تميز المغرب خلال العقود السابقة، بقاعدة سكانية واسعة من الأطفال والشباب، نتيجة ارتفاع الخصوبة سابقا. لذلك كانت الفئات الشابة تمثل ثقلا كبيرا داخل الهرم السكاني. غير أن هذا الوضع بدأ يتغير بوضوح، فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، أصبحت نسبة السكان في سن 15–59 سنة نحو 59.7%، مقابل 26.5% دون 15 سنة و13.8% في سن 60 سنة فأكثر. كما ارتفع عدد الأشخاص البالغين 60 سنة فأكثر من نحو 3.17 ملايين سنة 2014 إلى 5.03 ملايين سنة 2024، وهو مؤشر قوي على تسارع الشيخوخة الديمغرافية.
لذلك يمكن القول إن المغرب كان، ولا يزال نسبيا، مجتمعا ذا وزن شبابي مهم، لكن لم يعد من الدقة وصفه اليوم بأنه «بلد شاب» بالمعنى الديمغرافي التقليدي. فالهرم السكاني بدأ ينتقل من هرم ذي قاعدة عريضة إلى هرم أكثر استقرارا وأقرب إلى الشكل الانتقالي، بفعل انخفاض الخصوبة وارتفاع أمد الحياة. وقد أكدت المندوبية السامية للتخطيط أن الهرم السكاني المغربي بدأ فعلا في الاتجاه نحو الشيخوخة. فالقوة العددية للشباب لا تعني بالضرورة أن الشباب 18–24 سنة هم الفئة الانتخابية الأكبر أو الأكثر حضورا في اللوائح الانتخابية. بل يمكن أن تكون الكتلة الانتخابية الأكثر أهمية اليوم هي الأجيال التي أصبحت في 25–44 سنة، أي جيل الشباب السابق الذي انتقل إلى سن العمل وتكوين الأسر.
من هنا تظهر مفارقة مهمة تتمثل في أنه حتى مع تراجع الوزن الديمغرافي للشباب بالمعنى التقليدي، يزداد الوزن السياسي والرمزي للشباب في الخطاب السياسي الرسمي أو الحزبي العام. ولذلك فإن تركيز السلطة والأحزاب على الشباب لا تفسره فقط الأرقام الديمغرافية، بل بالأساس العوامل السياسية.
1- تركيز الخطاب السياسي الرسمي والحزبي على الشباب
إن تركيز الخطاب السياسي الرسمي والحزبي في المغرب على الشباب ليس مجرد اختيار لغوي أو انتخابي عابر، بل يعكس تحولات ديموغرافية واجتماعية وسياسية عميقة.
1.1 الشباب يمثل «المستقبل السياسي» أكثر مما يمثل مجرد كتلة عمرية
يتقاطع الخطاب الرسمي وخطاب الأحزاب في التركيز على الشباب والتشبيب. لكن هذا الخطاب السياسي حين يتحدث عن الشباب لا يخاطب فقط من هم بين 18 و24 سنة، وإنما يقدم الشباب باعتباره رمزا للمستقبل والتجدد والاستمرارية. لذلك أصبح من الصعب على أي حزب أو مؤسسة رسمية أن يقدم نفسه باعتباره موجها إلى الماضي فقط. فخطاب مثل تشبيب المؤسسات، وتمكين الشباب، وإدماج الشباب، وإعطاء الفرصة للشباب يمنح الفاعل السياسي صورة الحداثة والتجدد.
كما أن مشاكل الشباب أصبحت من أكثر مصادر التوتر الاجتماعي وضوحا. فالمندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن معدل البطالة لدى شريحة 15–24 سنة بلغ 36.7% في عام 2024، مقابل 13.3% على المستوى الوطني. ففي سنة 2026 أصبح موضوع الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتلقون تكوينا (NEET) أكثر وضوحا؛ إذ تقدر المندوبية عددهم في الفئة 15–29 سنة بنحو 2.9 مليون شاب، أي قرابة واحد من كل ثلاثة شباب.
وبالتالي، فقد تحول الشباب من «ثروة ديمغرافية» إلى مشكلة إدماج اجتماعي واقتصادي ينبغي على الدولة والأحزاب التعامل معها. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الشباب فئة انتخابية مهمة، حتى لو لم تكن كلها تشارك انتخابيا. فالشباب مهم انتخابيا ليس فقط لأنه يصوت، بل أيضا لأن عزوفه عن التصويت أصبح قضية سياسية بحد ذاته.
لذا تواجه السلطة والأحزاب معادلة سياسية صعبة تتمثل في أنه كلما اتسعت الفجوة بين الشباب والمؤسسات السياسية، أصبح الشباب أقل ميلا للمشاركة، لكن أصبح أكثر أهمية في خطاب المؤسسات التي تريد استعادة هذه المشاركة. لذلك نجد خطابا متكررا حول التسجيل في اللوائح الانتخابية، والمشاركة، والتشبيب، وإشراك الشباب، والمرشحين الشباب.
2-1. الشباب أصبح جمهورا سياسيا مقلقا
تعتبر فئة الشباب الفئة الأكثر اتصالا بوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية. وبالتالي لم يعد الحزب يستطيع مخاطبته فقط عبر المهرجان الانتخابي والخطاب الحزبي التقليدي. بل أصبح عليه أن يخاطبه عبر الفيديو القصير، والصورة، والمؤثرين، واللغة غير الرسمية، وأحيانا حتى الرقص والموسيقى والرموز الشعبية.
أي أن تشبيب الخطاب لا يعني فقط تشبيب المرشحين، بل تشبيب أسلوب ممارسة السياسة نفسها. فعندما تقول الدولة أو الأحزاب: نريد إشراك الشباب، فهي لا تتحدث فقط عن سياسة اجتماعية؛ بل تبعث رسالة مفادها أن المؤسسات السياسية قادرة على تجديد نفسها واستيعاب الأجيال الجديدة.
ولهذا فإن وجود الشباب في البرلمان، والأحزاب، والمجالس المنتخبة، ومواقع القرار يصبح رمزا على حيوية النظام السياسي. وفي المقابل، فإن عزوف الشباب أو نفوره من الأحزاب يمكن أن يقدم باعتباره دليلا على وجود أزمة في العلاقة بين المجتمع والسياسة.
فالشباب يحمل في داخله عدة قضايا سياسية دفعة واحدة. فهو مدخل إلى عدة قضايا اجتماعية كالتشغيل؛ والتعليم؛ والسكن؛ والهجرة؛ والصحة؛ والعدالة الاجتماعية؛ والمشاركة السياسية؛ والمساواة بين الجنسين؛ والتفاوت بين المجال الحضري والقروي.
لذلك فإن الحديث عن الشباب يسمح للفاعل السياسي بتجميع عدد كبير من الملفات المختلفة داخل خطاب واحد. بالإضافة إلى ذلك، فقضايا الشباب بالمغرب تختزن بعدا أمنيا وسياسيا لا ينبغي تجاهله. فحين تكون هناك كتلة واسعة من الشباب تواجه البطالة أو الإقصاء أو ضعف الأفق الاجتماعي، فإنها تصبح أيضا موضع اهتمام من زاوية الاستقرار الاجتماعي.
وهذا لا يعني اختزال الشباب في مشكلة أمنية، وإنما يعني أن الدولة تدرك أن الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب جزء من إدارة الاستقرار السياسي والاجتماعي.
وهنا تكتسب قضية NEET أو «الشباب بدون» أهمية خاصة، لأن المندوبية السامية للتخطيط تصف الظاهرة باعتبارها تحديا هيكليا، مع تفاوتات كبيرة حسب الجنس والتعليم ومكان الإقامة.
وبالتالي، فإذا كان الشباب في مغرب الستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن 20 مهما لأنه كان يمثل الجزء الأكبر من الهرم السكاني؛ ففي المغرب الحالي أصبح مهما لأنه يمثل الجزء الأكثر حساسية من حيث المستقبل والانتظارات والاندماج والشرعية السياسية.
وهذا ما يفسر لماذا يمكن أن يستمر «خطاب الشباب» في التوسع حتى في الوقت الذي يبدأ فيه المغرب نفسه في الانتقال ديمغرافيا من مجتمع شاب إلى مجتمع أكثر شيخوخة. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، فالخطاب السياسي حول الشباب قد يكون أحيانا أكبر من الوزن الانتخابي الفعلي للشباب؛ لأن كلمة «الشباب» أصبحت تؤدي وظيفة رمزية: فهي تعني التغيير، المستقبل، الحداثة، التجديد، ومحاربة الشيخوخة السياسية.
3.1 الشباب أصبح الخزان الانتخابي الحاسم
مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، يصعب على الأحزاب تجاهل الفئات الشابة، لأنها تمثل جزءا مهما من الهيئة الناخبة، والأهم أنها الفئة التي يمكن أن تحسم نتائج عدد من الدوائر إذا انتقلت من العزوف إلى المشاركة.
لكن المفارقة هي أن الأحزاب تخاطب الشباب كثيرا، بينما لا تزال مشاركتهم الفعلية في الهياكل الحزبية والقيادية محدودة. فالشباب هم من أكثر الفئات التي تعبر عن عدم الثقة في الأحزاب والمؤسسات السياسية، وعن الشعور بأن السياسة لا تنتج حلولا ملموسة لمشكلات مثل البطالة، السكن، التعليم، الصحة والعدالة الاجتماعية.
لذلك أصبح خطاب «الشباب» وسيلة للأحزاب والدولة لإعادة بناء جسر مع فئة تشعر أحيانا بأن السياسة التقليدية لا تمثلها.
فالسياسة لم تعد تمارس فقط في المقرات الحزبية والتجمعات الانتخابية، وإنما في TikTok وInstagram وYouTube وFacebook وغيرها، حيث إن الشباب هم الفاعل الأساسي في هذا المجال. ولذلك فإن مخاطبتهم أصبحت مرتبطة أيضا بمحاولة الأحزاب والدولة استعادة حضورها في فضاء سياسي جديد، سريع وغير مركزي، تستطيع فيه شخصية شابة أو مؤثر رقمي أن يصل إلى جمهور أكبر من حزب سياسي بأكمله.
ولعل أحداث الهجرة والنزوح الأخيرة تجعل المسألة أكثر حساسية. ففي السياق المغربي الراهن، تكتسب مخاطبة الشباب بعدا إضافيا. فمشاهد نزوح شباب نحو سبتة في غشت 2026، وما رافقها من نقاش سياسي وأمني واجتماعي، جعلت سؤال الشباب يتجاوز قضية الانتخابات.
فحين يرى جزء من الشباب أن الفرصة توجد خارج الوطن أكثر مما توجد داخله، فإن ذلك يتحول إلى قضية استقرار وثقة وانتماء، وليس مجرد قضية هجرة. وهنا يمكن فهم لماذا أصبحت الدولة والأحزاب مطالبة ليس فقط بأن تقول للشباب «شاركوا في الانتخابات»، وإنما بأن تجيب عن سؤال أعمق: لماذا يختار بعض الشباب مغادرة الوطن بدلا من المشاركة في مستقبله؟
2- الخطاب السياسي والتعامل مع الشباب ككتلة اجتماعية متجانسة
إن الخطاب السياسي، سواء الرسمي أو الحزبي، عادة ما يقدم فئات الشباب وكأنها فئة واحدة لها المصالح نفسها والمشكلات نفسها، مما قد يخفي التفاوتات الطبقية والاجتماعية والمجالية.
1-2. الشباب ليس طبقة اجتماعية واحدة
إن عبارة «الشباب المغربي» توحي بوجود كتلة اجتماعية متجانسة، بينما الواقع مختلف تماما. فهناك شباب من أسر ميسورة مقابل شباب من أسر فقيرة؛ وشباب المدن الكبرى مقابل شباب القرى والمناطق النائية؛ وشباب حاصل على تعليم جامعي مقابل شباب منقطع عن الدراسة؛ وشباب له رأسمال اجتماعي وعائلي يساعده على الولوج إلى الوظيفة أو المقاولة، مقابل شباب لا يملك هذه الشبكات؛ وشباب يستطيع السفر والهجرة اختياريا، مقابل شباب لا يرى أمامه سوى الهجرة غير النظامية؛ وشباب مندمج رقميا ومهنيا مقابل شباب يعيش أشكالا متعددة من الهشاشة.
لذلك فإن العمر المشترك لا يعني بالضرورة المصلحة الاجتماعية المشتركة، مما يحول هذا الخطاب السياسي عن «الشباب» من مشكلة طبقية إلى مشكلة عمرية.
فعندما نقول مثلا: «الشباب يعاني البطالة»، فإننا نصف المشكلة باعتبارها مشكلة جيل. لكن السؤال الأكثر دقة هو: أي شباب يعاني البطالة؟ وبأي درجة؟ ولماذا؟ فالبطالة قد تكون مختلفة جذريا بين شاب حاصل على شهادة عليا وينتمي إلى أسرة ميسورة، وشاب ترك المدرسة مبكرا وينحدر من أسرة فقيرة.
وبالتالي فإن تحويل البطالة إلى «مشكلة الشباب» يمكن أن يحجب سؤالا آخر هو توزيع الفرص والثروة والرأسمال الاجتماعي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الهجرة. فالحديث عن «رغبة الشباب في الهجرة» قد يبدو وكأن جميع الشباب يتقاسمون الرغبة نفسها.
لكن هناك فرق بين شباب يريد الهجرة من أجل الدراسة أو تطوير مساره المهني، وبين شباب يرى في الهجرة مخرجا من البطالة والفقر وانسداد الأفق الاجتماعي. حيث في الحالة الثانية، تصبح الهجرة انعكاسا للتفاوتات الاجتماعية أكثر من كونها مجرد «طموح شبابي».
من هنا، فهذا «الخطاب الشبابي» يسمح أحيانا بتجنب سؤال توزيع الثروة. فعندما يركز هذا الخطاب على «تمكين الشباب» فهو خطاب إيجابي ظاهريا، لكنه يطرح سؤالا: تمكين الشباب من ماذا؟ من الوظيفة؟ من السكن؟ من التعليم الجيد؟ من الوصول إلى القرار؟ من فرص متكافئة؟… لأن المشكلة ليست دائما نقص «تمكين» الشباب، وإنما قد تكون وجود بنية اجتماعية واقتصادية تجعل الفرص موزعة بشكل غير متكافئ.
لذلك يمكن التمييز بين خطابين: الخطاب الأول حول الشباب كفئة عمرية: الشباب هو مستقبل الوطن، يجب إشراكه وتمكينه وإدماجه. وهذا خطاب جامع، لكنه قد يخفي عدة فوارق اجتماعية بين فئات الشباب.
والخطاب الثاني: الشباب كفئات اجتماعية، وشباب الطبقات الوسطى، شباب الطبقات الشعبية، الشباب العاطل، الشباب العامل، الشباب القروي، الشباب الحضري، الشباب المتعلم، الشباب المنقطع عن الدراسة… وهذا الخطاب أكثر قدرة على رصد الواقع الشبابي الحقيقي بالمغرب، لأنه يسأل عن الموقع الاجتماعي للشاب، وليس عمره فقط.
2-2 التوظيف السياسي للخطاب عن الشباب
قد يكون التركيز على «الشباب» بشكل جامع وعام مفيدا للأحزاب لأنه يسمح لها ببناء خطاب عابر للطبقات: «نحن مع الشباب». وهنا يتحول مفهوم الشباب إلى نوع من الهوية السياسية الجامعة التي يمكن أن تحل مؤقتا محل الحديث عن الطبقات والفئات الاجتماعية.
إذ إن أحد التحولات المهمة في الخطاب السياسي المغربي هو التراجع النسبي للغة الطبقات لصالح لغة أكثر اندماجا: الشباب، النساء، المقاولون، الفئات الهشة، العالم القروي، الأشخاص في وضعية إعاقة…
فهذه اللغة لها قيمة حقوقية واجتماعية، لكنها قد تؤدي أيضا إلى تفكيك المجتمع إلى فئات قطاعية من دون طرح السؤال الكلي والحارق: كيف توزع الثروة والفرص والسلطة داخل المجتمع؟ لذلك يمكن القول إن «الشباب» في الخطاب السياسي ليس فقط فئة ديموغرافية؛ إنه أحيانا فئة سياسية مصطنعة تجمع داخلها مواقع اجتماعية متناقضة.
ومن هذه الزاوية، فإن أخطر ما في خطاب «الشباب» ليس الاهتمام بالشباب، وإنما اختزال الشباب في الشباب؛ أي التعامل مع العمر باعتباره التفسير الأساسي للمشكلات، بينما قد تكون جذورها في الطبقة والمجال والتعليم والثروة والرأسمال الاجتماعي وتكافؤ الفرص.
وهذا يفسر أيضا لماذا قد يكون «الشاب» في الخطاب الرسمي واحدا، بينما توجد في الواقع عدة «شبابات مغربية» تختلف أوضاعها ومصالحها وتطلعاتها اختلافا كبيرا. ولعل هذا الخطاب إذا ما تم تفكيكه يشبه لحد بعيد خطاب النظام الرأسمالي الحديث الذي يعزل كل فئة من المجتمع على حدة: نساء، شباب، ذوو الاحتياجات الخاصة…
عندما يقول الخطاب السياسي: «الشباب مستقبل المغرب» فهو يوحد شبابا تختلف مواقعهم جذريا. شاب ابن رجل أعمال، وشاب ابن عامل، وشاب قروي، وشاب عاطل، وشاب يعمل في الاقتصاد غير المهيكل، وشاب حاصل على دكتوراه… جميعهم يصبحون في الخطاب «الشبابي».
وبذلك يمكن أن يخفي هذا الخطاب تفاوتات اجتماعية واقتصادية هائلة. بل الأخطر سياسيا هو تحويل الصراع الاجتماعي إلى «تمكين». فهناك فرق شاسع بين إعادة توزيع الفرص والثروة والسلطة وبين تمكين الفئات من الاندماج في الوضع القائم.
فقد يصبح الحل المقترح للشاب العاطل: التدريب والمواكبة والمقاولة الذاتية. بينما قد يكون السؤال الأعمق: لماذا لا ينتج الاقتصاد ما يكفي من الوظائف الجيدة أصلا؟
وقد يصبح الحل للشابة: تمثيل أكبر في المؤسسات. وهو أمر مهم، لكن يبقى سؤال: هل تتمتع المرأة الشابة المنتمية إلى الطبقات أو تلك التي تنتمي إلى المغرب العميق من بوادي وجبال… بنفس شروط المشاركة التي تتمتع بها امرأة تنتمي إلى طبقة ميسورة ومتعلمة؟
كما أن الخطاب الحقوقي التجزيئي والخطاب السياسي الشبابي يلتقيان أحيانا في تحويل المجتمع من بنية اجتماعية متشابكة إلى مجموعة من الفئات المستقلة، لكل فئة «حقوقها» و«برامجها» و«سياساتها». وهذا قد يؤدي، بصورة غير مقصودة، إلى إضعاف الرؤية التي تبحث في علاقات الطبقة والثروة والسلطة التي تنتج التفاوت بين هذه الفئات.
وهذا التحول ليس سلبيا في حد ذاته؛ لأنه جعل فئات كانت مهمشة أو غير مرئية تحصل على اعتراف قانوني وحقوقي. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تصنيف المجتمع بديلا عن تحليل البنية الاجتماعية التي تنتج التفاوت والتراتبية.
فهذا الخطاب الحقوقي المعاصر يقوم على الاعتراف بالفرد وخصوصية الفئة، أكثر مما يقوم على تفسير موقع هذه الفئة داخل علاقات الإنتاج والثروة والسلطة.
فبدلا من السؤال: لماذا توجد تفاوتات بين المواطنين؟ ومن يملك الثروة والموارد والقرار؟ يصبح السؤال: كيف نضمن تمثيل النساء؟ كيف نمكن الشباب؟ كيف نحمي الأطفال؟ كيف ندمج الأشخاص في وضعية إعاقة؟ كلها أسئلة مشروعة، لكنها قد تصبح منفصلة عن السؤال الاجتماعي العام.
فامرأة شابة فقيرة في قرية، على سبيل المثال، ليست فقط امرأة شابة، بل هي أيضا تنتمي إلى طبقة اجتماعية ومجال جغرافي محدد، ولها مستوى تعليمي وموقع اقتصادي معين.
والشيء نفسه بالنسبة إلى شاب من ذوي الإعاقة: هل مشكلته الأساسية هي الإعاقة فقط؟ أم أن الإعاقة تتضاعف آثارها بسبب الفقر، وضعف التعليم، والبطالة، والمجال الجغرافي؟
إذن الفئات تتقاطع، ولا توجد في الواقع كجزر منفصلة. من هنا يمكن أن تؤدي سياسة الفئات إلى تحويل المطالب الاجتماعية إلى مطالب جزئية منفصلة: حقوق المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الشباب، وحقوق ذوي الإعاقة… بينما يمكن أن يكون السؤال الأكثر جذرية: ما طبيعة المجتمع الذي يجعل هذه الفئات متفاوتة في الوصول إلى الثروة والسلطة والتعليم والفرص؟
وهنا ضرورة العودة إلى التحليل الطبقي والاجتماعي. ولعل هذا ما ينطبق بشكل واضح على خطاب «الشباب» الشائع حاليا في المملكة.
وبالتالي لا ينبغي وضع الحقوق والفئات في مواجهة الطبقات. المقاربة الأقوى هي الجمع بينهما، حيث يتم التركيز في الخطاب السياسي البديل حول الشباب حول أسئلة دقيقة تتمثل في: من هي الفئة؟ ما موقعها الطبقي؟ أين تعيش؟ ما مستوى تعليمها؟ ما موقعها من سوق الشغل والثروة والسلطة؟
عندها يصبح الحديث عن «الشباب» مثلا أقل تجريدا وأكثر اجتماعيا وسياسيا، وننتقل من سؤال كيف نمكن الشباب؟ إلى سؤال أكثر عمقا: أي شباب؟ من أي طبقات؟ وبأي فرص؟ ومن يستفيد فعليا من السياسات الموجهة إليهم؟
لذلك فإن التحدي الأكبر في انتخابات 2026 وما سيليها من استحقاقات قادمة ليس أن تتحدث الأحزاب عن الشباب بالمغرب، وإنما أن تنتقل من الحديث عن الشباب إلى ممارسة السياسة مع الشباب.
فالأهم أن أحداث الهجرة والنزوح الأخيرة ينبغي أن تدفع النقاش السياسي إلى مستوى جديد: يتحول فيه السؤال من كيف نستقطب الشباب إلى السياسة، إلى كيف نجعل السياسة نفسها تمارس من طرف الشباب بخلفياته الاجتماعية والطبقية ومنحدراته الإقليمية والجهوية.