يقال إننا شعب تفرقه الزرواطة وتجمعه الغياطة. عبارة تبدو ساخرة، لكنها تختصر جانبا عجيبا من علاقتنا بالسياسة والفرجة: قد نختلف حول الحكومة والمعارضة، ونتخاصم بشأن الأسعار والبطالة والتعليم والصحة، ثم تكفي نفخة واحدة في الغيطة ودقة محكمة على البندير حتى تهدأ الخصومات، وتنتظم الأجساد في حلقة، ويصبح الوطن كله عرسا لا أحد يعرف من صاحبه ولا من سيدفع فاتورته.
تعيد هذه المشاهد إلى الذاكرة زمنا بريئا، يوم كنا صغارا نركض خلف «الهدية» في الأزقة، مأخوذين بصوت الغيطة وقرع الطبول، نلاحق «الكروسة» من حي إلى آخر، ونراقب بدهشة طفولية اهتزاز البطون والأكتاف والأرداف فوقها. لم نكن نفهم لماذا يرقص الكبار بتلك الحماسة، لكننا كنا نعرف أن الفرجة مجانية، وأن الغبار الذي نبتلعه في الطريق جزء من المتعة. كانت «الهدية» تمر، فيلحق بها الأطفال، وتطل النساء من النوافذ، ويترك الرجال فناجين الشاي، كأن الحي تلقى خبرا وطنيا عاجلا.
كبرنا، واختفت عربات كثيرة، وقل عدد الأعراس، وربما ساهم العزوف عن الزواج في تقليص مواسم الغيطة. غير أن السياسة، بحاستها التجارية النادرة، أنقذت المهنة من الركود. فقد اكتشفت الأحزاب أن الحملة الانتخابية تستطيع أن تكون عرسا بلا زواج، وزفة بلا عروس، ووليمة يدفع المواطن ثمنها ثم يمنع من حضورها بعد إعلان النتائج. وهكذا انتقلت الغيطة من الأزقة إلى المنصات، وصار المرشح يدخل الساحة كما يدخل العريس، محاطا بالمصفقين، تتقدمه مكبرات الصوت وتتأخر خلفه الوعود.
المشهد مضحك حقا: بلد يئن من الغلاء، وشباب يطارد عملا لا يأتي، ومستشفيات تحتاج إلى العلاج، ومدارس تبحث عمن ينقذها، ثم يظهر مرشح يهز كتفيه كأنه وجد الحل النهائي. لا يقدم رقما ولا جدولا زمنيا ولا مصدرا للتمويل، لكنه يقدم رقصة كاملة الأركان. وحين تعجز السياسة عن رفع القدرة الشرائية، ترفع صوت الموسيقى؛ وحين تفشل في تحريك الاقتصاد، تحرك الأرداف؛ وحين لا تجد ما تضعه في البرنامج، تضع المرشح وسط الحلقة وتطلب من الجمهور التصفيق.
تلك هي العبقرية الجديدة في التواصل الانتخابي: المواطن لا يحتاج، في نظر بعضهم، إلى تفسير أسباب البطالة أو ارتفاع الأسعار، بل إلى إيقاع سريع ينسيه الأسئلة. والناخب ليس شريكا في القرار، وإنما ضيف موسمي يستقبل بالتمر والشاي والابتسامات، ثم يودع عند باب الصندوق. أما البرنامج، ذلك الكائن الثقيل قليل الرشاقة، فيترك بعيدا حتى لا يفسد خفة الحفل بأسئلة الحساب والمحاسبة.
ومع ذلك، لا ذنب للغيطة ولا للبندير. فالفن الشعبي ذاكرة جماعية، والفرح حق، والرقص لغة إنسانية لا تحتاج إلى ترخيص حزبي. المشكلة تبدأ عندما تستعمل الثقافة ستارا لإخفاء الفراغ، ويتحول الفنان إلى زينة في موكب انتخابي، ويصبح التراث مسحوق تجميل يوضع على وجه سياسة شاخت قبل أن تنضج. عندها لا تكون المنصة احتفاء بالهوية، بل محاولة لإغراق السؤال العام في ضجيج مدفوع الثمن.
لعل أخطر ما في هذه الفرجة أنها تحول المعاناة إلى مشهد مسل. يضحك الناس لأن الهم كثر، ويرقص بعضهم لأن البديل هو الصراخ، وتصور الهواتف الحلقة كأنها دليل على شعبية المرشح. لكن الكاميرا لا تظهر الشاب العاطل خارج الإطار، ولا المريض المنتظر دوره، ولا الأسرة التي تحسب ثمن الخبز والحليب قبل أن تحسب أيام الشهر. هؤلاء لا يسمعهم أحد، لأن الغيطة أعلى من أنينهم.
ستنتهي الحملة، وتغادر مكبرات الصوت، وتطوى الخيام، ويعود الراقصون إلى سياراتهم. سيبقى المواطن وحده يكنس غبار الزفة، ويسأل عن الوعود التي مرت من أمام بيته ولم تتوقف. عندها سيدرك أن ما شاهده لم يكن عرسا للديمقراطية، بل «هدية» سياسية حديثة: كروسة مزينة، وضجيج كثير، وفرجة عابرة، وصندوق ينتظر صوته.
فالانتخابات ليست موسما لاختبار مرونة الأكتاف، وإنما موعد لاختبار صدق البرامج وكفاءة الرجال وقدرة المؤسسات على تحويل التصفيق المؤقت إلى ثقة دائمة راسخة.
حقا، «إلا كثر الهم يضحك». لكن كثرة الضحك لا تعني أن الهم انتهى، كما أن كثرة الغياطة لا تصنع سياسة. فالوطن لا يحتاج إلى من يجيد دخول الحلقة، بل إلى من يعرف كيف يخرج الناس من دائرة الفقر والانتظار.