في 2021 قررت مقاطعة الانتخابات، وذلك بسبب القرارات التي يتحمل وزرها حزب العدالة والتنمية، وأُلصقت بجبينه، وإن كان طرفًا في حكومة قادت بعض أحزابها البلاد فيما بعد إلى الهاوية، ومنحت للمواطن حق الاكتواء بلهيب الأسعار فقط، إذ تخففت في عهدها قفة المواطن المغربي مما تعودت عليه في ولايتي المصباح، قبيل ارتقاء حكومة الكفاءات سدة القيادة.
وبعد مرور خمس سنوات، ونحن على أبواب محطة انتخابية جديدة، يحق لي طرح السؤال التالي: هل كان قرار المقاطعة ناجعًا سياسيًا؟ وهل استطاع متخذه معاقبة الحزب ومن قاد معه التجربة؟
الإجابة بالقطع: لا.
بل الأفجع أننا ساهمنا، بوعي أو بدونه، في وصول جماعة من الفراقشية إلى منطقة القرار السياسي، لتمارس هوايتها في السطو القانوني على المال العام. ولا أظنني، بقولي هذا، أفشي سرًا عظيمًا؛ لأن ما نسمعه من قيادات الأغلبية، أو بتعبير آخر حلفاء الأمس، يفوق ما صرخت به المعارضة طوال هذه السنوات وما حاولت كشفه، لتتحول الحملات المفروض فيها الدفاع عن الحصيلة الحكومية وإبراز سبل تطويرها، إلى حفلات من الجلد المتبادل، والمزايدات، والتنصل من المسؤولية.
وإذ أعد نفسي وغيري من طلبة الجامعات من المحسوبين على النخب المثقفة، دون تدقيق في المراد بالمثقف، إذ نقبله في حدوده الدنيا، فإن هذه النخبة يجدر بها، أمام هذا البؤس السياسي، ويفترض فيها، لما تملكه من أدوات معرفية ومنهجية، أن تكون مؤهلة للفهم والتحليل والاستنتاج، بما يفضي إلى القرار الواعي، سواء بالإجابة عن سؤال المشاركة أو المقاطعة.
وهذه الأخيرة يلزم أصحابها تسطير برنامج موازٍ للإصلاح أو التغيير، منسجم مع مرجعية الداعين إليها، خروجا بها من موقف سلبي إلى آخر إصلاحي يجسد المعارضة من خارج المؤسسات.
لا أتقصد من هذه المقالة أن أحصر دور الطالب الجامعي ـ المثقف ـ في التنظير والتأسيس للمشاركة الانتخابية انطلاقًا من تخصصه، كما يحلو للبعض، باعتبار التخصص الشرعي مدخلًا لتزويد القارئ بالحكم الشرعي في نازلة الانتخابات، كما يسميها، مما يثير نوعًا من السخرية السوداء، وكأننا نعرف الانتخابات الساعة… أو أننا ما زلنا في مرحلة التشاور للدخول في اللعبة السياسية أو رفضها، وغيرها من النقاشات الميتة، على الأقل في المغرب، منذ قررت الحركة الإسلامية المغربية العمل العلني والدخول في اللعبة السياسية.
فالانتخابات قائمة بعاهاتها المرافقة لها منذ فجر الاستقلال، وكذا المعيقات والعراقيل التي يتشبث بها البعض للانزواء وترك الساحة فارغة من الأيادي المتوضئة.
ولكن قصدي أبعد من ذلك: أن ينخرط الطالب الجامعي في مهمة الإصلاح.
والإصلاح، باعتباره عملية، يقتضي المدافعة، والمدافعة تقتضي اللعب في سقف الممكن، ثم المساهمة في رفع هذا السقف بين الفينة والأخرى.
إن المشاركة اليوم في الانتخابات، قلت رغم علاتها، مساهمة في قطع الطريق أمام المفسدين الذين زكمت أنوفنا روائح مصائبهم. فاللهم أثر طفيف تجلبه المشاركة، يفتح الباب لتوسيع المدى والفضاء أمام المصلحين، خير من مقاطعة تجلب لنا من يسد أفواهنا، ويعتقل أقلامنا، ويصيرنا عبيدًا دون عصر عبودية.
إن انتظار ضبط قواعد اللعبة، وتهيئة الملعب ونظافته، كما يصر الإخوة في الجماعة، يزيد الملعب نفسه تعفنًا، مما يتطلب مجهودات كبرى لإصلاحه.
وهب أن الجماعة اقتحمت هذه العقبة، وخاضت غمار الانتخابات، ألن يجد حزب العدالة والتنمية حليفًا يشاركه نفس المنطلقات، وينازل معه موجات الإفساد التي أغرقنا فيها البعض؟
نعود الآن إلى السؤال الذي عنونت به المقال: هل الأليق بالمثقف المعارضة دوما؟
والجواب في نظري: الأليق بالمثقف المساهمة في الإصلاح، وإشاعة الفكر النقدي. والإصلاح يتم عبر آلياته القانونية، من مشاركة في الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني.
وهذا كان حال طليعة الحركة الوطنية، التي سطر قادتها بمداد الذهب صفحات من الكفاح الوطني، ولم يتجاوز أغلبهم عقده الثاني.
ختامًا، لا أدعوك لمناصرة العدالة والتنمية أو غيره، ولكن أدعوك إلى المشاركة ودعم الأصلح؛ الذي لم يتورط نوابه في الفساد، ولم يلج أعضاؤه السجن بتهم المخدرات، ولم تلاحق أعضاءه شبهات تضارب المصالح.
فاختر…
ومن اختار المقاطعة، فليقدم جوابًا عن السؤال: ماذا بعد؟