدستوري لفائدة السجال السطحي والفرجة الشعبوية والملاسنات الفردية، يفرغ التمثيل الحزبي من نبل غاياته، وتتعمق أزمة العزوف الانتخابي، مما يهدد ركائز التأطير الديمقراطي للأجيال الصاعدة.