يقول الله تعالى: “و ماكان لنبيء ان يُغَلْ ومن يَّغْلُلْ يات بما غَلَّ يوم القيامة” الآية 161 سورة آل عمران. و قد قُرِأتْ « يُغَلْ » بِ « يَغُلْ »أي ما كان من شأن النبي صلى الله عليه وسلم أن يخون و حاشاه أن يفعل، وقرأها الإمام ورش عن نافع ب( يُغَلْ) فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله، و هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. و لا يصح أن نقول مبني للمجهول تأدبا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، و معنى الآية أنه لا يجوز أن يخونَ المسلمُ النبي صلى الله عليه وسلم و لا أن يخون وليَّ أمره لأن الطاعة واجبة شرعا، مصداقا لقول الله تعالى: “ياأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” الآية 59 سورة النساء.
لذلك لايجوز للموظف أو لمن تولى تسيير الشأن العام أن يخون ولي الأمر في المال العام، لانه مالُ المسلمين و من معهم، أو بالمعنى المعاصر مال المواطنين ودافعي الضرائب، لا ماله و لا مال أبيه و أمه، كما جاء في الحديث من عدة روايات وطرق.
تترتب عن الغلول (أي اختلاس و تبديد المال العام) وخيانة الأمانة عقوبات في الدنيا كالعزل عن الوظيفة، و السجن، و مصادرة الأموال، وفقدان الحقوق الوطنية كالترشح و التصويت لمنصب او انتخابات ؛ أو تسيير جمعية أو القيام بعمل عمومي؛ فيستحق على نفسه السجن و الغرامة و على ذويه و هو معهم الخزي و المعرة.
و الغافل هو من لاينتبه لسوء العاقبة في الدنيا فيخوض في المال العام تبديدا أو تبذيرا أو اختلاسا او إسرافا. أما عقوبة الآخرة فهي أشد و أدهى وأمر؛ فقد روت خولة بنت قيس الأنصارية أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : “إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة” رواه البخاري.
سيلقى الذي لا يراقب الله أو لا يراقب ضميره و القانون في المال العام مصيرا عنوانه الخزي و السجن، فيصير وضيعا بعد ان كان شريفا محترما. و قد رأينا أناسا كانت الدنيا تقوم لهم و لا تقعد، فلما اختلسوا و بدلوا و غيروا دارت عليهم الدائرة، و استقروا في بئر سحيق من العقوبة و الألم والندم؛ و هيهات هيهات! لا ينفع الندم بعد العدم، و لات حين مندم.
لنحذو حذو المنظمات الدولية المعاصرة و البلدان الإسكندنافية والغربية في محاربتها الصارمة للفساد المالي؛ وسوء تدبير الموارد و المقدرات خاصة على مستوى الأحزاب والمؤسسات العامة؛ و ليبذل أصحاب القرار جهودا مضاعفة لترشيد النفقات، وتخليق الحياة العامة، و ليُضْرَبْ بقانونٍ من حديد على من أخذ ما ليس له و إن كان في نظره زهيدا؛ لان تبديد المال العام يضعف الدولة، ويَحْرِمُ المستحِق، و يعطي من لا يستحق ما لا يستحق؛ وهو ظلم و عدوان لا يرضاه الشرع ولا القانون.
قال الله تعالى “إن الله يامركم أن تودوا الامانات إلى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل”. الآية 58 سورة النساء
إن المال العام هو عصبُ حياةِ الدولةِ، به يُشَيَّدُ العمرانُ و به يساسُ البلاد و العباد.
و قد ذكر كثير من فقهاء السياسة الشرعية أهمية الحفاظ على المال العام و مقدرات الدولة، أذكر منهم: الإمام مالك و أبا يوسف صاحب الامام أبي حنيفة ومؤلف كتاب الخراج، والقلقشندي ،وابن تيمية، وابن القيم و الماوردي، و غيرهم من الفقهاء الذين استدلوا بأمثلة ووقائع وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، و في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وخاصة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي دون الدواوين، و مَصّرَ الأمصار، و أسَّسَ لأول مرة في الإسلام مؤسسةً سماها بيت مال المسلمين، تقليدا لما فعلته أمم أخرى كالفرس والروم وغيرهم. و لا ضير فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
أما على المستوى القانوني المعاصر، فان الدستور المغربي لسنة 2011، يشير في الفصل 36 إلى مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة و ينص على عقاب حالات تنازع المصالح، واستغلال التسريبات، والمخالفات المالية، ويُلْزِمُ هذا النص السلطات العمومية بالوقاية من انحرافات الإدارات وتدبير الأموال والصفقات العمومية والزجر عنها.
كما يشير القانون الجنائي في الفصل 241 إلى عقاب و زجر كل موظف عمومي بدد أو اختلس أموالاً عامة أو خاصة موضوعة تحت يده بحكم وظيفته. و تتراوح العقوبة حسب منطوق النص بين السجن من سنتين إلى 5 سنوات، وتصل إلى السجن من 5 إلى 20 سنة وغرامات ثقيلة إذا تجاوزت قيمة المبالغ حداً معيناً.
لهذا حرص مولانا أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله على دعم و تقوية المؤسسات الدستورية التي تعنى بمحاربة الفساد المالي والإداري،كالمجلس الأعلى للحسابات، والمجالس الجهوية للحسابات، و الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، و كذلك المفتشية العامة للمالية.
بهذا فقط يعتدل الميزان وينصلح حال البلاد والعباد، و إن شئنا قلنا بلغة قانونية معاصرة: بهذا يتحقق تخليق الحياة العامة و يُفَعَّلُ ربطُ المسؤولية بالمحاسبة لتثبيت الحقوق و الواجبات لصالح الوطن و المواطنين والمواطنات.
“إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.” الآية 90 سورة النحل.