اليسار المغربي أمام اختبار التمويل قراءة في برامجه الانتخابية لسنة 2026
منتدى العمق

اليسار المغربي أمام اختبار التمويل قراءة في برامجه الانتخابية لسنة 2026

قبل أشهر، كتبت في جريدة “العمق المغربي” أن العدالة الاجتماعية تبدأ من الميزانية، مسجلا أن البرامج الحزبية تتوسع عادة في الوعود المتعلقة بالتعليم والصحة والتشغيل والسكن والحماية الاجتماعية، لكنها لا تتحدث بالوضوح نفسه عن كيفية تمويلها. وقد استند ذلك المقال إلى إحدى الخلاصات التي سبق أن توصلت إليها في دراسة “البعد المالي في البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية لسنة 2021″، ومفادها أن الأحزاب المغربية تنشغل غالبا بما ينبغي تحقيقه أكثر مما تنشغل بكيفية تمويله.

غير أن البرامج التي قدمتها أحزاب اليسار بمناسبة الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تكشف عن تحول لافت. لم يعد السؤال المالي غائبا كما كان، بل أصبحت بعض الأحزاب تتنافس في عرض الكلف والموارد والأهداف الرقمية والجداول الزمنية. وهذا التحول، على أهميته، يطرح سؤالا جديدا: هل تعكس كثافة الأرقام انتقالا حقيقيا نحو ثقافة مالية حزبية، أم أنها مجرد وسيلة جديدة لإضفاء المصداقية على الوعود الانتخابية؟

تكشف قراءة برامج تحالف اليسار، وحزب التقدم والاشتراكية، والوثيقة المختصرة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عن وجود توجه مالي مشترك يقوم على تقوية الدولة الاجتماعية، واستعادة الدولة لدورها الاقتصادي، وتوجيه موارد إضافية نحو الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والشغل والسكن والثقافة. وفي المقابل، تقترح هذه الأحزاب تحميل الثروة والمداخيل الكبرى والأنشطة الريعية والاحتكارية جزءا أكبر من العبء الضريبي.

يعكس هذا التوجه عودة الضريبة إلى قلب الخطاب اليساري، لا باعتبارها مجرد وسيلة تقنية لتمويل الميزانية، وإنما أداة لإعادة توزيع الثروة والفرص، وتصحيح الاختلالات الاجتماعية والمجالية. فالاختلاف بين اليمين واليسار لا يظهر فقط في حجم الإنفاق المقترح، بل أيضا في الإجابة عن سؤالين جوهريين: من يؤدي الضريبة؟ ولمن يوجه الإنفاق العمومي؟

لكن الاشتراك في مرجعية العدالة الاجتماعية لا يلغي التفاوت بين البرامج من حيث درجة التفصيل والجرأة والواقعية.

يقدم تحالف اليسار، في برنامجه “الكرامة أولا”، تصورا ماليا يسعى إلى تعبئة 162 مليار درهم سنويا في أفق 2031، بما مجموعه نحو 500 مليار درهم خلال الولاية الحكومية. ويقترح تعبئة هذه الموارد من خلال الضريبة على الثروة والمداخيل والأرباح الكبرى، وإلغاء النفقات الجبائية غير المبررة، ومحاربة الغش الضريبي، وتوسيع قاعدة المساهمات الاجتماعية، وتحسين حكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، وإعادة توجيه بعض النفقات القائمة.

وتكمن أهمية هذا البرنامج في محاولته الربط بين الموارد والاستعمالات، وتقديم مسار تدريجي للتمويل يبدأ بتعبئة 36 مليار درهم سنة 2027، ثم يرتفع إلى 70 مليارا سنة 2028، ليصل إلى 162 مليار درهم سنة 2031. كما يحدد الأولويات التي ينبغي الحفاظ عليها في حالة حدوث أزمة اقتصادية أو سنة جفاف، ويضع آليات علنية لتتبع تنفيذ الالتزامات.

ومع ذلك، فإن تساوي الموارد والنفقات حسابيا لا يكفي لإثبات واقعية البرنامج اقتصاديا. فبعض الموارد المقدمة ليست مداخيل جديدة، وإنما إعادة تخصيص لاعتمادات قائمة أو وفورات مفترضة في التدبير. كما يظهر احتمال التداخل بين بعض البنود، من قبيل محاربة الغش الضريبي وتحسين تحصيل الضريبة على القيمة المضافة، أو إدراج الضريبة على الأراضي غير المبنية ضمن ضريبة الثروة، ثم تقديمها موردا مستقلا.

ويؤكد البرنامج أنه لا يقوم على مزيد من الاقتراض، لكنه يحتسب 12.5 مليار درهم ناتجة عن رفع عجز الميزانية إلى 4% من الناتج الداخلي الخام. وهذا، من الناحية المالية، استعمال لهامش إضافي من المديونية، حتى إن جرى تقديمه تحت تسمية “العجز المتحمل”.

أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد قدم برنامجا أكثر تفصيلا من الناحية القطاعية والميزانياتية. فهو يقدر مجموع النفقات الإضافية خلال الولاية بنحو 574.4 مليار درهم، مقابل 621.5 مليار درهم من الموارد الإضافية، ليستنتج وجود رصيد إيجابي قدره 47.1 مليار درهم.

ويحسب للحزب أنه لم يكتف بتحديد أغلفة عامة، بل وزع كلفة معظم الالتزامات على سنوات الولاية. فقد خصص 47 مليار درهم إضافية للصحة، و117 مليارا للتعليم والتكوين والبحث العلمي، و124.5 مليارا للحماية الاجتماعية والشغل، إلى جانب اعتمادات إضافية للانتقال البيئي والسيادة الغذائية والتنمية المجالية والثقافة والرقمنة.

غير أن قوة البرنامج في تفصيل النفقات تقابلها هشاشة في تقدير بعض الموارد. فمن أصل 621.5 مليار درهم، يعتمد الحزب على 300 مليار درهم ناتجة عن “المرونة الجبائية للاقتصاد”، أي الارتفاع الطبيعي للمداخيل الضريبية بفعل النمو، بناء على فرضية تحقيق معدل نمو سنوي في حدود 5% طوال الولاية.

ولا يمثل التعويل على النمو خطأ في حد ذاته، لكن تحويل كامل الزيادة الطبيعية في المداخيل إلى مورد متاح لتمويل سياسات جديدة يطرح إشكالا؛ لأن النفقات القائمة ترتفع بدورها بفعل التضخم، وتطور كتلة الأجور، وخدمة الدين، والنمو الديمغرافي، واتساع حاجيات المرافق العمومية.

كما يظهر احتمال احتساب جزء من أثر النمو مرتين: مرة ضمن الارتفاع المتوقع في حصيلة الضريبتين على الشركات والدخل، ومرة أخرى ضمن بند المرونة الجبائية. لذلك يحتاج البرنامج إلى الفصل بوضوح بين المداخيل الناتجة عن تعديل القواعد والأسعار الضريبية، وتلك الناتجة تلقائيا عن نمو النشاط الاقتصادي.

وتكشف الجدولة السنوية أن برنامج التقدم والاشتراكية سيسجل، في موازنته الإضافية، عجزا يناهز 41.2 مليار درهم سنة 2027 و18.8 مليارا سنة 2028، قبل ظهور الفوائض ابتداء من سنة 2029. وهذا يعني أن تنفيذ البرنامج يحتاج إلى تمويل انتقالي يتجاوز 60 مليار درهم خلال السنتين الأوليين، من دون أن توضح الوثيقة بما يكفي طريقة تعبئته.
ولا يمكن، في المقابل، استنتاج تخفيض الدين العمومي بـ47 مليار درهم انطلاقا من الفرق بين موارد البرنامج ونفقاته الإضافية؛ لأن تطور الدين تحدده الوضعية الإجمالية للميزانية، بما فيها العجز الأصلي وخدمة الدين وحاجيات الخزينة، وليس رصيد البرنامج الانتخابي معزولا عن بقية مكونات المالية العمومية.

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقد قدم في مطويته “20 التزاما من أجل التنمية العادلة والعيش الكريم” أهدافا كمية لافتة، من بينها خفض البطالة إلى أقل من 8%، وإحداث 250 ألف منصب شغل صناعي و200 ألف منصب قروي، ورفع متوسط الأجور بـ20% والمعاشات بـ25%، وتخصيص 30% من الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة، ورفع ميزانية الثقافة إلى 1%، وتعبئة موارد جبائية إضافية تعادل 5% من الناتج الداخلي الخام.

غير أن الوثيقة المتاحة تظل أقرب إلى مطوية تواصلية منها إلى برنامج مالي متكامل. فهي لا تقدم الكلفة الإجمالية للالتزامات، ولا تفصل مصادر تمويلها، ولا تعرض جدولة تنفيذها أو أثرها في العجز والمديونية. كما لا توضح ما إذا كانت أرقام مناصب الشغل مستقلة عن بعضها، أم أن هناك تداخلا بين الوظائف المرتبطة بالصناعة أو الأنشطة الفلاحية وتلك المرتبطة بمونديال 2030 وبرامج إدماج الشباب.

وإذا كان هدف تعبئة موارد ضريبية إضافية تعادل 5% من الناتج الداخلي الخام يعني توفير عشرات المليارات من الدراهم سنويا، فإن الحزب مطالب بتوضيح طبيعة الضرائب المعنية، والأوعية المستهدفة، والفئات التي ستتحمل العبء الإضافي، خاصة أنه يعد، في الوقت نفسه، بتخفيف الضغط الضريبي على الأجراء والمقاولات الصغيرة.

تكشف المقارنة، إذن، عن ثلاثة مستويات مختلفة في التعامل مع المالية العامة. فتحالف اليسار أكثر وضوحا في الربط بين توجهه السياسي واختياراته المالية، كما أنه أكثر حذرا في التدرج ووضع سيناريو لمواجهة الصدمات. ويتميز التقدم والاشتراكية بالتفصيل القطاعي والميزانياتي، لكنه يبني جزءا كبيرا من موارده على فرضيات نمو متفائلة. أما الاتحاد الاشتراكي، فيقدم أهدافا اجتماعية واقتصادية كبيرة، لكنه لم يدعمها، في الوثيقة المختصرة المتاحة، بهندسة مالية تسمح باختبار قابليتها للتنفيذ.

ورغم هذه الملاحظات، يمثل الحضور المتزايد للمالية العامة في البرامج الانتخابية لأحزاب اليسارية تطورا إيجابيا. فقد بدأت الأحزاب تدرك أن الدفاع عن الدولة الاجتماعية لا يستقيم من دون تحديد مواردها، وأن المطالبة بالعدالة الاجتماعية تظل ناقصة من دون موقف صريح من العدالة الضريبية.

غير أن الأرقام لا تشكل دليلا على الجدية بمجرد إدراجها في الجداول. فالمصداقية المالية تقتضي تحديد الأوعية الضريبية، ونشر منهجية تقدير مردوديتها، وضبط كلفة كل التزام، وبيان فرضيات النمو والتضخم، ودراسة أثر الإجراءات المقترحة في الاستثمار والتشغيل والعجز والمديونية. كما تقتضي التمييز بين الموارد الجديدة، وإعادة تخصيص النفقات القائمة، والوفورات المحتملة، والمداخيل الطبيعية الناتجة عن النمو.

ويظل السؤال الأكثر غيابا هو سؤال ترتيب الأولويات. فالحكومة لا تعمل في شروط مالية مثالية، وقد تجد نفسها أمام سنة جفاف أو أزمة طاقية أو تباطؤ اقتصادي أو ارتفاع في كلفة الدين. لذلك ينبغي ألا تخبرنا الأحزاب فقط بما ستنجزه إذا توفرت الموارد، بل أيضا بما ستقدمه وما ستؤجله إذا تراجعت تلك الموارد.
كما لا يمكن فصل التوجه المالي عن البناء الديمقراطي والمؤسساتي. فالسياسة المالية تتداخل في المغرب مع توزيع السلطة الاقتصادية، ومع صلاحيات الحكومة والبرلمان، ومع تعدد مراكز القرار العمومي. ومن الصعب مطالبة الأحزاب بتحمل المسؤولية عن وعودها المالية من دون تمكين الحكومة المنبثقة عن الانتخابات من السلطة الضرورية لتحديد الاختيارات العمومية وتنفيذها، وإخضاعها للمراقبة والمحاسبة.

لقد انتقلت برامج اليسار في انتخابات 2026، بدرجات متفاوتة، من غياب سؤال التمويل إلى فيض الأرقام والتقديرات. وهي خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لبناء الثقة. فالتحدي المقبل لا يتمثل في تقديم الرقم الأكبر، بل في تقديم الرقم الأكثر صدقية، وربطه بمورد قابل للتعبئة، وأجل واقعي، ومؤشر يسمح للمواطنين بتقييم التنفيذ.

فالمالية العامة ليست ملحقا تقنيا بالبرنامج السياسي، بل هي ترجمته الأكثر صدقا. وعندما تحدد الأحزاب من يدفع الضريبة، ومن يستفيد من الإنفاق، وما الذي يحظى بالأولوية عند ندرة الموارد، فإنها تكشف حقيقة مشروعها المجتمعي. لذلك لا تبدأ العدالة الاجتماعية من الشعار، بل من الميزانية.