منتدى العمق

الإصلاح الذي يختبر صدقية الأحزاب

تمنح الانتخابات التشريعية المقبلة للأحزاب فرصة لطرح برامجها أمام الناخبين. تتعدد الوعود حول الاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية، وستتسع المنافسة حول ما تستطيع كل قوة سياسية أن تقدمه للمغاربة خلال الولاية المقبلة.

وسط هذا السيل من الوعود، يستحق سؤال واحد أن يحتل موقعاً متقدماً: ماذا ستفعل الأحزاب داخل بيتها قبل أن تطلب من الدولة والمجتمع تنفيذ الإصلاح؟
تصل المسألة إلى التعويضات والامتيازات المرتبطة بالمسؤوليات البرلمانية والحكومية. فالبرلماني يتقاضى تعويضاً مقابل مهمة تمثيلية وتشريعية محددة، والوزير يتقاضى أجراً مقابل مسؤولية حكومية تتطلب تفرغاً وجهداً. أصل الاستحقاق مفهوم ومبرر، أما النقاش الحقيقي فيكون عن التعويضات ، وطبيعة الامتيازات المصاحبة له، والحقوق التي تستمر بعد انتهاء المسؤولية.

وهنا يتخذ السؤال بعداً سياسياً وأخلاقياً في آن واحد: هل تستطيع الأحزاب التي تتحدث عن ترشيد النفقات ومحاربة الريع وتحقيق العدالة الاجتماعية أن تضع على نفسها التزاماً واضحاً بمراجعة ما يرتبط بمسؤوليها من امتيازات؟

لقد عرف ملف معاشات البرلمانيين مساراً تشريعياً انتهى إلى إلغاء وتصفية النظام الخاص بأعضاء مجلس النواب، وأقرت المحكمة الدستورية سنة 2021 دستورية القانون المتعلق بذلك. وهذه الحقيقة تجعل النقاش الحالي أكثر دقة: القضية اليوم تستدعي الانتقال من الجدل القديم إلى سؤال أوسع يتعلق بمنظومة التعويضات والامتيازات الخاصة بالمسؤولين السياسيين، مع فتح نقاش جدي حول معاشات أعضاء الحكومة.

هذا النقاش يستحق مكانه داخل البرامج الانتخابية.
يمكن لحزب سياسي أن يعلن أمام الناخبين التزامه بمراجعة التعويضات البرلمانية، وضبط التعويضات المرتبطة بالمهام، ومراجعة الامتيازات الخاصة، وطرح إصلاح تشريعي يخص معاشات أعضاء الحكومة. ويمكنه أن يحدد سقفاً زمنياً لإنجاز هذه الإصلاحات، وأن يجعل منتخبيه ووزراءه ملتزمين بها.
عند التنفيذ يتحول الوعد إلى اختبار.

فالناخب يسمع منذ سنوات عبارات كثيرة عن الإصلاح. لكنه يحتاج إلى علامة عملية تساعده على التمييز بين خطاب انتخابي وآخر. وإذا جاء حزب وقال: سنبدأ الإصلاح من داخل تنظيمنا، وسيتخلى أعضاؤنا المنتخبون عن جزء من التعويضات التي يسمح القانون بالتنازل عنها، وسندفع نحو تعديل القوانين التي تمنح امتيازات خاصة للمسؤولين السياسيين، فإن الحزب يقدم للناخب التزاماً له كلفة على أصحابه.
وهذه الكلفة تمنح الوعد وزناً سياسياً.

المقصود هو تحقيق توازن عادل في تعويض البرلماني والوزير. فالعمل السياسي يحتاج إلى شروط مادية تحفظ استقلال المسؤول وتتيح للكفاءات المشاركة في الحياة العامة. كما أن خفض التعويضات بصورة عشوائية قد يضر بجودة التمثيل السياسي، ويدفع بعض الكفاءات بعيداً عن المؤسسات المنتخبة.
المطلوب هو العدالة في توزيع الكلفة.

إذا طالبت الدولة المواطنين بإصلاحات صعبة، وطلبت منهم أداء الضرائب واحترام القواعد وتحمل أعباء التحولات الاقتصادية والاجتماعية، فمن الطبيعي أن يشعر المواطن بأن أصحاب القرار يعيشون تحت القواعد الأخلاقية نفسها.
وتظهر قيمة المبادرة الحزبية حين يتحول الموقف المعلن إلى التزام قابل للتنفيذ.

قد يقول حزب مثلاً: إن مراجعة التعويضات والمعاشات تحتاج إلى قانون، وهذا صحيح. لكن الحزب يستطيع أن يعلن موقفه قبل الانتخابات، ويضع مشروع الإصلاح ضمن برنامجه، ويحدد خطواته التشريعية، ثم يلتزم منتخبو الحزب بالتصويت عليه بعد تشكيل البرلمان.
عندها يصبح الناخب أمام وعد قابل للمحاسبة.

بل يمكن للأحزاب أن تذهب خطوة أبعد: نشر تفاصيل التعويضات التي يحصل عليها نوابها، وتحديد المبالغ التي يتنازل عنها المنتسبون إليها طوعاً، وإعلان مواقفها من كل مشروع قانون يتعلق بامتيازات المسؤولين السياسيين.
تلك شفافية تتيح للمواطن الحكم على الأفعال .

وتكتسب الفكرة أهمية خاصة خلال الانتخابات الحالية. فالحملة الانتخابية بدأت في 10 شتنبر وتنتهي في 22 منه، فيما يجري الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026. لذلك يستطيع الناخب أن يطرح هذا السؤال الآن، قبل وضع صوته في الصندوق:
أي حزب مستعد لأن يبدأ الإصلاح من داخله؟

السؤال يستهدف جميع المتنافسين بالمعيار نفسه، ويترك للناخب حرية اختيار الجهة السياسية التي يراها أكثر التزاماً بهذا المعيار.
الحزب الذي يلتزم بإصلاح امتيازات مسؤوليه، ويعلن تفاصيل التزامه، ويضع له أجلاً وآلية للتنفيذ، يقدم للناخب دليلاً على جدية برنامجه.

أما الحزب الذي يطلب من المجتمع التضحية، ثم يستثني مسؤوليه من روح الإصلاح، فعليه أن يشرح للمواطن سبب هذا الاستثناء.
السياسة تحتاج إلى استعداد لتحمل الكلفة.ويبقى السؤال الأكثر دلالة على صدقية الإصلاح:
حين تطلبون من المغاربة أن يتحملوا كلفة الإصلاح، ماذا أنتم مستعدون أن تتحملوا؟
من هنا تبدأ المصداقية.