أدب وفنون

“نازا”.. فيلم يوثق شهادات إسرائيلية عن استهداف المدنيين عمدا في غزة والاحتلال يتوعد مخرجيه

فاز الفيلم الوثائقي “NAZA”، للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل سزور، بالجائزة الخاصة للجنة التحكيم ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثمانين من مهرجان البندقية السينمائي الدولي، بعد عمل استند إلى شهادات 24 مصدرا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية بشأن آليات تحديد الأهداف في قطاع غزة والخسائر المدنية المصاحبة للغارات.

وأعلن مهرجان البندقية، الذي اختتمت دورته الـ83 يوم السبت 12 شتنبر 2026، منح الوثائقي الجائزة الخاصة للجنة التحكيم، في وقت ذهبت فيه جائزة الأسد الذهبي لأفضل فيلم إلى “Woman Unknown” للمخرجة ماي الطوخي، بينما حصل فيلم “Possible Love” للمخرج الكوري الجنوبي لي تشانغ دونغ على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم.

وكان “NAZA” الوثائقي الوحيد ضمن الأفلام الـ21 التي تنافست في المسابقة الرسمية للمهرجان، بعدما أضيف إلى البرنامج في غشت الماضي. وشهد عرضه الأول في البندقية، يوم 10 شتنبر، استقبالا لافتا، إذ وقف الجمهور مصفقا لنحو 25 دقيقة، في واحدة من أطول فترات التصفيق المسجلة في تاريخ المهرجان.

ولم يمر تتويج العمل دون إثارة جدل سياسي واسع في إسرائيل، إذ دعا وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي ميكي زوهر إلى سحب الجنسية الإسرائيلية من المخرجين يوفال أبراهام وراشيل سزور، متهما إياهما بـ”الخيانة ضد الدولة”.

وقال زوهر، في موقف نشره عقب فوز الفيلم، إنه سيتحرك من أجل سحب الجنسية من المخرجين، متهما إياهما بالسعي إلى “الإضرار بوطنهما” من أجل الحصول على الاعتراف والتصفيق في الخارج. وانضم إليه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ومسؤولون وسياسيون إسرائيليون آخرون في مهاجمة صانعي العمل.

غير أن سحب الجنسية لا يدخل ضمن الصلاحيات المنفردة لوزير الثقافة، إذ تتطلب المسطرة القانونية الإسرائيلية تقديم الطلب من وزير الداخلية وموافقة وزير العدل، ثم مصادقة القضاء عليه. وتسمح القوانين الإسرائيلية بإسقاط الجنسية في حالات محددة مرتبطة، من بينها، بالخيانة والتجسس وبعض الجرائم المرتبطة بالإرهاب، غير أن تطبيق هذا الإجراء يظل نادرا.

ويمتد “NAZA” على 80 دقيقة، وهو من إنتاج مؤسسة “The Guardian” البريطانية و”JW Films” للمنتج جيمس ويلسون، مع مشاركة المخرج جوناثان غليزر كمنتج تنفيذي، فيما يعد أبراهام وسزور من بين صناع وثائقي “No Other Land”، الفائز بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي سنة 2025.

ويستند الفيلم الجديد إلى مقابلات مع 24 شخصا من داخل الجيش وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، من بينهم جنود وضباط وعاملون في المجالات الاستخباراتية والتقنية، تحدثوا دون الكشف عن هوياتهم عن أنظمة المراقبة واختيار أهداف الغارات الجوية في قطاع غزة.

وصورت المقابلات ليلا فوق أسطح مبان في تل أبيب، مع إخفاء هويات أصحاب الشهادات، فيما ركز المخرجان على إبراز التناقض بين استمرار الحياة اليومية في المدينة الإسرائيلية والدمار الذي كانت تتعرض له غزة على بعد عشرات الكيلومترات.

ويعود اسم “NAZA” إلى مصطلح تستخدمه المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية للإشارة إلى العدد المتوقع للضحايا المدنيين أو ما يوصف بـ”الأضرار الجانبية” المصاحبة لتنفيذ غارة جوية على هدف معين.

وتعرض شهادات الفيلم كيفية احتساب عدد المدنيين الذين قد يسقطون خلال عملية استهداف شخص أو موقع، فيما تحدث بعض المصادر عن اعتماد أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي وتحليل كميات كبيرة من بيانات الهواتف والمراقبة للمساعدة في التعرف على الأهداف.

ونقلت وكالة “رويترز” عن ضباط ظهروا في الفيلم حديثهم عن نظام مدعوم بالذكاء الاصطناعي يعتمد على بيانات مستخرجة من آلاف الهواتف المحمولة، فيما قال أحد المصادر إن معلومات بسيطة مرتبطة بوجود شخص مشتبه فيه في المنزل كان يمكن أن تدخل ضمن المعطيات المؤدية إلى تنفيذ غارة جوية.

ويذهب الفيلم أبعد من ذلك، إذ يقدم شهادات تزعم أن وقوع أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين كان يؤخذ ضمن حسابات بعض عمليات الاستهداف وليس مجرد نتيجة غير متوقعة للغارات.

وقدم أحد المصادر داخل الفيلم ادعاء لافتا مفاده أنه جرت في إحدى الحالات الموافقة على مستوى من الخسائر المحتملة يصل إلى 500 مدني من أجل استهداف عنصر واحد من حركة حماس. ويبقى هذا الادعاء شهادة واردة في الفيلم ولم يتسن التحقق منها بشكل مستقل، فيما يرفض الجيش الإسرائيلي مجمل الصورة التي يقدمها العمل عن سياساته في غزة.

وخلال تسلمه الجائزة في البندقية، انتقد أبراهام الهجوم الذي تعرض له العمل في إسرائيل قبل مشاهدته، معتبرا أن هناك محاولات لعدم مواجهة ما يجري على الأرض.

وقال المخرج إن ضباط الاستخبارات الذين تحدث إليهم صناع الفيلم وصفوا عمليات القتل الواسعة بأنها نتيجة لمنظومة وسياسات وليست مجرد حوادث عرضية، مشددا في الوقت ذاته على أن الصحافيين الفلسطينيين وثقوا منذ بداية الحرب جزءا كبيرا مما وقع في غزة.

وأكد أبراهام، عقب فوزه، أهمية مشاهدة الإسرائيليين للفيلم، فيما دعا صناع العمل كذلك الجمهور في الولايات المتحدة والدول الأوروبية الداعمة لإسرائيل إلى الاطلاع على الشهادات التي يقدمها.

في المقابل، أصدر الجيش الإسرائيلي، يوم 11 شتنبر، ردا رسميا على الفيلم أعلن فيه رفضه “القاطع” للاتهامات الواردة فيه، وشكك في إمكانية التحقق من شهادات المصادر التي اعتمد عليها بسبب إخفاء هوياتها.

وقال الجيش إن عدم الكشف عن هوية المتحدثين يحول دون التحقق من خدمتهم الفعلية داخل القوات المسلحة أو طبيعة الوظائف التي اضطلعوا بها ومدى ارتباطها بالملفات التي تحدثوا عنها، معتبرا أن بعض المزاعم المتعلقة بالاستراتيجية العسكرية تتجاوز، بحسب موقفه، مستوى المعرفة الذي يمكن أن يتوفر لجنود في رتب محدودة.

كما رفض الجيش تصوير الأضرار غير المقصودة الناجمة عن هجمات وصفها بالقانونية على أنها عمليات قتل متعمدة، مؤكدا أنه يتخذ إجراءات لتقليل الخسائر في صفوف المدنيين، بينما يقدم الفيلم، استنادا إلى شهادات المشاركين فيه، رواية مختلفة بشأن طريقة تحديد الأهداف وحجم الخسائر التي كانت تقبل بها المؤسسة العسكرية خلال بعض العمليات.

وجاء الجدل الجديد بعد نحو عام ونصف من فوز أبراهام وسزور، إلى جانب باسل عدرا وحمدان بلال، بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي عن “No Other Land”، الذي تناول هدم منازل الفلسطينيين وعنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

ويمنح تتويج “NAZA” في البندقية زخما دوليا جديدا للعمل، بعدما حولته الجائزة وشهادات المصادر العسكرية والاستخباراتية التي يتضمنها إلى مادة جدل داخل إسرائيل وخارجها، بين صانعيه الذين يقدمونه بوصفه محاولة لكشف الآليات الداخلية للحرب في غزة، والجيش الإسرائيلي الذي يرفض الاتهامات المركزية الواردة فيه ويطعن في إمكانية التحقق من مصادره المجهلة.