منتدى العمق

حين يصبح الكذب السياسي فنّا لإقناع المواطن

في مواسم الانتخابات، لا يتغير المشهد السياسي فقط، بل تتغير معه لغة الخطاب أيضًا. فجأة يصبح المواطن محور الاهتمام، وتتحول مطالبه اليومية إلى عناوين كبرى في البرامج والوعود، ويصبح الفقير والمهمش والعاطل والشاب والمرأة والقرية والمدينة حاضرين بقوة في خطب المرشحين. تُفتح أبواب التواصل، وتكثر اللقاءات، وتتسع دائرة الابتسامات والمصافحات، ويُعاد اكتشاف المواطن باعتباره صاحب القرار وصاحب الصوت الذي لا يُقدَّر بثمن. لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرًا خلف كل هذه الضوضاء: هل نحن أمام خطاب سياسي صادق يريد إقناع المواطن، أم أمام خطاب انتخابي يعرف كيف يستميله إلى حين انتهاء موعد التصويت؟

المشكلة ليست في الإقناع السياسي في حد ذاته؛ فالإقناع جزء أصيل من العملية الديمقراطية، والسياسي من حقه أن يقدم رؤيته وأن يدافع عن برنامجه وأن يسعى إلى كسب ثقة الناخبين. لكن الخط الفاصل بين الإقناع والتضليل يبدأ عندما تتحول الحقيقة إلى مادة قابلة للتشكيل، وحين تصبح الوعود أكبر من الإمكانات، والشعارات أكثر حضورًا من المشاريع، والعاطفة أقوى من الحجة، والصورة أهم من الإنجاز. عندها لا يعود الخطاب السياسي وسيلة لإقناع المواطن بعقلانية، وإنما يصبح أداة للتأثير في اختياراته واستدراج صوته.

ومن أكثر أدوات الخطاب الانتخابي شيوعًا صناعة صورة مثالية للمستقبل. يُقال للمواطن إن مشكلاته ستجد طريقها إلى الحل، وإن البطالة ستتراجع، وإن الخدمات ستتحسن، وإن البنية التحتية ستتطور، وإن المنطقة ستنتقل إلى مرحلة جديدة، وكأن مجرد الوصول إلى المسؤولية يمنح السياسي عصًا سحرية قادرة على تغيير الواقع بين عشية وضحاها. ولا يُطلب من الناخب في كثير من الأحيان أن يسأل: كيف؟ وبأي ميزانية؟ وفي أي مدة؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ وما حدود الاختصاص؟ لأن هذه الأسئلة العقلانية قد تفسد جمالية الحلم الذي يراد بيعه في موسم الانتخابات.

وهنا تظهر إحدى أخطر تقنيات الخطاب السياسي: تحويل الوعد إلى حقيقة قبل أن يتحقق. فالسياسي لا يقول دائمًا: “سنسعى إلى إنجاز المشروع”، بل قد يقدم المشروع وكأنه أمر محسوم، ولا يقول: “سنحاول معالجة المشكلة”، وإنما يتحدث بلغة اليقين والحسم. وبمرور الوقت، تتحول الوعود في ذهن بعض المواطنين إلى حقوق مكتسبة، ثم يصبح عدم تحققها بعد الانتخابات مجرد تفصيل يمكن تبريره بعبارات جاهزة من قبيل: الظروف لم تساعد، والإمكانيات محدودة، والإدارة عرقلت، والجهات الأخرى لم تتعاون.

والأكثر إثارة للانتباه أن بعض الخطابات السياسية لا تبني قوتها على ما أنجزه المرشح، وإنما على ما يمكن أن يفعله مستقبلًا. فبدل أن يُسأل: ماذا فعلت خلال الفترة السابقة؟ يُطلب من المواطن أن يستمع إلى ما سيحدث في الفترة المقبلة. وهكذا تُمحى الذاكرة السياسية، ويصبح المستقبل وسيلة للهروب من محاسبة الماضي. وكلما كان الماضي مليئًا بالأسئلة، ارتفعت نبرة الحديث عن المستقبل.

إن المواطن الذي لا يمتلك ذاكرة انتخابية قوية يصبح أكثر قابلية للتأثر بالخطاب العاطفي. ولذلك تُستحضر أحيانًا صور الماضي الجميل، والحديث عن الوفاء، والكرامة، والرجولة، والقرابة، والصداقة، والانتماء إلى المنطقة، وكأن الانتخابات ليست اختيارًا لمن سيدبر الشأن العام، وإنما مناسبة لتجديد علاقات شخصية أو عائلية أو اجتماعية. وهنا يتحول الناخب من مواطن يملك حقًا سياسيًا إلى شخص يشعر بأنه مدين للمرشح بمعروف أو قرابة أو مساعدة سابقة.

ومن أخطر ما يمكن أن يفعله الخطاب الانتخابي أن يخاطب حاجة المواطن بدل وعيه. فحين يكون الإنسان في حاجة إلى العمل أو المساعدة أو تحسين ظروف العيش، يصبح أكثر عرضة للتأثر بالوعود المباشرة. والسياسة حين تستثمر في الحاجة الإنسانية لا تعود تمارس الإقناع بالمعنى الديمقراطي، وإنما تقترب من استغلال الهشاشة الاجتماعية. لذلك فإن شراء الولاءات، مهما اختلفت أشكاله، لا يصنع مواطنًا مقتنعًا، وإنما يصنع علاقة مؤقتة قائمة على المنفعة.

ثم هناك خطاب آخر أكثر ذكاءً، يقوم على تقديم المرشح نفسه باعتباره الشخص الوحيد القادر على الإنقاذ. يُصوَّر المنافسون باعتبارهم سبب الفشل، بينما يُقدَّم صاحب الخطاب باعتباره البديل الضروري. وهكذا تختزل السياسة في ثنائية بسيطة: نحن الخير، والآخرون الشر؛ نحن نريد الإصلاح، والآخرون يريدون مصالحهم؛ نحن نعمل، والآخرون يتحدثون. إنها طريقة فعالة في تعبئة الجمهور، لكنها فقيرة من الناحية الديمقراطية، لأنها تستبدل النقاش حول البرامج والنماذج والنتائج بصراع حول الأشخاص والصور والانطباعات.

وفي بعض الحالات، يصبح مهاجمة الخصم أسهل من تقديم برنامج قابل للنقاش. فبدل أن يشرح المرشح كيف سيحل مشكلة النقل أو التعليم أو الصحة أو التشغيل أو البنية التحتية، ينشغل بتعداد أخطاء منافسه. وبذلك يتحول الخطاب السياسي من منافسة في الأفكار إلى منافسة في التشويه. والنتيجة أن المواطن يجد نفسه أمام معركة كلامية لا تساعده على معرفة من يملك الحل الأفضل، وإنما تجعله يبحث عن الأقل سوءًا.

كما أن اللغة السياسية الحديثة استفادت كثيرًا من وسائل التواصل الاجتماعي. صورة واحدة يمكن أن تصنع انطباعًا أقوى من برنامج كامل، ومقطع قصير قد ينتشر آلاف المرات دون أن يمنح المشاهد فرصة للتحقق من مضمونه. أصبح السياسي قادرًا على صناعة حضور دائم، وعلى تقديم نفسه في صورة القريب من الناس، المتواضع، المتفاعل مع قضاياهم، حتى إن كان ذلك الحضور مجرد إدارة ذكية للصورة. وهنا تتقدم سياسة الصورة على سياسة الإنجاز.

فالسياسي الذي يعرف كيف يقف أمام الكاميرا، وكيف يصافح، وكيف يبتسم، وكيف يختار كلماته، قد يحصل على تعاطف أكبر من سياسي يمتلك برنامجًا أكثر واقعية لكنه أقل قدرة على صناعة المشهد. وفي زمن الصورة، لم يعد المهم دائمًا ما فعلته، بل كيف جعلت الناس يرون ما فعلته.

ومن هنا نفهم لماذا تنتشر بعض العبارات الانتخابية بسهولة: “نحن مع المواطن”، “نحن أبناء المنطقة”، “نحن نعرف معاناتكم”، “لن نترك أحدًا”، “سنغير الواقع”، “سنحارب الفساد”، “سنخدم الناس”. كلها عبارات جميلة في ظاهرها، لكنها لا تصبح ذات قيمة سياسية إلا عندما تتحول إلى التزامات قابلة للقياس والمساءلة. فالمشكلة ليست في الشعار، وإنما في استخدام الشعار بديلاً عن البرنامج.

والسياسة الجادة لا تخاف من الأرقام. السياسي الصادق يستطيع أن يقول للمواطن: هذه صلاحياتنا، وهذه ليست من اختصاصنا؛ هذه ميزانيتنا، وهذه حدودها؛ هذا المشروع يمكن إنجازه خلال هذه المدة، وهذا يحتاج إلى سنوات؛ وهذا الوعد نستطيع الالتزام به، أما ذلك فلا نملك القدرة على تحقيقه. لكن مثل هذا الخطاب قد يبدو أقل جاذبية من الخطاب الذي يعد بكل شيء. ولذلك فإن الصدق السياسي قد يكون أقل شعبية من الوعد الجميل، لأن الحقيقة في كثير من الأحيان ثقيلة، بينما الوهم خفيف وسهل التسويق.

إن المواطن لا يحتاج إلى سياسي يقول له ما يريد سماعه، وإنما يحتاج إلى سياسي يحترم عقله بما يكفي ليقول له ما يمكن تحقيقه فعلًا. فالاحترام الحقيقي للناخب يبدأ من الاعتراف بقدرته على الفهم والمقارنة والحكم، وليس معاملته باعتباره مجرد صوت انتخابي ينبغي الوصول إليه بأي وسيلة.

ولعل أخطر لحظة في العملية الديمقراطية هي تلك التي ينتهي فيها التصويت، وتنتهي معه الحاجة إلى المواطن. فإذا كان المواطن قبل الانتخابات ضيفًا عزيزًا، وصاحب أولوية، وشريكًا في صناعة القرار، فلماذا يصبح بعد الانتخابات مجرد متفرج ينتظر؟ وإذا كانت أبواب التواصل مفتوحة في الحملات، فلماذا تضيق بعد ظهور النتائج؟ وإذا كانت الوعود كثيرة قبل التصويت، فلماذا يصبح السؤال عنها بعد الفوز نوعًا من الإزعاج؟

هنا تحديدًا ينبغي أن تبدأ المحاسبة. فالديمقراطية ليست يوم الاقتراع فقط، بل هي أيضًا ما يأتي بعده. التصويت يمنح الثقة، لكنه لا يمنح صكًا على بياض. والناخب الذي يضع ورقة في الصندوق لا يتنازل عن حقه في السؤال والمتابعة والنقد والمساءلة. بل إن مسؤوليته تبدأ، بشكل أو بآخر، من لحظة إعلان النتائج.

المشكلة إذن ليست في أن السياسي يريد كسب أصوات الناخبين؛ فهذا طبيعي في كل نظام انتخابي. المشكلة في الوسائل التي تُستخدم لكسبها. فهناك من يسعى إلى إقناع المواطن بالبرنامج والدليل والإنجاز، وهناك من يسعى إلى التأثير فيه بالخوف، أو العاطفة، أو الوعد المبالغ فيه، أو استغلال الحاجة، أو تشويه المنافس، أو استدعاء روابط القرابة والانتماء.

والفرق بين السياسي الذي يقنع والسياسي الذي يضلل يمكن اختصاره في سؤال واحد: هل يسمح لك خطابه بأن تتحقق وتناقش وتقارن، أم يطلب منك أن تصدق فقط؟
السياسة الناضجة لا تخشى الأسئلة. بل إن كثرة الأسئلة دليل على صحة الحياة الديمقراطية. أما الخطاب الذي ينزعج من السؤال، ويعتبر النقد عداءً، والمساءلة تشويشًا، والمخالفة خيانة، فهو خطاب يريد من المواطن أن يكون تابعًا لا شريكًا. والمواطن الذي يتخلى عن حقه في السؤال يمنح السياسي مساحة واسعة للتحرك دون رقابة.

لذلك فإن مقاومة التضليل الانتخابي لا تقع على السياسي وحده، وإنما تقع أيضًا على المواطن. فالناخب مسؤول عن قراره، وعليه ألا يجعل صوته أسيرًا للقرابة أو الصداقة أو الوعد الشخصي أو الانتماء الضيق. عليه أن يسأل عن البرنامج، وأن ينظر إلى الحصيلة، وأن يقارن بين الأقوال والأفعال، وأن يميز بين ما يدخل في اختصاص المرشح وما لا يدخل، وأن يتذكر ما قيل بالأمس حين يسمع وعود اليوم.

وفي النهاية، لا ينبغي أن نطلب من السياسي أن يكون ملاكًا، فالسياسة مجال للمنافسة والمصلحة والاختلاف، ولكن ينبغي أن نطلب منه على الأقل ألا يجعل الكذب وسيلة للنجاح. كما ينبغي ألا نطلب من المواطن أن يكون خبيرًا في كل تفاصيل التدبير، وإنما أن يكون يقظًا بما يكفي حتى لا يمنح ثقته لمن يبيع له الوهم في عبارات منمقة.

فالانتخابات ليست موسمًا لبيع الأحلام، ولا مناسبة لتوزيع الوعود، ولا مسرحًا لتجميل الأشخاص. إنها لحظة سياسية يفترض أن يختار فيها المواطن من يعتقد أنه الأقدر على تمثيله وخدمة الصالح العام. وكلما ارتفع وعي المواطن، ضاقت مساحة الخطاب المضلل؛ وكلما أصبح السؤال أقوى من التصفيق، والبرنامج أهم من الصورة، والحصيلة أهم من الوعود، أصبح الكذب السياسي أقل قدرة على صناعة النتائج.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الديمقراطية ليس أن يكذب السياسي، فالكذب يمكن كشفه، وإنما أن يفقد المواطن رغبته في التحقق. حينها يصبح كل شعار حقيقة، وكل وعد إنجازًا مؤجلًا، وكل ابتسامة دليلًا على الصدق، وكل حملة انتخابية فرصة جديدة لإعادة إنتاج الوهم.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين المرشحين على أصوات المواطنين، وإنما بين وعي المواطن ومحاولات التأثير في هذا الوعي. ومن ينتصر في هذه المعركة هو الذي يحدد في النهاية شكل السياسة ومضمونها: فإذا كان الناخب يطلب الحقيقة، اضطر السياسي إلى تقديمها؛ وإذا كان الناخب يكتفي بالشعار، وجد السياسي في الشعار طريقًا سهلًا إلى صوته.

وفي السياسة، كما في الحياة، لا يُقاس صدق الكلام بجماله، وإنما بما يصمد منه أمام الاختبار. فالوعود تُقال في المنابر، أما الحقيقة فتظهر في الواقع. والشعارات تُرفع قبل الانتخابات، أما الإنجازات فتتكلم بعدها. وبين الاثنين يبقى المواطن هو الحكم، بشرط أن يتذكر، وأن يسأل، وألا يسمح لأحد بأن يستأجر وعيه لبضعة أيام ثم يطلب منه الصمت لسنوات.