مع كل استحقاق انتخابي، تعود البرامج الحزبية إلى الواجهة، وتعود معها الوعود والتعهدات التي تقدم للمواطنين باعتبارها عناوين لمستقبل أفضل. وهذا أمر طبيعي في الديمقراطيات، بل إن تقديم البدائل والبرامج والالتزامات يشكل جوهر التنافس السياسي.
ولكن، ما يصعب على الفهم والاستيعاب، هو تقديم وعود وتعهدات رغم أن هامش تنفيذ بعضها يكاد يكون صعبا، إن لم نقل مستحيلا.
إذ أن المشكلة ليست في الوعود التي تستهدف تحسين أوضاع المواطنين، طالما أن هذا هو جوهر العمل السياسي، لكن الإشكال يكمن في طبيعة هذه الوعود، وفي مدى واقعيتها، وفي مصدر تمويلها.
فكيف يا ترى تجتهد بعض الأحزاب في توزيع ثروة لم تنتجها بعد؟ والحال أن المتعين هو أن تبسط للمواطنين مخرجاتها وبدائلها لإنتاج هذه الثروة أولا، علما أن تحسين الأوضاع الاجتماعية رهين، في جانب أساسي منه، بالقدرة على إنتاج المزيد من الثروة وتوزيعها بعدالة ونجاعة.
فالملاحظ أن بعض البرامج الانتخابية لازالت أسيرة منطق التعهدات الاجتماعية السريعة، من قبيل الرفع من هذا الدخل أو ذاك، أو تحسين وضعية هذه الفئة أو تلك أو تحسين القدرة الشرائية، دون أن تجيب بالقدر نفسه من الوضوح عن سؤال التمويل والاستدامة.
والأكثر إثارة للانتباه أن بعض هذه التعهدات تبدو، في ظاهرها، موجهة إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية لبعض الفئات، بينما قد تكون خلفيتها السياسية هي استمالة هذه الفئات وكسب أصواتها.
من هذا المنطلق، وجب التذكير بأن محطة الحملات الانتخابية التي تمهد لانبثاق مجلس جديد للنواب، ومن خلاله حكومة جديدة، لا يجب الاقتصار فيها على التعهدات المتعلقة بتحسين الأوضاع المادية لفئات معينة، وإن كان هذا المطلب مشروعا في ظل تردي القدرة الشرائية والأحوال المعيشية لمواطنين كثير، بل إن هذه التعهدات يجب أن تستحضر بأن الأغلبية المقبلة ستدبر سياسات عمومية في مختلف القطاعات، كما أن المعارضة القادمة سيناط لها مراقبة تنفيذ هذه السياسات.
وفي هذا الإطار، ومن خلال تتبع برامج هذه الأحزاب نتساءل: أين هي مخرجات النموذج التنموي الجديد في البرامج الانتخابية؟ ولماذا لا تنكب هذه الأخيرة بشكل واضح على ما لم يتحقق من توصياته، وتقدم تصوراتها لأجرأتها وتحويلها من وثيقة مرجعية إلى سياسات عمومية ملموسة؟
كما يحق لنا، أيضا، أن نسأل عن أحد أكبر الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتظر الإصلاح: ويتعلق الأمر بالتقاعد.
فلماذا لا تضع الأحزاب وخاصة تلك دبرت الشأن العام يدها في “دبابير” هذا الملف، وتكشف منذ الآن عن خطتها لإصلاح منظومة التقاعد؟ وهل ستكتفي بالشعارات العامة، أم ستصارح المغاربة بحقيقة وضع الصناديق، وبكلفة الإصلاح، وبالخيارات الممكنة، وبكيفية ضمان معاشات كريمة ومستدامة للأجيال الحالية والقادمة؟
والسؤال نفسه يطرح بالنسبة إلى الفساد.
لماذا لا تقدم الأحزاب تعهدا واضحا ومفصلا بالقضاء على الفساد، من صغيره إلى كبيره؟ ولماذا لا تحدد آلياتها لتقوية الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام، وتجفيف منابع الريع وتضارب المصالح وإصلاح نظام الصفقات العمومية، بدل الاكتفاء برفع شعارات عامة أصبحت مألوفة لدى الجميع؟ ثم أين هي الثقافة والبيئة والرياضة والفنان والصحفي في عدد من العروض السياسية؟
أين هي الرؤية السياسية لإصلاح الإدارة وتبسيط المساطر والقضاء على البيروقراطية التي ترهق المواطن بكثرة الوثائق والإجراءات؟ ولماذا لا تتحول كرامة المواطن داخل الإدارة إلى التزام سياسي واضح، يجعل المرفق العمومي جذابا، لا منفرا، قريبا من المواطن، يستقبله باحترام، وينصت إليه، ويضمن له خدمة عمومية بسيطة وفعالة وذات جودة.
وللحد من مظاهر الإجرام وانتشار المخدرات، يطرح التساؤل عن الوصفة السياسية والقانونية المتكاملة لمحاربة هذه الظواهر؟
بل إن السؤال يمتد إلى المؤسسة التشريعية نفسها.
لماذا لا تقدم الأحزاب، منذ الآن، مخططها التشريعي؟
فإذا كان الحزب المتعهد أو الملتزم يعرف ما يريد أن يغيره في المجتمع والاقتصاد والإدارة، فمن الطبيعي أن تكون لديه أجندة تشريعية بأولويات واضحة.
بل أكثر من ذلك، لماذا لا تتعهد الأحزاب، منذ الآن، بالتجاوب مع المبادرات التشريعية والرقابية للمعارضة داخل البرلمان، وخاصة الآليات التي أتاحها الدستور للمعارضة؟
والأمر نفسه ينطبق على توصيات المؤسسات الدستورية. لماذا لا تعلن الأحزاب بوضوح عن التزامها بالتفاعل مع هذه التوصيات وبناء السياسات العمومية على أساسها؟
ولأن المغرب ليس هو فقط مدنه الكبرى ومراكزه الحضرية، فإن البرامج الانتخابية مطالبة أيضا بأن تجيب عن سؤال المغرب العميق.
ما هي رؤية هذه الأحزاب للقضاء على الأمية؟ وتصورها للحد من الهدر المدرسي والجامعي؟
ما هو تصورها لتعميم التغطية الصحية الشاملة؟ وما هي وصفتها للقضاء على الفقر والتسول؟ وبأية ميكانيزمات وإجراءات ستقلص التفاوتات الاجتماعية والمجالية؟
وحتى المشهد الإعلامي يحتاج إلى جواب سياسي واضح.
ما هي رؤية الأحزاب لإصلاح الإعلام؟
ما هي مقاربتها للنهوض بالصحافة المهنية وتخليقها، وحماية التعددية، وضمان شروط الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، والارتقاء بالمحتوى الإعلامي، وتنظيم القطاع بما يضمن حق المواطن في المعلومة ويصون في الوقت نفسه مهنية الصحافة ومسؤوليتها؟
إن كثرة الأسئلة ليست تشكيكا في العمل الحزبي وخاصة الجاد، وإنما هي دعوة إلى الارتقاء به.
أكيد أن المحطة الحالية والأفق المنتظر بعد الاستحقاقات الانتخابية، يكتسيان أهمية بالغة بالنسبة لبلدنا، وبالتالي كان المؤمل هو أن تضع الأحزاب التي دبرت الشأن الحكومي كل أوراقها على الطاولة بكل وضوح ومسؤولية، كان عليها أن تبسط للمواطن ما فشلت فيه وما لم تستطع تحقيقه في برنامجها الحكومي، والبدائل التي تقترحها في كل القطاعات، بدل الاقتصار على ما يدغدغ العواطف من شعارات فضفاضة في جوانب تمس حياة المواطنين، صحيح، ولكنها ليست الوحيدة التي تشكل انتظاره.
هذا هو المنتظر بدل الحراك الانتخابي بين الأحزاب التي شكلت التحالف الحكومي ينسب المنجز لها والإخفاق لغيرها.