دخل تطبيع النظام المغربي مع الاحتلال الإسرائيلي مرحلة جديدة بإعلان رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى السفارات وتبادل السفراء.
هذا التطور يطرح سؤالاً جوهرياً من منظور الأمن الطاقي: هل سيساهم هذا التطبيع في تعزيز الأمن الطاقي المغربي؟ أم يضعفه على حساب البدائل العربية والإسلامية والإفريقية، و يزيد من هشاشة المنظومة الطاقية الوطنية؟
تأثير التطبيع على الأمن الطاقي المغربي
يقوم الأمن الطاقي على تنويع الموردين والمسارات والتكنولوجيات والتمويل. لكن التطبيع يدفع في اتجاه تعميق الارتباط بمحور واحد على حساب بناء بدائل متعددة (عربية، وإسلامية، وأوروبية، وإفريقية، وآسيوية، ومحلية). وكلما قلّت البدائل ارتفعت الهشاشة. المغرب، في ظل تبعية طاقية تصل إلى 87.5%، يحتاج إلى توسيع الخيارات، لا إلى ربط قراره الطاقي بمصالح استراتيجية خارجية متعددة الأبعاد.
الأمن الطاقي وخطر التبعية التكنولوجية
التعاون التقني مع الاحتلال في الطاقات المتجددة والشبكات والتحكم الرقمي قد يبدو تقدماً، لكنه في الواقع يوسع الاعتماد على تراخيص وبرمجيات وقطع غيار، ويتحول إلى ارتهان طاقي.
الأمن الطاقي يُقاس بقدرة المغرب على تشغيل وصيانة وتطوير منشآته بشكل مستقل، لا بعدد المشاريع المشتركة.
التطبيع كتهديد للمشاريع الطاقية المغربية
كلما ارتبطت منشآت استراتيجية مغربية (محطات الإنتاج، والشبكات الكهربائية، وأنظمة التحكم الذكية، ومشاريع التخزين) بتكنولوجيا أو تمويل أو شراكات إسرائيلية، أصبحت أكثر عرضة للتهديدات السيبرانية والضغوط السياسية والاقتصادية.
هذا الارتباط لا يقتصر على المخاطر التقنية والسياسية فحسب، بل يهدد أيضاً فرص الاستثمار. فالمستثمرون الدوليون يقيّمون المخاطر الجيوسياسية بدقة، ويفضلون تجنب المشاريع المرتبطة بطرف يعيش في حالة صراع دائم، مما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة رأس المال أو انسحاب بعض التمويلات أو تأجيل مشاريع واعدة.
الأمن الطاقي الحقيقي يقتضي عدم ربط البنى الحيوية بشريك يُدخل المغرب في دائرة توترات مستمرة، حتى لا تتحول هذه المنشآت إلى أدوات ضغط أو مصادر عدم استقرار تؤثر على جاذبية الاستثمار في القطاع الطاقي المغربي.
الانحياز الجيوسياسي يرفع «علاوة المخاطر» على إمدادات المغرب
ربط المغرب بالمحور الأمريكي-الإسرائيلي يجعله طرفاً غير مباشر في صراع الممرات البحرية (مضيق هرمز خصوصاً). يسبب هذا الانحياز ارتفاعاً في تكاليف التأمين والشحن على ناقلات النفط والغاز المتجهة إلى المغرب، لأن الأسواق العالمية تحتسب أي انحياز كعامل خطر إضافي. وقد ارتفعت تكلفة التأمين ضد مخاطر الحرب على السفن بشكل كبير جداً خلال أزمة مضيق هرمز. في بعض الحالات زادت هذه التكلفة بأكثر من 1000%، حيث انتقلت من 0.25% من قيمة هيكل السفينة إلى 3% أو أكثر. التطبيع يضيف كلفة جيوسياسية على فاتورة الطاقة المغربية.
التكلفة الاجتماعية والاقتصادية المباشرة على المواطن
أي ارتفاع في فاتورة المحروقات بسبب علاوة المخاطر الجيوسياسية ينعكس فوراً على التضخم وأسعار النقل والغذاء، ويضغط على ميزانية الدعم. المواطن يرى كلفة السياسة الخارجية في قفته اليومية دون أن يرى عائداً طاقياً ملموساً يحسّن أمنه الطاقي. هذا يضعف الثقة الاجتماعية في سياسات التحول الطاقي برمّتها.
الخلاصة
رفض التطبيع الطاقي مع إسرائيل ليس موقفاً أيديولوجياً فقط، بل خياراً عقلانياً لحماية الأمن الطاقي المغربي. التعاون مع طرف يعيش في قلب صراعات الممرات البحرية والصراعات الإقليمية يضيف مخاطر ولا يزيلها، ويضيق الخيارات ولا يوسعها، ويبني تبعية جديدة بدل بناء سيادة. الأولوية يجب أن تكون لتنويع حقيقي للشركاء، والانفتاح على العمق العربي والإسلامي، والاستثمار في القدرات الوطنية، وتحصين البنى التحتية من أي ارتباط يجعلها رهينة لأزمات الآخرين.