تقديم: حين تتغير الوجوه ولا تتغير قواعد القرار
مع اقتراب انتخابات 23 شتنبر 2026، يبدو أن النقاش العام يستعد مرة أخرى للانشغال بنسبة المشاركة، وترتيب الأحزاب، وعدد المقاعد التي ستنتزعها هذه اللائحة أو تلك. غير أن اختزال الأزمة الديمقراطية في عدد من سيذهبون إلى صناديق الاقتراع يلامس سطح المشكلة ولا ينفذ إلى جوهرها. فالأزمة الأعمق تتعلق بالمعنى السياسي للصوت الانتخابي نفسه، هل يملك التصويت القدرة على تغيير السياسات والاختيارات وموازين القرار، أم أن الانتخابات تكتفي في جانب منها بتغيير الأشخاص الذين يتولون تدبير مواقع داخل بنية قرار أوسع منهم؟ هنا تبدأ أزمة الجدوى، وهنا أيضاً يصبح العزوف أكثر من مجرد امتناع عن التصويت، يصبح تعبيراً عن اهتزاز الثقة في قدرة الوسيلة الانتخابية على إنتاج تغيير محسوس. فالناخب لا يصوت للوجوه فقط، وإنما يصوت لبرنامج ووعد سياسي ومسؤولية يفترض أن تتحول إلى فعل. وعندما يجد أن المسافة بين البرنامج والقرار أكبر مما توحي به الحملة الانتخابية، فإن المشكلة لا تعود في المواطن الذي ابتعد عن الصندوق، بل في منظومة سياسية لم تعد تقنعه بأن الصندوق قادر وحده على إعادة توزيع القدرة على الفعل. لذلك فإن استعادة المشاركة لا يمكن أن تبدأ بموعظة للناخب، وإنما بإعادة بناء الشروط التي تجعل صوته مؤثراً وجديراً بالثقة.
المحدد الأول- أزمة الثقة في الجدوى السياسية للانتخابات:
العزوف الانتخابي ليس دائماً تعبيراً عن اللامبالاة، بل قد يكون نتيجة مباشرة لتراكم الإحباط من محدودية أثر المشاركة. حين تتكرر الانتخابات بينما يظل المواطن غير قادر على رصد علاقة واضحة بين اختياره وبين التحسن في التعليم والصحة والشغل والعدالة الاجتماعية والحريات، تتحول المشاركة من فعل سياسي منتج إلى طقس انتخابي دوري. وفي هذه الحالة تصبح نسبة المشاركة مؤشراً على أزمة ثقة أكثر مما هي مجرد رقم إحصائي. فالمواطن لا يحتاج إلى ضمان نجاح مرشحه، وإنما يحتاج إلى الاقتناع بأن نجاحه يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً، وأن خسارة حزب وصعود آخر يمكن أن يغيران بالفعل في اتجاه السياسات العمومية.
المحدد الثاني- انتخابات تغيّر المسؤولين أكثر مما تغيّر موازين القرار:
قد تسقط الانتخابات حزباً وتصعد آخر، وقد تتغير الأغلبية وتأتي حكومة جديدة ووزراء جدد، لكن تغيير الأشخاص لا يعني تلقائياً تغيير قواعد اشتغال السلطة. الدستور نفسه يوزع الاختصاصات بين مؤسسات متعددة، فالمجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك، يتداول في القضايا التي تهم التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، بينما يتداول مجلس الحكومة في السياسة العامة والسياسات العمومية والقطاعية، وتتولى الحكومة تنفيذ السياسة الحكومية في إطار اختصاصاتها. وهذه البنية لا تعني أن الحكومة تمتلك سلطة لتنزيل الوعود الانتخابية لمكوناتها، بل تعني أن المجال الذي تتحرك فيه الحكومة ليس مطابقاً بالضرورة للمجال الكامل الذي تتشكل داخله الخيارات الاستراتيجية للدولة. ومن هنا تنشأ إحدى عقد أزمة الجدوى: الناخب يمنح تفويضاً انتخابياً لحكومة، بينما جزء من الاتجاهات الكبرى للسياسة العامة يكون محدداً ضمن بنية مؤسساتية أوسع من الولاية الحكومية.
المحدد الثالث- الفجوة بين البرنامج الانتخابي وممارسة الحكم:
تدخل الأحزاب الانتخابات ببرامج تعد المواطنين بالتغيير، لكنها تواجه بعد تشكيل الحكومة شبكة من الاختصاصات والتوازنات والاستراتيجيات والالتزامات والسياسات الممتدة زمنياً إلى ما قبل الولاية الحكومية. وهنا يتحول البرنامج من تعاقد سياسي مع الناخب إلى وثيقة يستحيل تنفيذها. الأخطر أن الحزب قد يجد نفسه، بعد وصوله إلى السلطة، مضطراً إلى التكيف مع اختيارات استراتيجية قائمة بدل إعادة صياغتها وفق الوعود التي قدمها خلال الحملة. وهكذا تنشأ مفارقة سياسية حادة: الانتخابات تمنح الشرعية للبرنامج، بينما ممارسة الحكم تفرض على البرنامج حدوداً لم تكن ظاهرة للناخب لحظة التصويت، ومع تكرار هذه التجربة تتآكل الثقة في البرامج نفسها، ويتحول التصويت من اختيار بين مشاريع متنافسة إلى اختيار بين مدبرين لسياسات بعيدة عن برامجهم التي وعدوا بها ناخبيهم.
المحدد الرابع- تركيز القرار الاستراتيجي خارج المجال الحكومي المباشر:
المسألة هنا ليست إنكاراً لاختصاصات الحكومة، وإنما مساءلة للعلاقة بين المسؤولية السياسية ومراكز صناعة الاختيارات الاستراتيجية. فعندما يتداول المجلس الوزاري في التوجهات الاستراتيجية للدولة، وتصدر عنه قرارات وتوجيهات تحدد مسارات كبرى، تصبح الحكومة في كثير من الملفات أمام مهمة مزدوجة: تدبير ما يدخل في اختصاصها، وتنزيل توجهات استراتيجية جرى تحديدها في مستوى مؤسساتي آخر. وقد ظهر ذلك بوضوح في اجتماع المجلس الوزاري المنعقد في أكتوبر 2025، حيث تم إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة باعتباره توجهاً استراتيجياً، قبل أن تحدد لاحقاً آليات الحكامة والتنفيذ والتتبع، مع إسناد دور وطني للجنة يرأسها رئيس الحكومة. وهذا المثال مهم لأنه يكشف الفارق بين من يحدد الاتجاه الاستراتيجي ومن ينفذ السياسات والبرامج المترجمة له، كما أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تقدم نموذجاً ممتداً زمنياً، فهي مشروع أطلق سنة 2005، وتواصل عبر مراحل متعددة وحكومات متعاقبة، بما يجعلها مثالاً على سياسات ومشاريع لا تبدأ وتنتهي مع دورة انتخابية واحدة.
المحدد الخامس- الحكومة تتحمل المسؤولية السياسية عن مسارات لا تبدأ كلها معها:
حين تتعاقب الحكومات على تنفيذ استراتيجيات وبرامج ممتدة زمنياً، يصبح المواطن أمام مشكلة جوهرية في تحديد المسؤولية. فالحكومة تُحاسب انتخابياً على نتائج التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار، لكنها لا تكون بالضرورة صاحبة المبادرة الأولى في كل استراتيجية أو صاحبة القرار الوحيد في كل اختيار. ويصبح من الصعب على الناخب أن يميز بين ما أنجزته الحكومة بمبادرة منها، وما نفذته في إطار سياسة دولة ممتدة، وما ورثته عن حكومات سابقة، وما يدخل في توجهات استراتيجية أعلى من الولاية الحكومية. وفي الديمقراطية، لا تستقيم المحاسبة من دون وضوح المسؤولية، ولا تستقيم المسؤولية من دون وضوح القدرة على القرار، فكلما اتسعت الفجوة بين من يتحمل المسؤولية ومن يملك القدرة الفعلية على تغيير الاتجاه، ضعفت قيمة المحاسبة الانتخابية نفسها.
المحدد السادس- الأحزاب تتحول من صناعة البرامج إلى إدارة الممكن:
حين تصل الأحزاب إلى الحكومة، تصطدم برامجها الانتخابية بواقع مؤسساتي ومالي واستراتيجي أكثر تعقيداً مما كان يظهر أثناء الحملة. وقد تتحول تدريجياً من أحزاب تقدم مشروعاً للتغيير إلى أحزاب تدير ما هو ممكن داخل بنية قائمة. عندها يفقد البرنامج الانتخابي وظيفته كعقد سياسي، وتصبح الحكومة مطالبة أساساً بتدبير الموجود بدلاً من إعادة صياغة قواعد إنتاجه. وهذا لا يلغي مسؤولية الأحزاب، بل يجعلها أكثر إلحاحاً، لأن الحزب الديمقراطي لا ينبغي أن يتخلى عن برنامجه بمجرد دخوله الحكومة، ولا أن يحول التكيف مع الواقع إلى ذريعة لإفراغ التفويض الانتخابي من مضمونه. الحكومة الديمقراطية تحتاج إلى هامش حقيقي للمبادرة حتى تكون المحاسبة الانتخابية عادلة، والحزب يحتاج إلى الشجاعة السياسية حتى لا يتحول من صاحب مشروع إلى مجرد منفذ لما سبق أن تقرر.
المحدد السابع- السياسة الموسمية وانهيار الوساطة بين الانتخابات والمجتمع:
جزء من أزمة المشاركة يرتبط أيضاً بتحول السياسة إلى موسم انتخابي. تظهر الأحزاب بكثافة قبل الاقتراع، ثم تنعدم قدرتها على التأطير والحضور اليومي بين المواطنين. بينما الديمقراطية ليست يوم اقتراع، وإنما علاقة مستمرة بين المجتمع والمؤسسات، تأطيرا واقتراحا ورقابة واحتجاجا ومساءلة ومشاركة في صناعة السياسات. وحين تغيب الأحزاب عن المجتمع إلا في لحظة طلب الأصوات، تصبح الانتخابات علاقة أحادية الاتجاه: المواطن يمنح صوته، والحزب يحصل على الشرعية، ثم تتراجع العلاقة بعد إعلان النتائج. وهكذا يضعف الوسيط السياسي الذي يفترض أن يحول المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات، ويصبح الفراغ بين المجتمع والمؤسسات أحد أهم مصادر العزوف.
المحدد الثامن- الشباب لم يفقد السياسة بل فقد الثقة في قنواتها التقليدية:
اختزال موقف الشباب في اللامبالاة السياسية قراءة قاصرة، فالانخراط في قضايا التعليم والشغل والعدالة الاجتماعية والحريات والكرامة، والتفاعل المكثف مع الشأن العام في المجال الرقمي، والاحتجاجات والمبادرات المدنية، كلها تؤكد أن الرغبة في التأثير لم تختف، وأحدث شاهد هو احتجاجات “جيل زد” الأخيرة. فالذي تراجع هو الاعتقاد بأن الأحزاب والانتخابات هما بالضرورة أقصر طريق إلى ذلك التأثير. وهذه نقطة فارقة، المجتمع الذي يفقد الثقة في آليات التمثيل لا يفقد بالضرورة رغبته في التغيير، ولذلك فإن استعادة الشباب إلى السياسة لا تكون بالخطاب الأخلاقي المبسط ولا باتهامه بالعزوف، وإنما بجعل المؤسسات التي يفترض أن تمثله أكثر انفتاحاً وديمقراطية وقدرة على تحويل مطالبه إلى سياسات قابلة للقياس والمحاسبة.
المحدد التاسع- اختلال العلاقة بين المسؤولية والقرار:
لا توجد محاسبة سياسية فعالة من دون معرفة من يقرر ومن ينفذ ومن يتحمل النتائج. وكلما أصبحت المسؤولية موزعة بين مستويات متعددة من القرار والتنفيذ، دون وضوح كافٍ في سلسلة المسؤولية أمام المواطن، أصبح تحميل الحكومة وحدها نتائج السياسات أمراً غير كافٍ لتفسير الواقع. هنا تظهر الحاجة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الاختصاص والمسؤولية والمحاسبة: من يملك سلطة المبادرة يجب أن يتحمل مسؤولية نتائجها، ومن يملك سلطة التنفيذ يجب أن تكون له الوسائل اللازمة لذلك، ومن يتحمل المسؤولية أمام الناخب يجب أن يمتلك هامشاً فعلياً للتغيير، فالمحاسبة التي لا تقترن بالقدرة على القرار تتحول إلى محاسبة شكلية، والانتخابات التي لا تنتج إمكانية حقيقية للتغيير تفقد جزءاً كبيرا من وظيفتها الديمقراطية بل قد تصبح أداة ضبط واستبداد في أقصى حالاتها أو مجرد مساحيق ديمقراطية في أدناها.
المحدد العاشر- الحاجة إلى إعادة هندسة الحقل السياسي على أساس دولة الإنسان:
الخروج من أزمة المشاركة لا يمر عبر تحسين تقنيات الحملات الانتخابية فقط، ولا عبر رفع نسبة التصويت بأي وسيلة، وإنما عبر إعادة بناء شروط الفعل السياسي نفسه. المطلوب هو إعادة هندسة الحقل السياسي على أساس ديمقراطي حقيقي: فصل السلط وتوازنها، سمو القانون، استقلال القضاء، حماية الحقوق والحريات، تكافؤ الفرص السياسية، شفافية صناعة القرار، مؤسسات منتخبة قادرة على ممارسة اختصاصاتها كاملة، وربط المسؤولية الفعلية بالمحاسبة الفعلية. والغاية ليست إنتاج مواطن يذهب إلى الصندوق كل خمس سنوات، وإنما بناء مواطن حر يمتلك القدرة على التأثير والمساءلة، هنا تكتسب فكرة «دولة الإنسان» معناها السياسي: دولة تكون فيها السلطة مسؤولية، والقانون مرجعاً، والكرامة حقاً، والمواطنة مشاركة، والانتخابات وسيلة فعلية لتغيير السياسات والاختيارات، لا مجرد آلية لتجديد الوجوه وتوزيع المقاعد والمنافع.
ختاما- من إنقاذ نسبة المشاركة إلى إنقاذ معنى المشاركة:
المعضلة الانتخابية في المغرب لا تختزل في المواطن الذي لا يصوت، ولا في الحزب الذي يعجز عن إقناعه، ولا في حملة انتخابية لم تكن جذابة بما يكفي. إنها أزمة أعمق تتصل بمعنى التمثيل السياسي نفسه وبالعلاقة بين الصوت والقرار، وبين المسؤولية والاختصاص، وبين الانتخابات والقدرة على التغيير، لذلك فإن إنقاذ المشاركة لا يبدأ من مطاردة رقم أعلى في نسبة التصويت، وإنما من إعادة بناء الثقة في أن هذا التصويت قادر على إنتاج فرق حقيقي. فالانتخابات التي تغير الأشخاص دون أن تفتح المجال لتغيير السياسات وقواعد القرار ستظل معرضة لإعادة إنتاج أزمة الجدوى. أما الانتخابات التي تجعل الإرادة الشعبية مؤثرة، والمؤسسات المنتخبة قادرة، والمسؤولية واضحة، والمحاسبة حقيقية، فهي التي تستطيع أن تعيد السياسة إلى المجتمع والمواطن إلى السياسة، المطلوب في النهاية ليس مواطناً يصوت فقط، بل مواطناً حراً يعرف أن صوته يغيّر، وأن القانون يحميه، وأن المؤسسات تمثله، وأن السلطة قابلة للمساءلة، أي مواطناً يعيش في دولة العدل والكرامة، دولة الإنسان.