كشفت أعمال التنقيب الأثري بموقع واد بهت بإقليم الخميسات عن أقدم مرحلة مؤكدة لبناء تحصينات دفاعية ترابية واسعة النطاق في إفريقيا خارج وادي النيل، تعود إلى بداية ومنتصف الألفية الثانية قبل الميلاد، أي إلى ما بين 3500 و4000 سنة مضت.
وجاء هذا الاكتشاف ثمرة لأعمال فريق دولي من علماء الآثار المغاربة والبريطانيين والإيطاليين، يقوده عالم الآثار المغربي يوسف بوكبوط، ضمن مشروع «Oued Beht Archaeological Project»، تحت إشراف المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب، وبشراكة مع جامعة كامبريدج البريطانية والمجلس الوطني للبحوث العلمية في إيطاليا.
جاء ذلك في بلاغ مشترك للمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب، وجامعة كامبريدج البريطانية، والمجلس الوطني للبحوث العلمية في إيطاليا، حيث نشر فريق البحث نتائج هذه الاكتشافات في 7 شتنبر 2026 بمجلة «Libyan Studies»، الصادرة عن المعهد البريطاني للدراسات الليبية وشمال إفريقيا عن طريق مطبعة جامعة كامبريدج، ضمن مقال علمي بعنوان: «Expanding Oued Beht: Final Neolithic, Bronze Age, medieval and later discoveries from excavation and survey in 2023»، من إعداد جوليو لوكاريني ويوسف بوكبوط وتوبي ويلكينسون وباحثين آخرين.
وأظهرت الحملة الثالثة للتنقيب، التي أجريت سنة 2023، وجود منظومة دفاعية تتكون من خندق كبير وساتر ترابي شُيد على امتداد الجانب الجنوبي للحافة، قبل أن يجري في العصر الوسيط بناء جدار حجري فوق المنشأة القديمة وتعزيز أجزاء واسعة منها.
ويقع موقع واد بهت على حافة مرتفعة تشرف على مجرى مائي دائم بإقليم الخميسات، وكان الموقع قد استقطب اهتمام الباحثين منذ عقود، قبل أن يكتسب بعدا دوليا أكبر عقب الاكتشافات التي حققها مشروع البحث الأثري خلال السنوات الأخيرة.
وكان الموقع قد كشف، في أعمال سابقة، عن تجمع سكاني واسع يمتد على مساحة تتراوح بين 9 و10 هكتارات، يعود إلى منتصف ونهاية الألفية الرابعة وبداية الألفية الثالثة قبل الميلاد. وأظهرت تلك المكتشفات أن الجماعة التي استقرت بالموقع خلال العصر الحجري الحديث المتأخر كانت تمارس زراعة الشعير والقمح والبقوليات، وتربي الماشية، كما كانت تنتج الفؤوس الحجرية المصقولة والفخار المزخرف بدقة وعلى نطاق وصفه الباحثون بأنه غير مسبوق في المنطقة خلال تلك الفترة.
وتشير المعطيات الأثرية إلى أن سكان واد بهت لم يكونوا معزولين عن محيطهم، بل كانت لهم صلات بالمجتمعات المعاصرة في جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، في إطار شبكة من الاتصالات عبر البحر الأبيض المتوسط.
أما حملة 2023، فكان من بين أهدافها حسم طبيعة وتاريخ منشآت دفاعية أثارت اهتمام الباحثين منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما استكشف عالم الآثار الفرنسي أرمان رولمان للمرة الأولى الحافة الجنوبية للموقع. وكانت جدران حجرية ضخمة في طرف الحافة قد صنفت آنذاك بصورة مؤقتة باعتبارها «إبيرون بارّيه»، أي نتوءا معزولا جرى تحصينه بواسطة منشأة دفاعية، غير أن تاريخها وطبيعتها الدقيقة ظلا غير محسومين.
وكان عالم الآثار المغربي يوسف بوكبوط قد درس، خلال إعداد أطروحته للدكتوراه بين عامي 1986 و1991، الفؤوس الحجرية المصقولة المستخرجة من الموقع، واقترح حينها إسناد التحصينات إلى عصور المعادن، دون الحسم في ما إذا كانت تعود إلى العصر النحاسي أو العصر البرونزي.
ومكنت 17 عملية جديدة للتأريخ بالكربون المشع، إلى جانب التنقيب التفصيلي في جزء من المنشأة التي أطلق عليها الباحثون اسم «الجدار B1»، من تحديد التسلسل الزمني لمراحل بنائها.
وتحت البناء الحجري الظاهر حاليا، عثر الباحثون على بقايا مرحلة أقدم من البناء، أنجزت جزئيا باستخدام التراب والطين، وأثبت التأريخ بالكربون المشع أنها تعود إلى بداية الألفية الثانية قبل الميلاد. كما كشفت الحفريات عن خندق كبير مرتبط بهذه المرحلة، إضافة إلى المراحل الأولى من ساتر ترابي، جرى حفره وتشييده خلال بداية ومنتصف الألفية الثانية قبل الميلاد.
وبحسب نتائج الدراسة، فإن هذه المنشأة تمثل أقدم مرحلة مؤكدة لبناء تحصينات دفاعية ترابية واسعة النطاق تم التعرف عليها في إفريقيا خارج وادي النيل بمصر. ويتكون النظام الدفاعي من الخندق والساتر الترابي والجدار الحجري اللاحق، وهي منشآت أغلقت الطرف الجنوبي للحافة، الذي كان أكثر قابلية للدفاع، بين النهر وأحد الأخاديد الجانبية.
ويعكس حجم الأشغال المنجزة في الموقع، سواء تعلق الأمر بحفر الخندق أو إقامة الساتر الترابي على امتداد الحافة، مستوى من التنظيم والتخطيط والعمل الجماعي، بما يعكس درجة متقدمة من التعقيد الاجتماعي لدى المجتمعات التي عاشت في المنطقة خلال تلك الفترة.
ويرى الباحثون أن الوظيفة الأصلية للمنشأة قد تكون دفاعية، أو مرتبطة بمراقبة حركة الأشخاص، أو بإبراز سلطة معينة، غير أن المعطيات الأثرية تؤكد حدوث تحول في طريقة استغلال الموقع خلال الألفية الثانية قبل الميلاد.
فبعدما كانت الأنشطة خلال العصر الحجري الحديث متركزة أساسا في الجزء الشمالي المفتوح من الحافة، انتقل الاستقرار لاحقا نحو الطرف الجنوبي، الذي كان أكثر ضيقا وقابلية للتحصين والدفاع.
وتتزامن هذه المرحلة مع تحولات مهمة عرفها جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث ظهرت ثقافة «إل أرغار»، التي ارتبطت بمستوطنات محصنة وتطور صناعة المعادن وبروز أشكال من التراتبية الاجتماعية.
ويرى مؤلفو الدراسة أن معطيات واد بهت تقدم دليلا إضافيا على أن مجتمعات المغرب الكبير لم تكن معزولة عن التحولات التي عرفتها منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال العصر البرونزي، بل كانت جزءا من تيارات من الاتصال والتنافس والتغيير امتدت من شبه الجزيرة الإيبيرية إلى مناطق أخرى من المتوسط.
ولم تتوقف أهمية الاكتشافات الجديدة عند المرحلة السابقة للتاريخ، إذ كشفت الحفريات أيضا عن إعادة استغلال الموقع بعد قرون، حيث جرى خلال العصر الوسيط تعزيز المنشأة الترابية القديمة بجدار حجري، كما أقيمت مستوطنة صغيرة أو منشأة فلاحية على ارتفاع مجاور، إلى جانب مقبرة لم تكن معروفة من قبل.
وجاء الكشف عن المقبرة عقب عمليات سبر في الطرف الشمالي للموقع، بعد أن أبلغ سكان المنطقة عن العثور على بقايا بشرية خلال أشغال بناء حديثة. وأكدت أعمال التنقيب وجود عدد من المدافن، من بينها دفن جرى تأريخه بالكربون المشع إلى القرن الثالث عشر للميلاد.
وتوفر هذه المكتشفات معطيات أثرية نادرة حول المجتمعات الريفية في المغرب الكبير خلال العصر الوسيط، في وقت لا تزال فيه البقايا المادية المرتبطة بهذه المجتمعات محدودة، بينما ستتطلب معرفة الامتداد الكامل للمقبرة إجراء أعمال بحث إضافية.
وفي جزء آخر من الموقع، أسفرت عملية سبر جديدة داخل طبقات تعود إلى نهاية الألفية الرابعة قبل الميلاد عن العثور على فؤوس حجرية مصقولة داخل رواسب أثرية غير مضطربة، وهي أولى المكتشفات من هذا النوع التي يتم العثور عليها في إطار تنقيب أثري مضبوط، وليس من خلال جمع اللقى من سطح الموقع.
كما عثر الباحثون، داخل مساحة لا تتجاوز 25 مترا مربعا، على أكثر من 1900 قطعة فخارية، ما يضيف معطيات جديدة حول طبيعة الاستقرار والنشاط البشري في الموقع خلال مراحله المبكرة.
وتظهر مجمل نتائج حملة 2023 أن واد بهت لم يكن موقعا عرف استقرارا واحدا ومحدودا زمنيا، وإنما كان فضاء أعيد استغلاله على امتداد نحو خمسة آلاف سنة، بدءا من المجتمعات الزراعية الأولى، مرورا بالمجتمعات التي شيدت التحصينات خلال العصر البرونزي، وصولا إلى السكان الذين استقروا بالموقع خلال العصر الوسيط.
وأكد الباحثون أن كل حملة تنقيب جديدة في واد بهت تكشف طبقة إضافية من تاريخ الموقع، معتبرين أن الأبحاث الجارية بدأت تكشف الدور الذي لعبته هذه المنطقة في التاريخ العميق للمغرب الكبير وفي علاقاته بالمجال المتوسطي.
وتجرى الأعمال الميدانية في واد بهت ضمن مشروع «Oued Beht Archaeological Project»، تحت إشراف المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، وبشراكة مع المجلس الوطني للبحوث العلمية في إيطاليا وجامعة كامبريدج، وبدعم من مؤسسات وباحثين دوليين، وبالتعاون مع وزارة الثقافة والشباب المغربية والمجتمعات المحلية.