كشف حزب التقدم والاشتراكية عن حزمة واسعة من المقترحات الموجهة لدعم المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بالمغرب، تتصدرها مراجعة النظام الجبائي، ورفع حصة هذه المقاولات من القروض البنكية، وإحداث بنك عمومي للاستثمار، وتقليص آجال الأداء، وتوسيع ولوجها إلى الصفقات العمومية، إلى جانب إجراءات خاصة برقمنة المقاولات وتشجيع ريادة الأعمال النسائية والشبابية.
وجاءت هذه المقترحات في رسالة وجهها الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله، بتاريخ 18 شتنبر الجاري، إلى رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، ردا على مذكرة رفعتها الكونفدرالية إلى الأحزاب السياسية في أفق الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، تضمنت 13 مطلبا اعتبرتها ذات أولوية.
وقال الحزب إنه يتقاسم تشخيص الكونفدرالية بشأن ما وصفه بـ”الهشاشة الهيكلية” التي تعاني منها المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وصعوبة الولوج إلى التمويل البنكي والطلبية العمومية، فضلا عن الضغط الجبائي والمنافسة غير المتكافئة للاقتصاد غير المهيكل.
وأكد التقدم والاشتراكية أن برنامجه الحكومي للفترة 2027-2031، الذي قدمه رسميا في 2 شتنبر الجاري، يتضمن مجموعة من التدابير الموجهة للمقاولة الوطنية، معتبرا أن إنعاش الاقتصاد يمر، وفق رؤيته، عبر حماية المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتحديثها وتطويرها. ويؤكد الموقع الرسمي للحزب بالفعل تقديم برنامجه الحكومي للفترة 2027-2031 في بداية شتنبر.
ضريبة الشركات في حدود 10%
وفي الجانب الجبائي، يقترح الحزب خفض معدل الضريبة على الشركات إلى 10 في المائة بالنسبة للمقاولات الصغيرة جدا التي لا يتجاوز ربحها 500 ألف درهم، إلى جانب احتساب فترة الإعفاء من الضريبة على الشركات لمدة خمس سنوات الممنوحة للمقاولات الصناعية ابتداء من أول سنة تحقق فيها أرباحا.
كما يقترح تعميم الحق في استرجاع الضريبة على القيمة المضافة، ومعالجة ما وصفه بـ”مقصلة TVA” عن طريق آلية للتعويض من الميزانية، فضلا عن إعادة النظر في الضريبة المهنية لتحتسب على أساس نتيجة النشاط أو القيمة المضافة أو فائض الاستغلال، عوض احتسابها على القيمة الإيجارية وقيمة الاستثمارات.
وتشمل المقترحات كذلك تخفيض وتوحيد رسوم التسجيل حتى لا تشكل عائقا أمام عمليات الاستثمار وإعادة الاستثمار وإعادة هيكلة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، مع مراجعة عميقة للرسوم شبه الضريبية وتقليص عددها، وإحداث وسطاء جبائيين جهويين لتسوية النزاعات بين الإدارة والملزمين بشكل ودي.
ويقترح الحزب أيضا تحديد أجل أقصى في ثلاثة أشهر لإرجاع المبالغ المؤداة بالزيادة في الاقتطاع من المنبع المتعلق بالضريبة على الدخل والضريبة على الشركات، مع ترتيب فوائد تأخير لفائدة الملزم عند تجاوز هذا الأجل.
وفي محور التمويل، يطرح التقدم والاشتراكية هدفا يقضي برفع حصة القروض البنكية الموجهة إلى المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة إلى 40 في المائة من مجموع القروض البنكية، بالتوازي مع توفير آليات للتمويل طويل الأمد ومواكبة المقاولات الصناعية الصغيرة والمتوسطة.
كما يقترح الحزب رفع جاري قروض التجهيز الموجهة إلى الصناعات التحويلية إلى 100 مليار درهم في أفق سنة 2031، مقابل 26.8 مليار درهم سنة 2025 وفق الأرقام الواردة في الوثيقة، وذلك عبر تعزيز الضمانات العمومية التي توفرها “تمويلكم”.
ومن أبرز المقترحات في هذا الجانب إحداث بنك عمومي للاستثمار تحت اسم “BPI Maroc”، يتولى دعم التحول الهيكلي للاقتصاد والانتقال الإنتاجي والبيئي وتعزيز السيادة الوطنية، مع تعبئة 50 مليار درهم سنويا عبر هذه المؤسسة لتمويل الاستثمارات الإنتاجية والصناعية.
72 ساعة لإنشاء المقاولة
وفي ما يتعلق بمناخ الأعمال، يقترح الحزب اعتماد قانون للتحديث الاقتصادي يجمع مختلف إجراءات تبسيط إنشاء المقاولات ونموها، مع رقمنة المساطر وإحداث بوابة موحدة، فضلا عن خفض عدد التراخيص المطلوبة إلى النصف خلال الأشهر الـ18 الأولى من عمر الحكومة المقبلة.
ويقترح أيضا تعزيز صلاحيات الشباك الرقمي الموحد لإنشاء المقاولات، على أساس ألا يتجاوز أجل معالجة الملفات 72 ساعة، والانتقال تدريجيا من نظام التراخيص المسبقة إلى دفاتر التحملات والمراقبة البعدية.
وتتضمن الوثيقة كذلك وضع سقف للمصاريف والعمولات البنكية المفروضة على المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ونشر مقياس سنوي لآجال وكلفة المساطر الإدارية، وإحداث مؤسسة للوساطة لفائدة المقاولات تكون لها صلاحية التدخل لمعالجة حالات التعطيل أو البطء الإداري.
كما يدعو الحزب إلى إحداث مناطق أنشطة مخصصة للمقاولات الصغيرة جدا والمقاولات متناهية الصغر في الجهات الأقل تجهيزا، مع توفير العقار بتكلفة منخفضة أو بالمجان، حسب الحالات.
ويضع برنامج الحزب السيولة المالية للمقاولات ضمن أولوياته، إذ يقترح العمل على فرض احترام أجل أقصى للأداء محدد في 60 يوما.
ويذهب المقترح أبعد من ذلك بالنسبة للشركات الكبرى الراغبة في الحصول على الصفقات العمومية، من خلال ربط ولوجها إلى الطلبية العمومية باحترامها آجال أداء مستحقات المتعاقدين من الباطن، والذين يكونون في الغالب من المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة.
وفي محور توسيع الأسواق أمام المقاولات الوطنية، يقترح التقدم والاشتراكية تعزيز الأفضلية الوطنية تحت شعار “الإنتاج والاستهلاك المغربي”، وإدراج علامة “Maroc” ضمن معايير إسناد الصفقات العمومية، مع تعميم تطبيق مبدأ الأفضلية الوطنية.
كما يقترح إدراج بنود للمحتوى المحلي في الصفقات العمومية التي تتجاوز قيمتها 50 مليون درهم، وتشجيع المقاولات الصناعية على التصدير عبر تقوية الدعم العمومي وتطوير عروض تمويلية بواسطة بنك الاستثمار العمومي المقترح.
ويحدد الحزب هدفا لرفع حصة إفريقيا من أسواق التصدير المغربية من 10 في المائة إلى 30 في المائة، مع وضع تحفيزات عمومية مختلفة بحسب الجهات والقطاعات، وربط الاستفادة منها بأهداف الإدماج المحلي وخلق فرص شغل مستدامة.
ويأتي ذلك ضمن توجه اقتصادي أوسع يتضمنه برنامج الحزب للفترة 2027-2031، الذي يقترح رفع مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام إلى 20 في المائة وإحداث 500 ألف منصب شغل صناعي خلال خمس سنوات، إلى جانب إحداث ومواكبة 15 ألف مقاولة صغيرة ومتوسطة سنويا.
إدماج 20% من الوحدات غير المهيكلة
أما في ملف الاقتصاد غير المهيكل، فيقترح الحزب اعتماد تحفيزات للانتقال التدريجي إلى القطاع المنظم، تشمل مساهمات اجتماعية ملائمة ونظاما جبائيا مبسطا وإعفاءات مؤقتة.
ويحدد البرنامج هدفا يتمثل في خلق 300 ألف معرف ضريبي جديد خلال خمس سنوات للمقاولات الصغيرة، وإدماج 20 في المائة من الوحدات غير المهيكلة في القطاع الرسمي.
ويقترح الحزب كذلك فترة انتقالية لتسوية الوضعية تدريجيا عن طريق عقود للإدماج بين الأنشطة المعنية والدولة، وتشجيع الأنظمة الجبائية المبسطة، خصوصا المساهمة المهنية الموحدة ونظام المقاول الذاتي.
وتشمل المقترحات أيضا مراجعة نظام المقاول الذاتي والمساهمة المهنية الموحدة، من خلال حذف سقف 80 ألف درهم من رقم المعاملات مع الزبون الواحد وما يترتب عنه من اقتطاع من المنبع، فضلا عن تحيين السقوف القانونية ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والمقاولات متناهية الصغر والمهن الحرة قانونيا ومحاسباتيا.
وخصص الحزب محورا مستقلا للابتكار والرقمنة، يقترح من خلاله مواكبة 50 ألف مقاولة صغيرة جدا وصغرى ومتوسطة في التحول الرقمي عبر التكوين والاستشارة والتمويل المباشر.
وتقترح الوثيقة منح “شيكات رقمية” تصل قيمتها إلى 30 ألف درهم سنويا، عبر مؤسسة “Maroc PME”، إلى جانب ربط جزء من الدعم العمومي بإدماج الأدوات الرقمية والابتكار، وإحداث منصات قطاعية لخدمات رقمية مشتركة لفائدة المقاولات.
كما يقترح الحزب إقرار ائتمان ضريبي للبحث لفائدة المقاولات الصناعية والتكنولوجية التي تطور مشاريع للبحث والابتكارات بالتعاون مع المختبرات الجامعية، وتخصيص ما بين 5 و10 في المائة من الصفقات العمومية للشركات الناشئة المبتكرة.
وتتضمن المقترحات إطلاق صفقات عمومية تجريبية مرتبطة بالتحديات الوطنية الكبرى، وذكرت الوثيقة على الخصوص تحلية مياه البحر والهيدروجين الأخضر والذكاء الاصطناعي، فضلا عن تنظيم تحد سنوي للابتكار الصناعي بغلاف يبلغ 200 مليون درهم بين جوائز وتمويلات أولية.
كما يدعو الحزب إلى إنشاء 20 مختبرا صناعيا جهويا “FabLabs” مجهزا بالطباعة ثلاثية الأبعاد والروبوتات الصناعية والذكاء الاصطناعي التطبيقي، مع تمكين المقاولات الصناعية الصغيرة والمتوسطة من الولوج إليها بتكلفة منخفضة.
دعم المقاولات النسائية والشبابية
وفي ما يتعلق بالمقاولة النسائية، يقترح التقدم والاشتراكية تخصيص حصة 10 في المائة من الصفقات العمومية المحلية والوطنية للمقاولات التي تديرها نساء، مع اعتماد بنود اجتماعية مرتبطة بالمساواة وإعداد حصيلة سنوية تعرض أمام البرلمان.
كما يقترح إحداث “صندوق تمكين” باعتباره آلية وطنية لتمويل المقاولات النسائية والتعاونيات عبر قروض بفائدة صفرية، إضافة إلى توفير ضمان من الدولة بنسبة 100 في المائة للنساء اللواتي لا يتوفرن على ضمانات عقارية.
وتشمل التدابير المقترحة أيضا إحداث صندوق “الاستثمار في النساء” داخل بنك الاستثمار العمومي المقترح، لتمويل انتقال المقاولات النسائية من وضع المقاولة الصغيرة جدا إلى مقاولة صغيرة أو متوسطة أو كبيرة.
وبالنسبة للشباب، يقترح الحزب إحداث صندوق وطني لرأسمال الانطلاق مخصص للشباب بين 18 و35 سنة، إلى جانب تخصيص 20 في المائة من المواقع داخل مناطق الأنشطة الجديدة للشباب حاملي المشاريع والنساء صاحبات المقاولات والمقاولين الذاتيين والمقاولين في وضعية إعاقة.
ويطرح الحزب كذلك آلية لدعم التشغيل تتحمل بموجبها الدولة، بشكل تنازلي، ما يصل إلى 50 في المائة من الأجر الإجمالي لمدة 18 شهرا عن كل توظيف بعقد غير محدد المدة في المقاولات الصغيرة والمتوسطة بالمناطق التي تعرف معدلات مرتفعة للبطالة.
ويقترح أيضا إحداث وضع قانوني تحفيزي لـ”المقاولة الشابة المبتكرة”، يتضمن نظاما جبائيا واجتماعيا ملائما لاحتياجات الشركات الناشئة.
وفي المحور الأخير من المقترحات، يدعو التقدم والاشتراكية إلى إحداث مجلس استشاري للحوار الاجتماعي يضم الدولة والشركاء الاجتماعيين والفاعلين الاقتصاديين الرئيسيين، مع تمثيل الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة داخله.
وطالب الحزب كذلك بتمثيل “فعلي ومنصف” للكونفدرالية داخل مختلف الهيئات ومجالس إدارة المؤسسات العمومية والجهوية المعنية، معتبرا أن خبرتها الميدانية وقدرتها على نقل صوت المقاولات الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تساهما في بلورة القرارات العمومية المتعلقة بالقطاع.
وختم بنعبد الله رسالته بالتأكيد على أن تصور حزبه يقوم على الانتقال، في علاقات الدولة بالمقاولة، من منطق الإكراه إلى سياسة للتشجيع والثقة والشراكة، عبر تحسين مناخ الأعمال وتكييف العبء الجبائي وتوسيع الولوج إلى الائتمان وتقليص آجال الأداء وفتح الطلبية العمومية أمام النسيج الإنتاجي المحلي. كما أعلن استعداد الحزب لمواصلة الحوار مع الكونفدرالية بعد الانتخابات.