منتدى العمق

العلمانية: شعارات بلا إنجاز؟

يتحدث بعض العلمانيين في المغرب عن العلمانية وكأنها مرادف للتقدم، وكأن الإسلام لا يقف إلا في الجهة المقابلة: جهة التخلف والجمود. لكن هذه المعادلة ليست حقيقة، بل ادعاء يحتاج إلى دليل.
ومن المهم التمييز بين العلمانية والإلحاد؛ فليس كل علماني ملحدًا، فقد يكون الإنسان مؤمنًا بالله، لكنه يرى ضرورة فصل الدين عن الدولة. ولذلك فإن النقاش ينبغي أن يكون حول مشروع الفصل نفسه، لا حول إيمان الأشخاص وحياتهم الخاصة.
المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا المشروع إلى خطاب يصور الإسلام باعتباره عائقًا أمام العلم والحداثة. وهنا يكفي أن نسأل: هل يؤيد التاريخ هذه الصورة؟
الحقيقة أن الحضارة الإسلامية عرفت في عصور ازدهارها نهضة علمية واسعة في الطب والرياضيات والفلك والبصريات، وظهر فيها علماء مثل الخوارزمي وابن الهيثم والرازي وابن النفيس. وكان ذلك في ظل دول ومجتمعات كان الإسلام حاضرًا فيها بقوة في الحكم والثقافة والحياة العامة.
فالمسلمون لم يكونوا مجرد متلقين للمعرفة، بل صانعون لها،  فطوروها وأضافوا إليها، وانتقلت أجزاء من هذا التراث إلى أوروبا. ولذلك فإن من يتجاهل هذا الإرث ثم يختزل الإسلام في التخلف لا يقدم قراءة منصفة للتاريخ. يمكن للإنسان أن يختلف مع الإسلام، لكن إنكار إسهام الحضارة الإسلامية في العلم والمعرفة جهل بالتاريخ أو تجاهل له.
العلم نتاج إنساني شاركت فيه حضارات كثيرة. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الحضارة الإسلامية كانت في مراحل مهمة قوة علمية وحضارية مؤثرة، وأن ذلك حدث والإسلام حاضر في الدولة والمجتمع.
ومن المفارقات أن بعض الخطابات العلمانية تتعامل مع التجربة الأوروبية وكأنها النموذج الوحيد الذي يجب أن تسير عليه جميع المجتمعات. لكن أوروبا لها ظروفها التاريخية الخاصة، ولا يمكن إسقاط تجربتها بحذافيرها على مجتمع مغربي له تاريخه وهويته وخصوصيته.
فالإسلام ليس عنصرًا طارئًا على المغرب، بل جزء أساس من تكوينه التاريخي والثقافي. ولذلك فإن الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة ليست مجرد إجراء إداري، بل مشروع يمس تصور المجتمع لهويته وقيمه ومرجعيته.
كما أن التقدم لا ينتج عن العلمانية وحدها. فبناء مجتمع قوي يحتاج إلى تعليم جيد، وبحث علمي، ومؤسسات قوية، ومحاربة الفساد، وتشجيع الابتكار. العلمانية لا تصنع عالمًا بمجرد وجودها، كما أن التدين وحده لا يصنع نهضة ان لم يرتبط بعمل.
ويزداد الأمر غرابة عندما يقدم بعض الأشخاص أنفسهم باعتبارهم «علماء» أو «مفكرين» لمجرد حضورهم على المنصات الرقمية، بينما ينصب جزء كبير من خطابهم على مهاجمة الإسلام وإثارة الجدل. فالعلم لا يقاس بعدد المتابعين، ومهاجمة الدين ليست إنجازًا علميًا، وكثرة الكلام لا تجعل صاحبها عالمًا.
ومع ذلك، لا يصح التعميم؛ فليس كل علماني جاهلًا أو معاديًا للإسلام، كما أن ليس كل متدين عالمًا. النقد الحقيقي يكون للأفكار والمواقف، لا للأشخاص لمجرد انتمائهم.
إن المشكلة في بعض الخطابات العلمانية ليست في اختلافها مع الإسلام، وإنما في تحويل هذا الاختلاف إلى شعور بالتفوق، وكأن الابتعاد عن الدين يمنح صاحبه تلقائيًا مكانة أعلى في العلم والثقافة والحداثة.
 لذلك، من حق العلماني أن يدافع عن مشروعه، ومن حق المسلم أن يرفضه ويناقشه. لكن من يريد فصل الدين عن الدولة في المغرب عليه أن يقدم حججًا تتجاوز الشعارات، وأن يثبت لماذا يكون هذا المشروع أصلح للمجتمع المغربي.
فالإسلام لم يكن تاريخيًا عدوًا للعلم، والحضارة الإسلامية لم تكن صفحة فارغة في تاريخ المعرفة. ومن أراد أن يهدم فكرة، فليقدم الحجة؛ أما السخرية والتشنج والتعميم فلا تصنع انتصارًا فكريًا.