أخطر ما يمكن أن يصيب السياسة أن يصبح المواطن مقتنعاً بأن صوته لا يغير شيئاً. فالإحساس بجدوى المشاركة هو الذي يمنح الانتخابات معناها، وحين يتآكل هذا الإحساس بفعل خيبات متراكمة، يبدأ الصندوق في فقدان مكانته في وعي الناخب. عندها يصبح العزوف عن التصويت نتيجة لمسار طويل من الإحباط، لا يحتاج إلى دعوة صريحة للمقاطعة ولا إلى حملة مضادة للانتخابات؛ إذ تتكفل التجربة اليومية للناس بإنتاج المسافة بينهم وبين الفعل الانتخابي.
قد تبدأ الحكاية من مكان بعيد تماماً عن السياسة: مقاطعة، مستشفى، جماعة ترابية، مصلحة إدارية. مواطن يقصد مؤسسة عمومية لقضاء حاجة بسيطة، فيجد أمامه مسطرة معقدة، انتظاراً طويلاً، موظفاً يفتقر إلى روح الخدمة، أو امتيازاً يحصل عليه شخص بفضل علاقة شخصية. يعود المواطن إلى بيته، وتنتهي المعاملة إدارياً، غير أن شيئاً آخر يكون قد ترسخ في داخله: صورة عن الدولة، وعن العدالة، وعن قيمة القواعد التي يفترض أن تسري على الجميع.
لهذا فإن أزمة الثقة السياسية لا تصنعها الانتخابات وحدها. تصنعها أيضاً التفاصيل التي يواجهها المواطن في حياته اليومية. الدولة التي تتحدث عن المساواة ثم تسمح ممارسات الإدارة بإنتاج إحساس بالتمييز تضعف حجتها الأخلاقية. والخطاب الذي يتحدث عن الحكامة يجد نفسه أمام امتحان بسيط: هل يستطيع المواطن قضاء حاجته من دون وساطة؟
المحسوبية تضرب في صميم فكرة المواطنة. فعندما تصبح العلاقة الشخصية طريقاً مختصراً إلى الحق، ويجد صاحب الحق نفسه مضطراً إلى سلوك الطريق الأطول، تتبدل علاقة المواطن بالمؤسسة وبالقانون. ومع تكرار التجربة، تتراجع مكانة القانون في الوعي العام لصالح سؤال آخر: من يعرف من؟
أما البيروقراطية فتستنزف الثقة بطريقة أكثر هدوءاً. وثيقة وراء وثيقة، موعد بعد موعد، مكتب يحيل على مكتب، حتى تتحول الخدمة العمومية إلى رحلة مرهقة. وقد لا تكون المشكلة في الموظف وحده؛ أحياناً تكون في نظام إداري تراكمت فيه المساطر دون أن يواكب حاجات الناس. المواطن لا يبحث عن إدارة مثالية، وإنما عن إدارة تفهم وظيفتها الأساسية: تسهيل حياته.
تراكم هذه التفاصيل اليومية يصنع مسافة نفسية بين المواطن والمؤسسة، وقد تمتد هذه المسافة إلى المشاركة الانتخابية.
المواطن الذي عايش هذه التجارب ينظر إلى الأحزاب والحكومات من خلال حصيلتها العملية أيضاً. منذ دستور 2011 تعاقبت تجارب حكومية متعددة، وتبدلت التحالفات والوجوه، وتواصلت مشاريع الإصلاح. ومع ذلك يبقى السؤال الشعبي شديد البساطة: ماذا تغير في علاقتي بالمؤسسة التي أحتاج إليها؟
هذه المسافة بين الخطاب والتجربة تمنح العزوف معنى سياسياً. فليس صحيحاً أن من يمتنع عن التصويت لا يهتم بالشأن العام بالضرورة. قد يكون شديد الاهتمام، لكنه فقد الاقتناع بأن المشاركة تمنحه أثراً حقيقياً. وقد يكون قد تعب من الوعود التي يسمعها في الحملات ثم يفتقد صداها في حياته اليومية. وقد يبحث عن بديل لا يجده في الخريطة الحزبية القائمة.
ومع الوقت، تنتقل التجربة الفردية من صاحبها إلى محيطه الاجتماعي. حكاية في الأسرة، وشكوى في مقهى، وحديث في مكان العمل، وتجربة متداولة بين سكان الحي؛ وقائع صغيرة تتجمع في الذاكرة العامة وتصنع مزاجاً سياسياً يتسع تدريجياً. عندها يصبح العزوف قابلاً للانتقال من قرار شخصي إلى ظاهرة اجتماعية، وتغدو التجربة الإدارية اليومية جزءاً من النقاش حول السياسة والانتخابات.
وللعزوف أثر آخر يمس طبيعة التمثيل السياسي. المقاعد تظل مشغولة، والمؤسسات تواصل عملها، والقرارات تصدر وفق القواعد المعتمدة، بينما يتقلص عدد المشاركين في تحديد الخريطة الانتخابية. وهنا تبرز مفارقة دقيقة: من ينسحب من الاقتراع احتجاجاً على أداء سياسي معين يترك مساحة أكبر للناخبين الذين واصلوا المشاركة، فتتأثر صورة التمثيل بدرجة الإقبال على الصندوق وبتركيبة الفئات التي اختارت الحضور.
وهكذا تواجه الأحزاب امتحاناً حقيقياً. لم يعد كافياً تقديم برنامج انتخابي جذاب أو استحضار شعارات الإصلاح. المطلوب استعادة الصلة بالمجتمع خارج مواسم الانتخابات، والإنصات إلى الناس، ومراقبة أداء المنتخبين، وتقديم حصيلة صريحة، والاعتراف بالتعثرات قبل الحديث عن الوعود الجديدة. الحزب الذي يريد ثقة المواطن يحتاج إلى أن يكون حاضراً في قضاياه، لا في موسم الاقتراع وحده.
وتتحمل الإدارة بدورها مسؤولية سياسية من نوع خاص. تبسيط المساطر، احترام آجال الخدمات، تحسين الاستقبال، محاربة المحسوبية، وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ إجراءات إدارية في ظاهرها، لكنها تصنع جزءاً كبيراً من صورة الدولة في وجدان المواطن.
لهذا يستحق العزوف قراءة أعمق من النسبة التي تسجلها صناديق الاقتراع. وراء الرقم مسارات طويلة من التجربة، ومواقف تتشكل بعيداً عن الحملات الانتخابية، وذاكرة تحتفظ بما جرى بين المواطن والمؤسسة. وقد يبدأ قرار الابتعاد عن الصندوق في مكتب إداري، أو أمام شباك خدمة، أو بعد انتظار طويل، قبل أن يصل إلى لحظة الاقتراع نفسها.
ويبقى معنى العزوف مرتبطاً بالسؤال الذي تطرحه الحياة السياسية على المواطن: أي علاقة يريدها مع الشأن العام، وأي أثر ينتظر من مشاركته؟ الإجابة تتشكل تدريجياً من التجربة اليومية، ومن أداء المؤسسات، ومن قدرة الأحزاب على تحويل وعودها إلى وقائع يشعر بها الناس. ومن هذه المسافة بين ما يسمعه المواطن وما يعيشه تتحدد، في جانب مهم، علاقته بصندوق الاقتراع.