منتدى العمق

في بلاغة خطاب الحملة الانتخابية

يشهد المجال التداولي السياسي في المغرب اليوم حملة انتخابية تمهيدا للاقتراع المقرر يوم 23 شتنبر، يخاطب المرشح، في ذلكم السياق، جمهوره لحمله على انتخابه، فخطاب الحملة الانتخابية من الخطابات التي تروم دفع المتلقي إلى الفعل لا إلى الاعتقاد وتغيير وجهات النظر فحسب، ووفقا لهذه الغاية تنتظم علاقته بالمخاطب، حيث يستحضر جملة من الاستراتيجيات التأثيرية، والحجج الإقناعية التي تناسب خصوصية الخطاب السياسي المشار إليه، فهي تارة، تنبع من ذات الخطيب الذي يحرص على الظهور بصورة السياسي الرشيد القادر على تدبير شؤون الحكومة بكفاءة، وتنبع، تارة أخرى، من خلال استثارته للعواطف والأهواء، وتحريك مشاعر الانتماء الديني والوطني، وإذاعة الإغراء عن طريق وعود تتقاطع مع التطلعات الاجتماعية والاقتصادية للجمهور.

صورة السياسي وتأسيس الثقة

ينطلق السياسي من مسلمة بلاغية تنص على كون الخطاب لا يحظى بالتصديق والقبول إلا إذا نجح الخطيب في الظهور داخله بصورة مثلى، تنسجم مع طبيعة الخطاب، ولذلك لا يخلو خطاب من خطابات الحملة الانتخابية من ثناء الخطيب على ذاته وبرنامجه وإنجازاته، سواء أتعلقت بفعل مركز الحكم أم بفعل المعارضة، واصفا نفسه حينها بالوفاء والنزاهة والاستحقاق والتضحية من أجل الوطن. لقد صرحت فاطمة الزهراء المنصوري، عن حزب الأصالة والمعاصرة، ضمن اللقاء الوطني للحزب بمراكش، يوم 11 شتنبر 2026، قائلة: ” لم أخن ثقتكم قط “، وهي تستحضر مسيرتها السياسية وإنجازاتها السابقة على رأس وزارة إعداد التراب الوطني، والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الحكومة الحالية، وتروم من ذلك جعل الثقة صفة ملازمة لها. إن الملفوظ الخطابي المشار إليه يربط بين القول والعمل، بحيث يؤدي داخل الخطاب فعل التعهد بعدم خيانة تلكم الثقة، ومن ثَمَّ حث الجمهور ودفعه إلى انتخاب حزبها، ولا سيما أن الجمهور، بمقتضى اتفاق مسبق بينه وبين الخطيب، لا يفوض من ينوب عنه إلا إذا اتصف بأوصاف فضيلة.

وفي هذا السياق، يبني حزب الاتحاد الدستوري صورته داخل خطابه التأثيري وفق ثنائية “البناء والهدم”، جاء برنامجه الانتخابي قائلا: “لا نعد بالمستحيل، ولا ننافس في توزيع الأوهام، بل نتقدم بمشروع وطني واقعي وطموح في آن واحد”، فهو، من جهة، يبني صورة الحزب الذي ينطلق من منطلقات وطنية واقعية، ومن جهة ثانية، يهدم صورة خصومه الذين يعدون الجمهور بوعود كاذبة غير قابلة للتفعيل، وإيهامهم الجماهير بقدرتهم على تفعيلها، قصد استمالتهم وخداعهم.

ولا يختلف هذا الفعل الخطابي عما عرضه عزيز أخنوش، في لقاء انتخابي بالصويرة، من أعداد المستفيدين من الدعم الاجتماعي، ومشاريع المستشفيات، ونسب التطور بمدارس الريادة، فهو إذ ذاك يشيد بسياسة حزبه وإنجازاته خلال الولاية الحكومية الحالية، حيث إن الإشادة بالمنجز السياسي الحاصل في الماضي يؤسس وعدا خطابيا بإنجازات سياسية واجتماعية تكون بمثابة استمرارية حتمية موعودة لتلكم الحصيلة الإيجابية، وفي الوقت ذاته، أشار إلى كون منافسيه من الأحزاب الأخرى لم ينجحوا في الوفاء بوعودهم، محاولا بذلك بناء صورته الفضلى داخل الخطاب من خلال فضح ما يشوب صورة المنافس من اختلالات أخلاقية تتنافى مع مبادئ الصدق والوفاء في الممارسة السياسية.

إن بناء صورة الذات في الخطاب السياسي لا تنفصل عن صورة الآخر، إذ أن نزاهة تلكم الصورة وبريقها يكون أكثر رسوخا لدى المتلقي حينما تتقوى بفضح صورة الآخر والنيل منها، وذلك يتقاطع مع ما يسميه فان دايك بالمربع الإديولوجي، القائم على: تضخيم محاسن الذات “نحن”، وتهوين سلبيات الذات “نحن” مع تضخيم سلبيات المنافس “هم”، وتهوين إيجابياته “هم”.

الصراع على تعريف الانتخابات

تعمل مختلف الأحزاب السياسية على صياغة تعريف نوعي موجه لمفهوم الانتخابات بحيث يكون التعريف خادما لغرضها الإقناعي، المتمثل في دفع الجمهور إلى انتخاب الحزب، فتأطير المفاهيم داخل الخطاب، حسب روبرت إنتمان، يقوم على انتقاء جانب من الوقائع، ثم يجعله أكثر بروزا، بحيث يسمح بتعيين القضية الخطابية، وتحديد أسبابها، ومنحها قدرة على التأثير في المخاطب، وبناء على ذلك، يمكن أن نميز بين تعريفين اثنين تهيمن على خطاب الحملة الانتخابية:

• تعريف حزب الأغلبية للانتخابات.

• تعريف أحزاب المعارضة للانتخابات.

فأما التعريف الأول فيقوم على كون الانتخابات محطة جديدة تضمن الاستمرار في المشروع التنموي الإصلاحي الذي عرفه المغرب في ظل الحكومة الحالية، وهي محطة أيضا لمنع الخصوم من الحصول على الأغلبية الانتخابية، الأمر الذي يؤدي إلى توقيف عجلة الإصلاح وتعطيلها.

وأما التعريف الثاني فيروم تعريف الانتخابات بكونها معركة حاسمة من شأنها تغيير السياسة العامة للبلاد، وتأسيس مشروع تنموي إصلاحي جديد، يتجاوز إخفاقات الحكومة السابقة، ولا يحصل ذلك، وفق هذا التعريف، إلا بتغيير مراكز القرار عن طريق انتخاب حزب جديد يحمل مشروعا جديدا.

وتعمل الأحزاب السياسية على ترسيخ التعريف الذي يناسب موقعها في ساحة المنافسة، وينسجم مع غرضها الإقناعي التأثيري بوساطة التهيئة الإدراكية Cognitive Priming بلغة شانتو إينغار، الذي يقوم على كون الجمهور يستند في عملية اتخاذ القرار إلى المعطيات التي يستدعيها الذهن بصورة سريعة وسهلة، فإذا اهتمت وسائل الإعلام لمدة طويلة بقضية “التضخم الاقتصادي”، على سبيل المثال، تجعل الجماهير، من جهة، مهيئة إدراكيا بتقييم أداء الحكومة وفقا لهذا المفهوم فقط، فيتخذ بذلك التقييم صورة سلبية تسم الأداء الحكومي بالضعف والفشل، وتجعلها من جهة أخرى، متجاهلة الإنجازات الإيجابية للحكومة نفسها.

استراتيجية السخرية في خطاب الحملة الانتخابية

إذا كانت “السخرية” في العرف الأخلاقي العام انزلاقا أخلاقيا يحط من قيمة الشخص، ويمس من كرامته، فإنه يتخذ في الخطاب السياسي بعدا تأثيريا يجعل ذلكم الخطاب قادرا على بلوغ غايته الكبرى المشار إليها في مقدمة المقالة. وتقوم استراتيجية السخرية على الحط من منزلة الخصم المناوئ من خلال استحضار موقفٍ أو عبارة أو محاكاة له تكون باعثة على الضحك الساخر من ذلكم الخصم، وهي استراتيجية تحقق إشفاء غليل الأنصار، واستشعار السرور لديهم عند إذلال الخصم السياسي.

ولعل هذه الاستراتيجية التأثيرية سمة كبرى من السمات التي تهيمن على خطاب بنكيران، تتجلى في قوله، على سبيل التمثيل: ” الله لا يخيرنا في ضرار، لا أصالة ومعاصرة ولا أحرار”، حيث تتشكل من خلاله السخرية بتحوير قول شعبي مأثور، وتوظيف التوازي السلبي، والجناس بين عبارتي “ضرار” و “أحرار”، ملفوظ ساخر يجعل حزبين منافسين مختلفين يشتركان في جنس واحد، حسب بنكيران، وهو جنس “الضرر”.

كما أنها تحضر في جل الخطابات الأخرى بدرجات متفاوتة، صرح محمد أوزين، داخل لقاء حزبي ببرشيد، قائلا: “هاد خمس سنوات ما تزاد والو، الصحة والو، التعليم والو، المهم حتى لعبة والو”، حيث أسس فعل السخرية على تقنية التناص المستحضرة لمقطع من الغناء الشعبي المتداول، وهو يروم بذلك جعل السخرية قابلة للتأثير في جمهوره، بوساطة حملهم على تردادها، ولا سيما أن مسألة الصحة والتعليم من أشد المطالب الاجتماعية للمواطن المغربي. إن المحاكاة الساخرة، بلغة ليندا هشتون، التي تتأسس على استعمال قول مألوف عند الجمهور استعمالا قائما على تناص ساخر داخل سياق جديد يعزز من الكفاية التأثيرية للسخرية.

وتحضر السخرية أيضا في خطاب فوزي لقجع المنتقد للوعود الانتخابية لخصومه، يقول: ” لبغا يصرف الوعود راه صرفها وعْيا (العياء)، دابا إذا بغا يسخنها من جديد من حقو والله يكمل عليه بالخير”، حيث تقوم على استعارة تهكمية تشبه الوعود الانتخابية السابقة بالطعام المتقادم البارد الذي لم يعد صالحا للاستهلاك، واصفا تلكم الوعود بمحاولة يائسة لبث روح في خطاب مستهلك، يتحقق أثرها البلاغي بوساطة الجمع غير المتوقع بين مجالين متباينين أشد التباين: “صناعة الوعود، وإعداد الطعام”.

وإن الناظر في حضور السخرية في خطاب الحملة الانتخابية يجده، في أغلب صوره، يقوم على المحاكاة والتناص الساخر المستند إلى الأمثال والأغاني الشعبية، والتأليف الصوتي الموجه للعبارات من خلال الاعتماد على التوازي والجناس والطباق، مع الاستفهام الاستنكاري الساخر… ولعل هذه الاستراتيجية الخطابية تؤدي في مجملها وظيفتين تأثيريتين تخدم الغاية العامة لذلكم الخطاب:

• الحط من صورة الخصوم والنيل منها من خلال إخضاعها للسخرية والتهكم.
• تقوية التماهي بين الخطيب وأنصاره من خلال إشفاء غليلهم وإضحاكهم.

التأثير بالإغراء في خطاب الحملة الانتخابية

يتخذ الإغراء، من حيث كونه استراتيحية خطابية تأثيرية، صورا متعددة في الخطاب السياسي عامة، وفي خطابات الحملة الانتخابية على وجه الخصوص، حيث يدفع الجماهير إلى انتخاب الحزب من خلال ربط ذلك الفعل بمنافع اجتماعية واقتصادية ملموسة، فلا يخلو خطاب من هذه الخطابات من وعود بتحسين الدعم الاجتماعي، وتعميم التغطية الصحية، والرفع من نسب الدخل الفردي، وتحسين الأجور، وتوفير فرص شغل عديدة للشباب، مع إصلاح بعض القوانين المستحدثة التي تقيد الحريات….

كما يُقدم الإغراء أيضا في قالب سردي ينطلق من مفهوم النموذج السردي لدى فيشر الذي ينص على كون “القصة الجيدة هي أكثر إقناعا من حجة جيدة”، ولا سيما إذا اشتملت تلكم القصة على معايير خمسة تعزز من قدرتها التأثيرية: معيار طبيعة القيمة المتضمنة في القصة، معيار العلاقة بين القيمة والقصة، معيار النتائج المفترضة من القصة، معيار تناسب قيم السرد مع قيم المتلقي ومرجعياته، معيار القيم المتعالية العليا التي تتصل بالقيم الإنسانية السامية المشتركة”.

ويتجلى هذا الصنف من الإغراء في خطاب محمد العنصر بمدينة بولمان، يقول: ” على عاتقي دين أريد أن أرده لأبناء الإقليم”، فهو يجعل، بذلك، تجربته الانتخابية هاته جزءا من سيرورة سردية تبحث عن استكمال خطاطتها السردية بتسديد الدين لأبناء الإقليم، دين رمزي يثير مشاعر الإغراء لدى الجمهور الذي سيتطلع إلى معاينة هذا الدَّين الموعود، وكيفية تسديده وأدائه. ولعل محمد العنصر يشيد خطابه السردي الإغرائي على قيمة مشتركة عليا تتمثل في الأمانة والوفاء ورد الحقوق إلى ذويها.

وبجانب ذلك، يوظف هذا الضرب من الخطاب “الإغراء الرمزي” توظيفا بلاغيا موجها، القائم على منح الجمهور مكانة رمزية معنوية تخاطب أساسا أهواءهم ومشاعرهم، فلما يصف الخطيب جمهوره بكونه: “ابن المنطقة، أو الشاب القادر على التغيير، أو المواطن المسؤول، أو المدافع عن الوحدة الوطنية”، فإنه يؤسس لتماه بينه وبين الجمهور المخاطب، إذ أن الإقناع، حسب كنيث بروك Kenneth Bruke، لا يتحقق بصورة عميقة ما لم يحصل التماهي بين الخطيب وجمهوره. ونظرا لذلك، لا يخاطب خطاب الحملة الانتخابية جمهورا جاهزا، بل يسهم في تشكيله وإعادة صياغته باستمرار حسب مقتضيات السياق، بوصفه “مواطنا” تارة، و “شبابا”، أو “أبناء المناطق الجنوبية”… بحيث يتوجه لكل صنف من أصناف المخاطب بالحجج والاستراتيجيات المناسبة.

كلمة أخيرة…

تمثل مرحلة الحملة الانتخابية ساحة خطابية سياسية سجالية، يروم الحزب السياسي المشارك في هذه المحطة حمل الجمهور المتعاطف مع ذلكم الحزب أو الجمهور المحايد على انتخابه والتصويت لصالحه دون الأحزاب الأخرى، ولتحقيق هذه الغاية الإقناعية الكبرى تجده مستندا إلى جملة من التقنيات التواصلية التداولية، والاستراتيجيات التأثيرية البلاغية النوعية، ترتبط بذات الخطيب تارة، من خلال بناء صورتها المثلى داخل الخطاب، مع النيل من صورة الخصوم وتكسيرها، وتتأسس تارة أخرى على تحريك أهواء الجمهور وإثارة حماسهم، وإغرائهم بوعود ملموسة، والعمل على إشفاء غليلهم بوساطة السخرية من خصومهم.

إن البحث في بلاغة الخطاب السياسي، وغيرها من الخطابات الإنسانية المختلفة، محاولة متجددة لتجاوز حصر البلاغة في دائرة الوجوه الأسلوبية التقنية، ولتوسيع مجال اشتغالها التقليدي المرتبط بالجملة المنفصلة عن السياق، إلى مجال أرحب يعنى بتحليل الخطاب وتأويله في كليته، وداخل سياقه العام، وبمراعاة خصوصيته النوعية الأدبية.

* يحيى خوخة، باحث في البلاغة الجديدة وتحليل الخطاب