وجهة نظر

تطور الخطاب السياسي حول الشباب بالمغرب بين التعميم الطبقي والمغالطات الايديولوجية

إن مركزية الشباب في الخطاب السياسي المغربي منذ الاستقلال لها جذور تاريخية تتجاوز الاعتبارات الانتخابية الحالية. فهي مرتبطة بطريقة بناء الدولة الوطنية نفسها، وبحاجة النظام السياسي إلى إنتاج شرعية جديدة، وإعادة بناء المجتمع، وإدماج الأجيال الجديدة.

1. شباب الاستقلال ومشروع بناء دولة ومجتمع جديدين

لم يكن التحدي بعد سنة 1956، مجرد إنهاء مخلفات الاستعمار الفرنسي الإسباني، بل كان يتمثل في بناء الدولة الوطنية وإعادة تنظيم المجتمع وإنتاج نخبة جديدة. وكانت فئات الشباب أكثر الفئات قابلية للانخراط في هذا المشروع، ولذلك ارتبطت به مفاهيم مثل: بناء الوطن؛ والتعليم والتحديث؛ والخدمة الوطنية؛ والتنمية؛ والعمل؛ والتضامن؛ والمشاركة السياسية. فالشاب لم يكن ينظر إليه فقط باعتباره فردا في سن معينة، وإنما باعتباره حاملا لمشروع الدولة الوطنية المقبلة. فالدولة المستقلة كانت في حاجة إلى «جيل جديد» بعدما تركت الإدارة الاستعمارية بنية اجتماعية وإدارية واقتصادية غير متكافئة. لذا كان المغرب بحاجة إلى تكوين أطر مغربية جديدة. ولهذا كان التعليم وتكوين الشباب من الأدوات الأساسية لبناء الدولة. ومن هنا أصبح الشباب مرتبطا في المخيال الرسمي بـ:

المستقبل، والتحديث، والتقدم، وبناء المغرب المستقل. وهذه ثنائية شديدة الحضور في الخطاب الوطني بعد الاستقلال:

جيل الاستقلال مقابل جيل المستقبل. لأن الحركة الوطنية نفسها كانت قد جعلت الشباب فاعلا سياسيا. فالشباب لم يظهر فقط في خطاب الدولة؛ بل كان حاضرا بقوة في الحركة الوطنية والحركة الطلابية والشبيبات الحزبية والنقابية.

وبالتالي كانت الدولة تعرف أن الشباب ليس مجرد فئة اجتماعية قابلة للتعبئة، وإنما يمكن أن يكون أيضا فاعلا سياسيا معارضا. وهذا ما يفسر جزئيا لماذا أصبح الشباب منذ وقت مبكر موضوعا للاحتواء والتأطير والتنظيم. فخلال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن 20، أصبح جزء مهم من الشباب المغربي منخرطا في الحركات اليسارية والطلابية والنقابية والمعارضة السياسية. لذلك لم يعد «الشباب» في الخطاب الرسمي مجرد جيل المستقبل، بل أصبح أيضا مجالا للصراع حول مستقبل الدولة والمجتمع. وهنا يمكن فهم اهتمام الدولة بالشبيبات والمنظمات الشبابية والأنشطة الثقافية والرياضية والتربوية باعتبارها جزءا من سياسة التأطير الاجتماعي والسياسي. حيث كان الرهان السياسي يتمثل في أن من ينجح في تأطير الشباب يملك جزءا مهما من مستقبل المجتمع.

2. خطاب الشباب كآلية لإنتاج الشرعية في عهد الملك الحسن الثاني

في النظام الملكي الذي رسخه الملك الحسن الثاني، لم يكن خطاب الشباب منفصلا عن خطاب الاستمرارية والتجدد.

ولذلك اكتسبت مفاهيم مثل عيد الشباب دلالة تتجاوز الاحتفال بمناسبة شخصية؛ فقد ارتبطت بصورة الملك الشاب وبفكرة أن الملكية تستطيع أن تجمع بين الأصالة والاستمرارية من جهة، والتجدد والمستقبل من جهة أخرى. وهذا يفسر خصوصية خطاب الحسن الثاني حول الشباب، ثم التحول الذي عرفه هذا الخطاب في عهد الملك محمد السادس. فخلال الستينيات والسبعينيات، أصبح الشباب، ولا سيما الطلبة، أحد الفضاءات التي تنتج المعارضة. وبالتالي لم يعد خطاب الشباب محايدا ديموغرافيا؛ بل أصبح مرتبطا بسؤال السيطرة على إنتاج المستقبل السياسي. فمقابل الخطاب الذي كانت تتبناه قوى المعارضة، الذي كان يربط الشباب بالتغيير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ركز الخطاب الرسمي في عهد الملك الحسن الثاني على ربط الشباب بالبناء والوطنية والاستقرار والاستمرارية. وهكذا دخل النظام في منافسة على المعنى السياسي للشباب نفسه. فالشاب المقبول في الخطاب الرسمي هو الذي يمكن دمجه في سردية: الملك والوطن والاستقرار والتنمية والمستقبل. بينما كان الشباب المعارض يستطيع تقديم سردية مختلفة: الشباب والتغيير والديمقراطية والمشاركة السياسية. وبالتالي كان الصراع في جانب منه صراعا على من يمتلك المستقبل ومن يحق له تمثيله.

لكن بعد أحداث الثمانينيات والتسعينيات من القرن 20، ركز الخطاب على الشباب المغربي كمشكلة اجتماعية. فمع تفاقم البطالة، والنمو الديموغرافي، وتوسع التعليم الحضري، بدأت صورة الشباب تتغير. إذ لم يعد الشباب فقط «قوة المستقبل»، وإنما أصبح أيضا يعكس البطالة؛ وأزمة الاندماج؛ والهجرة؛ والاحتجاج الاجتماعي؛ والتهميش الحضري؛ وصعوبة الانتقال من المدرسة إلى سوق العمل. وهنا انتقل الخطاب تدريجيا من «الشباب باعتباره مشروعا وطنيا» إلى «الشباب باعتباره فئة ينبغي إدماجها ومعالجة مشكلاتها».

ولعل هذا التحول في الخطاب الرسمي يكشف انتقال الشرعية من شرعية تقوم على التعبئة الوطنية والتاريخية إلى شرعية تحاول أيضا أن تستند إلى الاستجابة الاجتماعية والتنموية. حيث كانت المفارقة الأساسية تكمن في أن النظام كان يحتاج إلى الشباب لإنتاج شرعيته، لكنه كان في الوقت نفسه يخشى أن يتحول الشباب إلى فاعل سياسي مستقل: فالشباب كان مصدر شرعية إذا كان موضوعا للتأطير والإدماج، بينما كان مصدر تهديد للشرعية إذا تحول إلى فاعل احتجاجي مستقل. وهذا ما يفسر لماذا كان الخطاب الرسمي حول الشباب مزدوجا: تمجيد الشباب من جهة، والسعي إلى ضبط قنوات تعبيره السياسي من جهة أخرى.

3. خطاب الشباب كآلية لتكريس الشرعية في عهد الملك محمد السادس

يمكن تحليل خطاب الشباب كتكريس للشرعية في عهد الملك محمد السادس باعتباره تحولا مهما مقارنة بعهد الملك الحسن الثاني. فالشباب لم يعد يظهر فقط باعتباره «جيل المستقبل»، بل أصبح موضوعا مركزيا في خطاب التحديث والتنمية والحقوق والمشاركة، ومن خلاله تحاول الدولة والملكية تجديد شرعيتها وربطها بالمستقبل. فإذا كانت شرعية الملكية في عهد الملك الحسن الثاني تستند بقوة إلى: التاريخ والاستقلال والوحدة الترابية والاستقرار وإمارة المؤمنين، فإن عهد الملك محمد السادس أضاف بصورة واضحة: التنمية والتحديث والمشاريع الكبرى والحقوق وإدماج الشباب. وهنا يصبح الشباب مهما لأنه يمثل المستقبل الديموغرافي والاجتماعي والسياسي للمغرب. بمعنى آخر، لا تقول السلطة فقط: نحن أصحاب شرعية تاريخية، وإنما تسعى أيضا إلى القول: نحن القادرون على إعداد المغرب الذي سيعيش فيه شباب اليوم غدا. وهذه نقلة من شرعية الاستمرارية إلى محاولة إنتاج شرعية الإنجاز والمستقبل.

فمنذ بداية عهد الملك محمد السادس، برز الشباب بصورة متكررة في الخطب الملكية، سواء من خلال قضايا: التعليم والتكوين؛ والتشغيل؛ والمبادرة والمقاولة؛ والرياضة؛ والثقافة؛ والمشاركة السياسية؛ والإدماج الاجتماعي؛ والهجرة؛ ومحاربة الإقصاء والتهميش. واللافت أن هذا الخطاب لا يقدم الشباب باعتباره مجرد فئة عمرية، وإنما باعتباره رأسمالا بشريا للمغرب. فهنا تتحول العناية بالشباب إلى مصدر من مصادر الشرعية. فقد تزامن الانتقال من عهد الملك الحسن الثاني إلى عهد الملك محمد السادس مع رغبة واضحة في تقديم صورة أكثر قربا من الشباب، والحداثة، والتكنولوجيا، والرياضة، والثقافة، والمجتمع المدني.

فرمزيا؛ فالملكية لا تخاطب الشباب فقط باعتباره فئة تحتاج إلى السياسات العمومية، وإنما تقدم نفسها باعتبارها مؤسسة شابة ومتجهة نحو المستقبل. وبالتالي كان هناك نوع من التماهي الرمزي: بين ملك جديد مع مغرب جديد وجيل جديد.

كما حدث تحول نوعي مع دستور فاتح يوليوز 2011. فدستور 2011 لم يكتف بإدراج الشباب ضمن الخطاب التنموي، بل ربطه بالمشاركة والحياة العامة، ولا سيما من خلال الفصل 33 الذي ينص على أن السلطات العمومية تتخذ التدابير الملائمة لتفعيل ومشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. فالشباب لم يعد فقط مستفيدا من سياسة الدولة، بل أصبح من الناحية الدستورية شريكا مفترضا في إنتاج الحياة العامة. ومن ثم انتقل الخطاب من «الدولة من أجل الشباب» إلى «الدولة مع الشباب».

لكن بقيت هناك مفارقة بين كثافة خطاب التشبيب مقابل ضعف المشاركة. فكلما ازداد حضور الشباب في الخطاب الرسمي، كان هناك تراجع في مشاركة فعلية للشباب، أي أن الشباب لم يصبح فاعلا سياسيا بالقدر نفسه. مما يثير سؤالا حول هل خطاب الشباب ينتج الشرعية أم يكشف أزمة الشرعية؟ فالسلطة تحتاج إلى مخاطبة الشباب بكثافة لأن هذه الفئة أصبحت أكثر أهمية ديموغرافيا وتعليميا ورقميا، وفي الوقت نفسه تعاني قطاعات منها من البطالة والعزوف السياسي وضعف الثقة في المؤسسات. كما طرأ تحول في مضمون الخطاب. ففي مراحل معينة أصبح التركيز على الشباب باعتباره: صاحب مشروع؛ ومقاولا؛ ومبتكرا؛ وحاملا لمشروع شخصي؛ ومسؤولا عن مستقبله. مما حول جزءا من العلاقة بين الدولة والشباب من علاقة حقوق ومطالب إلى علاقة فرص ومبادرة ومسؤولية فردية.

غير أن هناك عنصرا لم يكن موجودا بهذا الشكل في عهد الملك الحسن الثاني، وهيمن على الفضاء العمومي وأثر على علاقة الدولة بشبابها. فمع صعود الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الشباب يمتلك فضاءات مستقلة نسبيا لإنتاج الخطاب السياسي. لذلك لم تعد الدولة وحدها تنتج صورة «الشباب المغربي». فقد أصبح هناك الخطاب الرسمي للشباب وخطاب الشباب عن نفسه. وهنا تغيرت طبيعة الشرعية نفسها، لأن الشباب يستطيع أن يقارن ويحتج وينتقد وينتج صورا بديلة للدولة والسلطة عبر الفضاء الرقمي.

ولهذا يمكن فهم أهمية الخطاب الرسمي حول الشباب باعتباره محاولة لاستعادة المبادرة الرمزية في فضاء لم تعد الدولة تحتكر إنتاج المعنى داخله. وبالتالي ففي المرحلة الحالية، أصبحت علاقة الشباب بالشرعية أكثر حساسية. فإذا كان الشباب يُستحضر في الخطاب السياسي الرسمي باعتباره الأمل والمستقبل والابتكار والمشاركة والتجديد، بالمقابل توجد مؤشرات مثل العزوف الانتخابي، وضعف الانخراط الحزبي، وتراجع تسجيل بعض الفئات الشابة في اللوائح الانتخابية؛ وهي تجعل الشباب ليس فقط موضوعا للشرعية وإنما اختبارا لها.

وهكذا انتقل الشباب في عهد الملك محمد السادس، من كونه موضوعا للسياسة العمومية ليصبح أحد المداخل الرمزية لإنتاج الشرعية السياسية؛ فالملكية تقدم نفسها من خلال خطاب الشباب باعتبارها راعية للتحديث والتنمية والمستقبل، غير أن اتساع الفجوة بين كثافة خطاب التشبيب ومستويات المشاركة السياسية الفعلية يجعل الشباب في الوقت نفسه مصدرا للشرعية واختبارا لها.

وعموما يمكن تمييز الخطاب السياسي حول الشباب بين مرحلة الاستقلال والمراحل المتعاقبة. فهناك مراحل واضحة في الخطاب السياسي المغربي حول الشباب منذ الاستقلال. والأفضل ألا نعتبره خطابا واحدا مستمرا، بل خطابا تغيرت وظيفته بحسب طبيعة الدولة والمجتمع والصراع السياسي والاقتصادي في كل مرحلة. ولعل الجدول أسفله يوضح هذه المراحل بشكل ظاهر:

من هنا يمكن قراءة تطور الخطاب السياسي حول الشباب في المغرب باعتباره انتقالا تدريجيا من خطاب بناء الدولة والتعبئة الوطنية إلى خطاب التأطير والإدماج، ثم إلى خطاب الحقوق والمشاركة والتمكين، وصولا اليوم إلى خطاب يجعل الشباب مؤشرا على أزمة الثقة ومستقبل النظام السياسي نفسه.